الملجأ العشرون قصيدة في الذاكرة

قصص وأصحابها

الملجأ العشرون قصيدة في الذاكرة

علي خيون

بغداد

( كنت قد نشرت ذكريات عن شخصيات عراقية وعربية ممن جمعتني بهم حكاية معبرة وهم : علي جواد الطاهر ، عناد غزوان ، نزار قباني ، سهيل ادريس ، رجاء النقاش ، نجيب محفوظ، محمد حسنين هيكل ، طه حسين ، جبرا ابراهيم جبرا ، سمر يزبك ، لينا هويان الحسن ، ليلى العطار ، حميد سعيد ، عبد الرزاق الحسني ، موفق خضر ، فؤاد التكرلي ، سامي مهدي، عبد الرزاق عبد الواحد، بدر شاكر السياب ، امجد توفيق ، ماجد السامرائي ، احمد عبد المجيد ، العم غاوي ، رياض عبد الكريم ،خالد سلمان الدليمي ، الآنسة مياسة …  وأواصل هنا نشر ما تبقى منهم ريثما تصدر المجموعة في كتاب عنوانه ـ  قصص وأصحابها ـ قريبا .)

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

 عبد الوهاب البياتي ـ شاعر عراقي ، ولد عام 1926 وتوفي عام 1999، كان قد تخرج في قسم اللغة العربية عام 1950، عمل مدرساً ثم مارس الصحافة في مجلة الثقافة الجديدة ، تجول في عدة أقطار عربية وأجنبية ، لكنه قصد القاهرة عام 1964 وبقي فيها الى عام 1970، عاش في اسبانيا عقداً من الزمن .وفي أواخر حياته عاش في الاردن ثم غادرها الى دمشق واقام فيها حتى وفاته عام 1999.

   له دواوين شعر وكتب أخرى تزيد على الثلاثين ، منها ديوانه : ملائكة وشياطين 1950، أباريق مهشمة 1955، المجد للأطفال والزيتون 1956، الذي يأتي ولا يأتي 1966، يوميات سياسي محترف 1970 ، سيرة ذاتية لسارق النار 1974، بستان عائشة 1989وغيرها .

تعرفت الى عبد الوهاب البياتي شاعرا في أثناء الدراسة المتوسطة حين حفظنا له مقطعا من قصيدته (الملجأ العشرون ) وهي قصيدة مؤثرة يصف فيها اللاجئين الفلسطينيين حين كانوا يتبادلون الرسائل عن أوضاعهم الصعبة :

كفراغ أيام الجنود العائدين من القتال

وكوحشة المصدور في ليل السعال

كانت أغانينا، وكنا هائمين بلا ظلال

مترقبين الليل ،أنباء البريد

الملجأ العشرون

مازلنا بخير والعيال

والقمل والموتى يخصون الأقارب بالسلام ..

وفي نهاية السبعينيات ـ لا أتذكر السنة ـ جاء عبد الوهاب البياتي الى بغداد لمدة قصيرة، وخصصت له غرفة في مجلة ( وعي العمال ) التي كان لها شأن كبير كونها لسان حال الطبقة العاملة ( قال لي الصديق زيد الحلي إن ذلك كان عام 1979 حينما كان عزيز السيد جاسم رئيسا للتحرير ).

وقد نبهني أحد أصدقائي في تلك الايام، واسمه محمد مظلوم الزهيري ، وكان يعمل في المجلة ذاتها ، الى أن البياتي يجلس لساعات يقرأ الصحف في تلك الغرفة ، فسارعت الى مقابلته والتحدث إليه، ذلك لأنني صرت اقرأ له قصائده الى جانب الشعراء الآخرين ممن سبقوه أو عاصروه أو أتوا بعده ،وكونت فكرة عن شهرته العريضة في العراق والوطن العربي والعالم .

وجدت البياتي يجلس وحيداً يقلب الصحف ، فقدمت له نفسي، فقال وهو يفتح إحدى الصحف :

ـ هذه قصتك،  هل رأيتها ؟

قلت :

ـ لا ..لم أر الصحف بعد ، لقد جئت من البيت مسرعا كي اسلم عليك !

قال من دون مجاملة :

ـ أنا دائما أوصي الشباب بالكتابة بعد التجربة ، تبدو كتابتك ليست عن تجربة مع ان القصة شدتني من السطر الاول ، فأنت قطعت الحدث من مكان مناسب ، وأحيانا افعل ذلك في قصائدي .

سألته باهتمام :

ـ ما تعني بالتجربة أستاذ ؟ أجرب شيئا لأكتبه ؟ وأين دور الخيال ؟ فالقصة صورة مموهة عن الواقع .

  فتبسم ابتسامة قصيرة أشبه بالسخرية وسألني :

ـ أتعتقد أنني اكتب قصيدة وأنا جالس على هذه المنضدة ؟

وأضاف :

ـ أنا لم اكتب شيئا مذ جئت الى بغداد!

ولما وجدني أحدق في وجهه منتظرا المزيد من التوضيح قال :

ـ اقصد بالتجربة يا علي الانفعال ، أن تنفعل بشئ !

ـ مثلا ؟

تجاهل سؤالي وقال :

ـ في القاهرة كنت انفعل بأشياء كثيرة تثيرني وتحفزني لأكتب !

وعاد الى ضحكته الساخرة التي لا تظهر على وجهه كاملة وقال :

ـ البارحة انفعلت لأن فنجان القهوة جاءني باردا ! ولكن أي انفعال هذا ؟

قلت :

ـ لعلك تقصد المرأة ؟ لي تجارب مبكرة !

فسكت لحظة وقال :

ـ شئ يحرك داخلك … تلك تجارب ساذجة !

وتذكر شيئاً فسألني :

ـ من هي المرأة التي كتبت عنها هذه القصة ؟

قلت صادقا :

ـ لا اعرفها ، من خيالي !

فقال منتصرا:

ـ انتم الشباب بحاجة الى تجربة !

   خرجت في غير ارتياح ، ليس لأنني التقيت بالشاعر الكبير ، فهي فرصة لا تخلو من فائدة، ولكن لأنني لم افهمه وربما فهمته خطأ ، وشعرت بأنه يحن الى القاهرة ويشكو بغداد الضنينة بتجارب روحية ونفسية دافعة للإبداع ، وبينما كان يعني ان تكون لنا انفعالات حقيقية بتجربة انسانية محفزة ، فهمت الموضوع من زاوية المرأة .

فخرجت من غرفته الى شارع الرشيد ، حيث كان مقر المجلة في منطقة ( السنك )، وأنا ابحث عن تجارب تغذي المخيلة وتنتج نصوصا لا تكتشف أنها من دون رصيد حياتي.

   وفي موقف الباص ، وجدت فتاة جميلة تنتظر الباص ، واجتاحتني خفة ليست من طبعي،  تحت تأثير ملاحظات الشاعر الكبير ، فأردت أن اكلمها ، لكنني لا أعرف من أين ابدأ ، ويبدو أنها توجست من نظراتي أو تضايقت من اقترابي منها،متصورة أنني سأتحرش بها كما يفعل بعض الشباب، فسألتني بجفاء متهيئة للعراك:

ـ أكو شي ؟

قلت بارتباك :

ـ أريد أن أصل الى الباب المعظم ولا أعرف أي باص يصل الى هناك؟

كنت اعرف الطريق ، طبعا، ولكنه البحث عن تجربة ، فقالت الفتاة بلطف :

ـ حين يأتي الباص اصعد معي !

وجدنا كرسيين شاغرين ، فجلسنا متجاورين ، وكأن البياتي كان معي يحثني على التجربة فسألتها بسذاجة باحثا عن مفتاح للحوار والتعارف :

ـ أتعرفين شاعرا اسمه عبد الوهاب البياتي ؟

فقالت مسرعة :

ـ نعم ، صاحب أنشودة المطر ؟

 لم أصحح الاجابة لكي لا أحرجها ، لم أقل إن ذلك هو السياب ، فكأنني أحافظ بحذر على طائر جميل حط على كتفي ، إذ لم اصدق أنها مرتاحة الى جانبي ، متجاوبة معي وهو أمر نادر الحدوث في بيئة عراقية محافظة ، فقلت :

ـ كنت معه قبل قليل، كنا نتحدث عن مثل هذه المصادفات الجميلة !

فتطلعت في وجهي مستغربة وسألتني :

ـ تحدثت الى رجل ميت ؟ صاحب أنشودة المطر، الله يرحمه عزيزي!

ـ عفوا ، أعني …

فتجاهلتني وتطلعت من النافذة ونهضت وقالت للركاب :

ـ نبهوا الأخ حين يصل الباص الى الباب المعظم لأنه لا يعرف الطريق !

    كانت تجربة حقا كما قال البياتي ، لكنها تجربة بائسة ومزعجة ، فقد بقيت طوال اليوم اقرّع نفسي لأنني لم اقل لها إن السياب غير البياتي ، وحاولت ان اكتب شيئا تحت تأثير تلك الحالة، فكتبت قصة ـ غيرت فيها الأحداث بأن جعلت الفتاة تبقى معي ـ وحين نشرت لقيت إعجابا من أصدقائي ، ربما بسبب ذلك الانفعال العابر .

عدت بعد أسبوع لأواصل الحوار مع البياتي وافهم منه بعض جوانب تطويع التجربة في النص ، فقيل لي :إنه غادر بغداد الى القاهرة !

قبل أيام ، كنت أقرأ ما كتبه الشاعر سامي مهدي عن عبد الوهاب البياتي في كتابه  (في الطريق الى الحداثة ) فعرفت أن شخصية البياتي شخصية قلقة بل إشكالية بطبيعته والشاعر عنده ـ كما يقول هو نفسه ـ ” لا يتوقف هنا او هناك، انه متسكع وجواب آفاق، لا يقر له قرار، فان توقف قليلا فلكي يلتقط أنفاسه ولكي يعيد تنظيم قلقه واستبصاره وتشوفه للمستقبل “.

وعن التجارب يقول البياتي : ” لا تنحصر ثقافة الشاعر بقراءاته وانكبابه على ما خلفه الآخرون فحسب بل هناك أفق أرحب من تجاربه الباطنية الخصبة وهي التي تلعب دورها الحاسم في صبغ انتاجه بصبغة معينة “.

بعــــد تلك الحادثة ، لم أكتب شيئا من نقطة الصفر، بل كنت أضع نفسي في تجربة أو اسمع وأتـــــأثر أو أعيش حالة من الوهم والقلق، وبعد أن تختمر الفكــــــرة ، أقدمها ناضجة الى القراء ، يزينها الخيال وتهذبها المراجعة والتنقيح ، وصرت اسمي الأشياء بأسمائها فالسياب هو صاحب (أنشــــــــــــــودة المطر) والبياتي هو من كتب (الملجأ العشرون).