العزلة والنسيان في دیوان “لا شيء أجمل”

ثريا ماجدولين

عبدالعزيز كوكاس

 

 

عبد العزيز كوكاس

كاتب من المغرب

 

“لا ينفجر غير كتاب” مالارميه

منذ زمن بعيد بصمت الشاعرة ثريا ماجدولين ديوان الشعر المغربي والعربي المعاصر بملمح خاص منح صوتها فرادة شعرية قوامها عمق الرؤيا ولغة شفيفة متجددة على الدوام، كما لو أن الشاعرة تتعمّد في نهر الليثون قبل الذهاب إلى القصيدة، بدون أي ادعاء تجريبي، لأن لغة ثريا مبنية أساسا على التجاوز، تجاوز المقول وتجاوز منجزها الشعري ذاته باستمرار، لكن ديوانها الأخير “لا شيء أجمل” مثل كرز قطعة الحلوى كما يقول الفرنسيون، يشكل انعطافا كبيرا في منجزها الشعري الزاخر، على مستوى اللغة الحالمة والرؤيا الوجودية.. ويبصم على قصيدة مبتهجة الإيقاع، مكتنزة المعنى، بعيدة الخيال الشعري الذي يعطي للقصيدة شكل الزمردة بتعدد أضلاعها وبهاء طلاء لغتها..

يشكل ديوان “لا شيء أجمل” تجربة متميزة في مسار الشاعرة ثريا ماجدولين، إذ ينم عن عمق فكري واكتناز معرفي باذخ، تطويرا للانعطاف المميز الذي طورت من خلاله تجربتها الشعرية، منذ ديوانها “سماء تشبهني قليلا” الصادر عام 2005، والذي رسخته في ديوانها “أي ذاكرة تكفيك” الصادر عام 2008، حتى ذهابها “أبعد ما يكون” في منحى شعري متفرد، اتخذ شكلا مغايرا في ديوانها الأخير الذي أعتبره تمثيلا عميقا لصوت شعري وشم نفسه بقوة في سماء القصيدة المغربية والعربية المعاصرة إلى جانب أسماء وازنة.
ظلت ثريا ماجدولين تنسج صوتا متميزا.. منذ الثمانينيات، جاءنا ألقها الشعري يافعا، يقظا، مبهجا ومبهرا، بصمت من خلاله هذه الثريا على فرادة لغتها، ونخوة قصيدتها، وما فتئت تطور لغتها الشعرية بحذق لا ينام على وسادة الاستعمالات الكسولة والمكرورة.. في ديوان “لا شيء أجمل” تريد ثريا ماجدولين أن تعيد اللغة إلى أصحابها وتكتفي بالإشارات، ولا تطرق باب البلاغة لتبحث عن الحقيقة، وتقف على قبرها لتحدق في البقايا الخالدات، من ذكريات وأصدقاء وهدايا صغيرة، ومواعيد لم تتحقق وعزف حزين وأحلام مؤجلة كمن سُرقت منه الحياة في غفلة العمر، تقول ثريا ماجدولين بحرقة:
“أين كنت
حين كانت للحياة
نوافذ مشرعة؟”
كمن اغتصب في وجوده الفردي والجماعي، وهي المرأة الحرة التي تعشق “البلاد التي” لم تمنحها هضبة واحدة لتغرز فيها بكبرياء راية بيضاء للهزيمة، ولا الذين آخوا الطريق والرفيق بقوا على صفائهم وودهم:
“سراب كل ما كتبته من قبل
عن الحب
أو ضباب
على الأرجح
لعبت الحياة كما لا أشتهي
وجاء الحزن من كل الجهات
وانتهيت
موطنا للريح”.

لذلك اختارت تقديم أضمومتها الشعرية بما يشبه الصرخة: “خذوا ذكرياتكم وارموها في البحر، فالعالم ليس بحاجة إلى ضجيج”. إنها غير نادمة على أي شيء إذا استعرتُ لغة إديت بياف التي ‏لا تبالي بالماضي، ‏ورفقة ذكرياتها توقد ناراً، حتى أنها لم تعد تحتاج لأحزانها وسعادتها. وعجبا أن الأغنية الشهيرة كما عنوان ديوان ماجدولين يبدءان بالنفي: لا شيء rien. التخلص من الذاكرة الجماعية هنا لا يشمل فقط الأحاسيس والتجارب وباقي أشياء الماضي، بل أيضا اللغة المعبر عنها، لتبحث لنفسها عن لغة جديدة من قاع النسيان والعزلة، إنها انتماء للصمت الذي حدثنا عنه بسحر لا يضاهى جوزيف دينوارت Dinouart الذي كتب في القرن الثامن عشر كتابا أنيقا يحمل عنوان “فن الصمت”، يقول فيه: “وحده من تعلم سلفا كيف يصمت، يكون قادرا على الكلام”، تقول الشاعرة:
“سأضع كرسيا واحدا
حول الطاولة العريضة
وكأسا واحدة أمامي
وأطفئ كل يوم شمعة
احتفاء بالصمت”.

عتبات النص في ديوان “لا شيء أجمل”
على الرغم من إصرار الشاعرة على أن ليس لديها عتبات للقراءة الأولى كما عودنا النقاد، فإننا بعناد من يريد تعلم حسن الضيافة في حضرة النص الشعري، نلج القصائد من عتباتها، بدءا بالعنوان “لا شيء أجمل”، الذي يفتتح جملته الإسمية سلبا ونفيا ورفضا، وكل عناوين القصائد التي يشمها الديوان اسمية بلا استثناء، أي أن الزمن لا يفعل فعله في التحول، إنه التأبيد والثبات والديمومة، “لا” نافية للجنس كما يقول النحاة، هذه (لا) في عنوان الديوان ممهورة بتوقيع أنثى، حيث ينتصب اسم الشاعرة في أعلى صفحة الديوان، فيشكل العنوان وصاحبة الديوان المخطوط باللغتين اللاتينية والعربية، ثريا مضيئة في سماء الغلاف، لا شيء أجمل: لا نافية للجنس تنفي حكما عاما عن جميع أفراد جنس الاسم الواقع بعدها (لا شيء) والاسم المتصل بها نكرة (شيء).
يقول اللغويون في تعريفه: ما يصح أن يُعلم ويُخبر عنه، وقيل كلمة تدل على كل ما هو موجود وكل ما يمكن تصوره، وفي الفلسفة له أبعاد ومتاهات بدءا بدلالته على الموجود الثابت المتحقق في الخارج، أو الموجود في المحسوس، أستحضر عنوان كتاب ميشيل فوكو “الكلمات والأشياء” الذي بصم به نفسه كفيلسوف كبير، وهو عند المتكلمين اسم مشترك المعنى، يقع على الموجود والمعدوم..
“لا شيء”.. ينفتح العنوان على العدم، الفراغ، نحس بمعنى “اللّيس” الذي تحدث عنه الكندي في مقابل “الكون”، الليس مقابل الكائن، أي الوجود والعدم.
والشيء أيضا مصدر فعل شاء: التي تدل على الإرادة والحب والرغبة والحرية (كما أشاء) والاستحسان (ما شاء الله) واللانهاية (إلى ما شاء الله).. كل هذا يحسسنا كما لو أننا أمام العتمة الأولى في السديم قبل الخلق حيث كان الوجود عدما، مادة هيولى قابلة للتشكل والخلق، لكن كلمة أجمل تملأ هذا الفراغ، حيث يصبح النفي إثباتا لحقيقة أن كل شيء جميل، لا يوجد شيء أجمل (صيغة التفضيل) بل الكون برمته من خلال الشعر، الحب، الموت، الوطن، كله جميل… وهذا ما تصدح به قصائد الديوان حتى في عز الألم والعتمة والتيه وباقي الخيانات والخيبات والإقصاءات.. ووجود امرأة لم تعد تحلم سوى بأن تموت بعنفوان.. على خلاف عنوان الديوان النكرة، تأتي كل عناوين القصائد الثمانية معرفة باستثناء قصيدة واحدة “امرأة حرة” ولو أن الصفة هنا فيها بعد التحديد، وتمييزه عن باقي الموجودات، بالنعت والصفة كما يقول النحات.
هذه هي النغمة التي تحكم ديوان ثريا مجدولين، الذي يمثل انعطافا في مسارها الشعري الزاخر، أحس أنها انتقلت من زمن “أوراق الرماد” والمتعبون حيث وشم الذات الجماعية والأسئلة التي هيمنت على الجسد الاجتماعي المغربي إلى وشم الجسد وبوح الذات وأسئلة وجودية ذات طابع كوني: الحب، الموت، الوجود، العدم.. حتى ولو كانت أول قصيدة تفتح بها ديوانها “لا شيء أجمل” تحمل عنوان “البلاد التي”، تحاول ثريا ماجدولين من خلالها أن تستعيد دمها من برج الوردة، وحتى لو استعادت اسمها من كتاب العشق ورسمت له جناحين ليطير لما حط على غير غصن شجرة هذه البلاد ثانية. تقول:
“قد ترحل المحطات التي جمعتنا
قد تنزف الأماكن
لكن هذي البلاد سيف
مقيم في عنق الكلام
لا البعد عنها يقصينا
ولا القرب منها يدنينا”.
لكنها غير البلد حيث الأجساد تركض والعيون متعبة والوجوه الغابرة، والأحداق يسكنها الرعب، ليس بلد جبر الضرر عن الحزن والرصاص، بل بلد كينونة بأفق إنساني، بعد سلسلة انكسارات وأيضا بعد نضج التجربة الذاتية للشاعرة في وعيها بنبضها الشعري وبسياقها الوجودي الوطني والكوني.
صورة الغلاف هي جدارية، نافذة مفتوحة في كوليور، شخوص غفل بلا ملامح ولا سمات، شخوص أغلبهم نساء في وضعية راقصة دائرية، بينهما مساحة بياض، مسافة ضوء، لكن الامتداد نحو الآخر يشكل رغبة، لكنها تظل محتملة التحقق، كائنات بشرية بلا ملامح واضحة في حالة رقص دائري بأجساد عارية. لوحة هنري ماتيس الذي ظل دوما يحلم ببهاء فن الصفاء الوجودي، وإذا كان الاختلال حقيقة فإن حلمه بإقامة التوازن الوجودي، ظل رغبة تعكسها وجود شخوصه دوما في حالة حركة، رقص دائب، كائنات هلامية تبحث عن “الاسترخاء من التعب الجسدي” والوجودي عامة.. كل ما هو موجود هنا جميل، لا شيء أجمل هنا، تلك بصمة مصمم الغلاف الشاعر الأنيق والفنان المبدع زهير أبو شايب صاحب “ظل الليل”، سيرة العشب” و”جغرافيا الريح والأسئلة”.

شعرية صوت العزلة ولغة النسيان
تسعى لغة الديوان إلى تكثيف الدلالة وخلق إيقاع زمني مشوب بالتوتر لا الطمأنينة، بالاشتداد لا الامتداد، بالسير خارج رهانات الزمن العام وضغط المجتمعي، في ظل هذا الزمن الإيقاعي الخصوصي تقيم قصائد ديوان “لا شيء أجمل”، حيث يشتد الاختلاف بين الذات وسياق وجودها، بين ذات تبحث عن الاتصال وسياق وجودي عام يصر على الانفصال، ذات خارجة عن الشرط العام وقيمه، بحثا عن كينونة وجودية خاصة، بحثا عن توازن للذات المبدعة في مساحة بالغة التوتر بينها والآخر، فردا أو جماع… امرأة حرة في زمن بلا حرائر، حيث لا يستوي الأمر بين الرجل الذي يجهل والرجل الذي يعرف بصيغة التمني “لو”، وبين البلاد التي تسكننا ولا نسكنها، البلاد التي مهما ذهبنا بعيدين ترحل فينا، والبلاد التي لا تمنحنا رصيفا نتوسده من أجل الحلم.. تقول:
“يا قلب
يا توأم الجمرة
طُعم هذا الخريف مُرّ
والرياح التي نبتت في فناء الروح
تحفر في داخلي طريقا للشجن”.
وبنوع من الحنق حد اليأس أو الانتقام، تقرر:
“أن أوصد باب الجمرات
على نفسها
كي تذوق معنى الحريق”.
كتابة الشاعرة ثريا ماجدولين تخرج من جاهز الكليات والمؤطر سلفا، إنها تتجاوز ذاتها بالمفهوم التفكيكي للتجاوز كما حدده وأطره دريدا، كتابة لا تكرر لا معجمها ولا سياقها ولا إيقاعها، لأنها مندورة دوما للتلاشي، ما قيل هو ما تسير ضده نحو ما تود قوله، فيما يشبه المحو المستمر، حيث الكتابة توجد على طرف الخطر، تتعلم الإقامة في اللامكان، كي لا تنبت لها جذور، ولا تذعن للحقيقة ولا تساوم الليل على النوم ولا تعاتب الزمان ولو قليلا..
لذا فنصوص ديوان “لا شيء أجمل” هي سليلة العزلة، “سآوي إلى الغرفة الأقصى/جهة الروح”،” تركت الأرض التي شهدت تعبي/ وحملت حدودي معي/ إلى غربة أخرى”.. ليس القصد هنا الابتعاد عن الناس واختيار الوحدة، بل هو الانتماء إلى ما نظّر له موريس بلانشو منذ مقاله عن “العزلة الضرورية” حين حديثه عن سؤال الكتابة، عبر فكرة عزلة العمل الأدبي. لا إرث هنا ولا وصية، فقط الإقامة في الغموض، حيث وضوح القصيدة هو التباسها، وحدة دالها وتعدد مدلولاتها، تقول ثريا ماجدولين:
“من الآن
وبجرأة ثور محموم في ساحة الكوريدا
أقرر أن أفك أزرار النهار
لأقبض على الضوء
وألقي الكلمات التي
تعصف بالصدر…
وأمد ذراعي حول العالم
كالريح
وأمضي نحو النهاية بتثاؤب
مثل النهار
وأواصل طريقي بعنفوان
نحو شرفة العزلة
متى كان الضجيج وجهة الشعراء؟”.
عزلة الذات الشاعرة ليست سوى عزلة النص الشعري مصدر فرادته وألقه كما يعلمنا سوليرز. إنه “فعل تكوين لا يتحقَّق إلا عندما يُنظر إليه كفعل تمَّ، واكتمل، وتبلور في مادة نصية معروفة. وهو عمل مرَّ بعدة مراحل في الزمان والمكان، وعلى صعيد الأنا والغير، وفي واقع الأمر يبقي دائما غير مكتمل في الزمان والمكان، وتكمن وظيفته لا “فيما يعبِّر عنه” وإنما “فيما يُهيِّئُ له”، ها هنا نص قيد التشكّل الدائم، صيرورة وتحويل، تجاوزٌ مستمر للموروث وتحدٍّ ضد الجمود..
فعل الكتابة هنا زوغان، بالشكل الذي حدده موريس بلانشو، “يسلبنا حقنا في لغة ما، حتى ولو كانت منحرفة ومصحفة”، ها هنا قصائد ديوان تتجاوز مجموع منجز ثريا ماجدولين، إنه زوغان الكتابة، وصداقة المجهول العصي عن أي بيان وعن أي كلام ممكن.

دوال لغة لا تؤاخي حتى ظل مدلولاتها
ديوان “لا شيء أجمل” مكتوب بلغة أنيقة، كلماته مدوزنة، حتى أننا لا ندري ما الذي يسبق في قصائد ثريا: هل الحرف أم النغم، الكلمة أم إيقاعها، الجملة أم مقطعها الموسيقي. حيث نبرة القصيدة ليست في تعابيرها الوجدانية ولكن في هذا التشكيل الجامع بين الصوت وصداه، الكلمة وأشيائها، الإيقاع ومداه، في الصورة المنسوجة على غير سابق، لأنها لصيقة تجربة إبداعية به تبني تفردها وتميزها الشعري، حيث يمكن البحث عن ماء النص في خلجان هذا المدى الشعري المفتوح على قضايا وجودية كبرى، الموت، الحب، الواجب…
قلق ثريا وإن كان لا يخرج عن المشترك الجمعي، محليا وكونيا، من صراع ضد الظلم ومن أجل الكرامة، إلى الحب كقلق وجودي مهيمن على جل المتن الشعري، حتى الموت وما بينهما، غير أن له مكانا خاصا في قلب هذا المشترك، به تصنع كلماتها وفيه تعيد تشكيل هويتها وعبر الكشف عنه نقف على رؤيا ماجدولين للكون، للإنسان والتاريخ والزمن والكون.. قلق غير القلق، لغة غير اللغة.
تنقذ الشاعرة اللغة من ثقل آفة الاستعمال، أحس أنها تُجري دوما حمية قاسية لتخرج قصيدتها رشيقة مبنى، لكنها مكتنزة معنى وإيقاعا، إنها تُغرق اللغة كما ينصح باخثين الشعراء، في نهر الليثي Léthé ، أي نهر النسيان، نهر الليثون المرتبط بعالم الأموات في الأساطير الإغريقية، حيث ينسى الموتى عندما يشربون من النهر حياتهم السابقة، وآلامهم وآثامهم، لغة تنسى محيطها وقاموسها وكليشهات الاستعمال التقليدي، لتكتشف أراض بكر ومعاني خاصة تخفي تحتها طبقات كثيفة من المجازات والاستعارات المتجددة التي تتخلص من الاستعمال المشتركة.

ملحوظة للاستثمار أو مجرد سؤال يحتاج إلى تساؤل
يثيرني بعد البحث في قضية النسيان والذاكرة في اللغة الشعرية، وأستعيد هنا نصيحة خلف الأحمر الذي مثل أكبر ذاكرة للحفظ، للشاعر أبي نواس حول حفظ ألف بيت ونسيانه، يقول أكبر شاعر للمحو والنسيان: “ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى الأخيلية فما ظنكم بالرجال؟” وقصيدة “نهر النسيان” لشارل بودلير، وتجاور الذاكرة والنسيان من خلال الذوق والروائح في عمل مارسيل بروست الضخم “البحث عن الزمن المفقود”.. لم يحفل اليونانيون بالإلهة نيموزين إلهة الحفظ والذاكرة، بل لم تذكر إلا مرتبطة بتسع بنات اللواتي أنجبتهن من الإله زيوس، الربات الملهمات للموسيقى والشعر والمسرح، إنها فضيلة المحو الجماعي التي تبدع عبر الحاجة للنسيان لا استعادة الذاكرة.