قراءة في (بروفايل للريح/ رسم جانبي للمطر)

الحطّاب و مغامرات النبوءة الشعرية

(قراءة في بروفايل للريح/ رسم جانبي للمطر)

آلاء محمد الحسيني

يحق لنا أن نقف على فلسفة “النبوءة الشعرية” قبل التعريج إلى عوالم شاعر متعدد النكهات.

أن الشعر يمتلك إمكانات كبيرة لم يستنفد منها إلا القليل، ومن تلك الإمكانات قدرته في التنقيب عن الأسرار المكنونة للوجود إذ لا يستطيع أي علم أو فن التقاط خباياها. بوصفه علما كليا يصدر من عالم أكثر حقيقة من عالم الظواهر، فهو بطبيعته يخترق عالم المحسوسات ويعلو عليه رادا إياه إلى قواعد معماره ويمكن وصفه بأنه (عالم ثابت غير قابل للتغيير، محكم دقيق)(١) بخلاف علم ظواهر الأشياء في الواقع المعاش الذي يتسم بأنه عالم معرض للزوال كل حين، فليس له معالم واضحة، إنه عالم مبهم لا يجري على نسق من الترتيب والانتظام، أي أنه في حالة من التغير والتبدل وهو غير قار الوجود، يتراءى بأشكال وصفات لا يتوقف عندها بحال من الأحوال، فوصف (الأشياء بأنها موجودة متى كان لها زمن أي حينما نشير إلى زمن تكون فيه موجودة دون أن يستثنى إمكانية وجودها في كل الأزمنة)(2)

فالأفكار والمشاعر والعقول والأشياء المادية كلها موجودة، ولكن الكليات ليست موجودة بهذا المعنى.. أي أن وجودها لا يقترن بزمن ما. ومما سبق ذكره يمكن تعريف الشعر بأنه (كم خالص متصل، وكيف متعال ينفي ما تحته وزمان كلي، وإقصاء للآنية، ومكان كلي وإقصاء للمحدودية ووضع كلي يحتمل النقائض، وملك قابل للإلغاء، واستبدال ملك بدهي بملك آخر،

وهو فعل كلي في الوجود، وانفعاله فيه (٣) جوهره يمنح إدراكه فهما منوعا فمرة يتعلق بشياطين تلهم شعراءها مثلما كان لليونان ربات تلهم الشعراء، ولولا هذه الشياطين لما أتاهم الإلهام ولا نطقوا به، لشعراء العرب شياطين تنطق به على ألسنتها كما يعتقدون.
والإنسان منذ فجر التاريخ حافل بينبوع أصيل من النبوءات الغيبية التي تغلغلت في ضميره، فراح يرسم رؤياه التنبؤية بحكايا، وقصص، وأشعار خشية القلق والخوف الذي يساور حسه الوجودي، مما يراه من ظواهر الطبيعة، وأحداثها فضلا عن إيمانه بالأرواح المحتجبة التي يخشى طوارقها (٤) لافتقاره بمعرفة ماهياتها (وذلك أن الإنسان بحكم طبيعته التأملية، وما ينتابه من القلق غير راض تمام الرضا عن حاضره، وهو لذلك آسف دائما على الماضي بحلوه ومره، وهو أمل دائما في المستقبل عسى أن يأتيه بما هو خير من الماضي والحاضر، وهو كذلك دائما وأبدا ممزق بين الخوف والرجاء (٥) مما جعله يخلق صورا من مبتكرات إدراكاته الحدسية عن طريق تصويباته المتخيلة مرتقيا بها صوب مظاهر الوجود؛ ليرى نفسه مطمئنا بما يخلقه من أساطير الموجودات، فبات يخلق لها من مخيلته أرواحا تسكنها؛ ليحقق لها بذلك وجودا حيويا وحيا راح يقدسه، فينزع عليه من غلالته الهدايا والنذور قانعا بها نفسه على أنها سوف تبث في قلبه الطمأنينة والراحة فكانت في ذلك البداية الأولى لنشأة الدين بالكهانة والسحر، وما إليها كصور متعددة لظاهرة اجتماعية تتمثل فيما عند الإنسان البدائي من نظام يتناول حوادث الطبيعة (٦) إذ أن العرب قبل الإسلام كانوا قد أفرطوا في اللجوء إلى شعائر وعادات وممارسات آمنوا بها وسائل يتنبؤون من خلالها لرسم صور مستقبلهم وفي قضاء حاجاتهم وفي درء الأخطار عنهم ومنها: العرافة، والقيافة، وزجر الطير، والأحلام، وخطوط الأمل، وسك الحصى، والتكهن، والحدس والتنجيم فضلا عن ذلك التنبؤ بالفراسة والاستقسام بالأزلام عند الأصنام وغيرها (٧) ولم يكن الشعر بمنأى عن تلك المعتقدات والأعراف وبخاصة ما يتصل بها من أمور التنبؤ، فمنذ القدم عرف الشعراء بميلهم إلى الحلم والفراسة، ووصفوا بقوة الإلهام والتنبؤ بالغيب…

 

فلابد لي أن أقف على بساط شاعر يُخالط فتات النجوم، عظيمٌ مثل مسيرةٍ ملحمية لأقول:
كأنّي قد عرفتك قبل هذا..
مُرادفًا لولادةٍ ما؛
أو لموتٍ ما،
فلستَ ممّن يمرّونها كثيرًا!
كأنّي قد رأيتك قبل هذا..
تشقّ الليل كانبلاج الفجر،
فلستَ ممن يكتبون
بالضّوء الباهت على الأبيض!
كأنّك قد سكنتني قبل هذا؛ فكنت حُلمًا
قبل أن، تتسيّد اليقظة؛
فلستَ ممّن يركنون للأحلام..
شاعر النور أنت…
لأنّ امرأة مثلي جديرةٌ
بأن تعيد صياغتك.

نعم… عرفت الشاعر جواد الحطاب منذ نعومة أفكاري وما زال يداهم مخيلتي بين الحين والآخر فتعلمت منه أن الكتابة الشعرية عملية فض بكارة اللغة بخيال خصب وكأنه فارس في تلاقح الجملة الشعرية فيولد صوراً تحمل هويته الشعرية أينما حل ورحل فتقف قصائدهُ بكامل أناقتها تاريخا عراقيا خالصا من شوائب المدنس، وحين سألته ذات يوم عن مراحل كتابته للقصيدة … زارني الى بابل ليسقي عطش فضول أفكاري بتذاكر ذهبية عن شجاعة الجندي العراقي والنكبات الذي تعرض لها المجتمع العراقي منذ نشوب الحرب العراقية الإيرانية، جسّدها بدفتر من المائة ورقة وقال: في هذا الدفتر جواب على سؤالكِ؟ وحين قلبته انتابني شعور متضاد بين الفزع – والشجاعة فعندما قررت أن امخر بين السطور رأيت مقاطع، وجملا من قصيدته تماثيل تلك القصيدة التي اختط بها الحطاب لشعريته أفقا جديدا وكأنها أبنته البكر الذي جهد كثيرا في مراحل نموها هكذا كان اهتمامه للإشتغال عليها وكيف كان يشذبها بين الحين والآخر مثل أب برع في تربية ابناءهُ أبنائه فاختصر تلك المائة بورقتين فقط في نهاية الدفتر!
ومنها عرفت أن القصيدة الشعرية اشتغال وجهد وعرق وليست دفقة سانحة ندونها على الورق وتطور الأمر في ذاتي حتى أدمنت القراءة في إنتاجه وساعدني ذلك لأسلط الضوء على جمرة مُوقدة في حياة الشاعر ألا وهي (المرأة) التي رافقته منذ الطفولة إلى الآن

فكانت هناك محطات رصدتها في مجموعاته الشعرية كنت أخشى أن يعثر عليها قارئ سطحي مكلف يتجرد من جنون المغامرة والدربة الطويلة في شعرية الحطاب ورغم الدراسات الكثيفة حول الشاعر لكن الغاية النسقية التي يومئ إليها الشاعر شحيحة الحضور في ذهن القراء وانا اليوم استخرج من جعبتي فاكهة شعرية طازجة؛ لأطعم بها عشاق الحرية وأفض بكارة المكنون الذهني وارفع الغطاء عن كتابه (بروفايل” للريح.. رسم جانبي للمطر)” الصادر عن شرق غرب للنشر ببيروت” تذكرت تلك الجملة الذهبية: الشعر عملية نحت ليس إلا…

فالكتاب يحمل في طياته” تنويعات على نصب الحرية “كما يشير عنوانه الفرعي جاء ليكون عملية نحت موازية للنصب تنطلق من المنحوتة لتضع منحوتة شعرية جديدة بكثير من الجهد فالحطاب في كتابه هذا الذي تبلغ عدد صفحاته 83 احتلت صور منحوتات جواد سليم نصفها. في توليفة رائعة بين المقاطع والصور والإخراج الراقي الذي ظهر به الكتاب لينصف التجربة وليظهر جمالياتها كونها مخزون ثقافي عراقي صرف فكان هذا المشروع الذي أنجزه الحطاب الخفيف وزنا الثقيل قيمة فنية وجمالية نوعية حقا.
فعند الغوص في هكذا ثقافة شعرية لا بد للباحث أن يستخرج اللؤلؤ المكنون في طيات هذا التراث الخصب الذي رفض الخضوع والتذلل للسلطة حتى إنني أنزلت التماثيل من مرمرها وأدرجتها بين الناس في واقعهم وواقعها الجديد عبر الإيماء إليها والحفر الدقيق في خباياها. هكذا الحطاب أنزل تلك التماثيل من أعلى النصب وضخ فيها حياة جديدة والبسها ثياب الكلمات

ليقول:
حبة دمع واحدة
من عين أم …
كافية لتعقيم الملائكة
أو دعوته الى رفع الأفق كي لا يغيب الدم
يا أمناء سر الجرح،
ارفعوا الأفق.. لتراه
فلا غياب يزور دم ابنها

 

يا للعجب … من هذا الهتاف الشعري الباذخ يبذله الحطاب بشراسة للامعان في مهمة شرح الموت لا للأحياء وحدهم، بل للأموات الذين ما زالوا يبحثون عن معنى لزوالهم غير المبرر/ فقدانهم المجاني وإهدار حياتهم في زوبعة من اللا معنى، الشاعر هنا يحاول إظهار المعنى من (كمونه) أو تحريضه على الظهور في مشهد شديد الغفلة والنسيان حين يكون لا مجد في الانتصار. عليكم احترام الهزيمة. ربما هذه خلاصة الفكرة خبرة أخيرة يقدمها لنا العدم لا مجد في المجد كما قالها الراحل البريكان المهدور دمه بلا معنى يقولها الحطاب مجددا للمهدورين أيضا المعنى هو المهدور أكثر من غيره هو القتيل ابدأ علينا ألا ننسى ونحن نقرأ شعر الحطاب أن هذا الشاعر لم يوظف إمكاناته للدخول في بهو البلاغة، بل هو يتمرغ بدم الواقعة منذ (سلاما أيها الفقراء) حتى موت هؤلاء الفقراء على قارعة اللا معنى.

يغريني وميضُ نصوص الحطاب وكأنها قصائد مقدسة يختلج صدري بها، فتمسحَ عن ترائبيَ الآثام، كونها وحدات دلالية تحمل معالم النبوءة الشعرية، لتحتضن الذات الإنسانية، وفكرة النص بتركيز وكثافة تسهم في تصعيد حساسية المتلقي لاقتناص الأفق الشعري، وكأنها تداعب المقدس عند القارئ فيتخذها بؤرا شعرية توزع خطوطها حاملة هموم الواقع بكل تداعياته.. إذ يطرح منظوره في الرؤى بنفس تصويري مفعم بمشاعر التداعي، والانزياح باعتماد ثنائية التضاد..

فيقول:
وتعددت الأيام
الجمعة الدامي..
الأحد.. الثلاثاء.. السبت.. الأربعاء
امتلأ الأسبوع دما
فمن أين سنستأجر أياما بيض..
وهمرات / فتاوى / الأحزاب
سجلتنا زائدة (حياتية) (8)
.
نرصد عبر هذا النص أن النفس البشرية ‏ملتقى التناقضات فالشاعر قطع الأمل بالحرية من حبل السرّة ليعبر بالصور المجسمة عن الخيبة …
إذ يقول
:
لا لزوم للتكهن
ولا كمائن في المجهول
شعب.. يفك شفرة الطحين
شعب لا يوضع في البراد
ٍ…………..ٍ……..ٍ…
……………………
نرشد الحياة
الى الحياة
نوقظ الأضرحة / (9)

يستنطق الحطّاب كل شيء حوله كونه مؤثر في البناء الحدثي ومسهم في خلقه شعريا بقدر ما يحمل من وعي تاريخي وحضاري فيمزج الآباء بالواقع الأليم الذي يتعذر الحياة، فيشير بنهارات تحمل الغيم الأسود، بغرف معتمة، بموتٍ مكتوب لا هروب منه بخيالات تندثر لحظة ارتطام الموت بالحياة حتى أن صورة الزمن عنده وصفا لما هو كائن.. لذا فهو يغلف عاطفته بضبابية الأسى فيفجر تجربته الفكرية التي تعبر عن روح العصر لتصبح شاهدا.. لذا فالنص
الشعري عنده فعل مشارك لحركة الحياة عبر رؤاه المتجاوزة.. إذ يقوم على بنية زمكانية مركبة مع اعتماد التكثيف بالاتكاء على تقانات اللغة تركيبا جمليا ومفردة رامزة محركة للخزانة الفكرية والمشاركة الوجدانية لسلطة الشاعر من اجل إعادة تشكيل الوجود والأشياء.. فضلا عن
اختيار الفكرة، وزاوية التناول حيث القبض على نبض الحدث متوهجا …
:
لن أدفن تماثيلي الصغيرة في بابك
لاسترضاء موتاك..
رايتهم
يموهون بالذهب قبضات أسئلتهم
ويقدمون لك الأجوبة
في بريد مساء السبت / (10)
.
نرصد تلاقح شعري بين الموروث الشعبي والأسطوري والتاريخي وما بين الذاتي والموضوعي عبر واقعية الحدث المتجذر تاريخيا ومعتقد الرافدين القديم (حيث تدفن التماثيل الصغيرة عند عتبات البيوت الجديدة درءا للأرواح الشريرة.. بلغة المجاز التي تحيل الى أجواء الرمز الذي هو تعبير عميق الفكرة.. مزدوج فالشاعر يلوح أن نصرخ بصوتٍ دفين فالموت أن نعيش بمهانة ألا يسمعنا الصدى المقابر وحدها الحياة
والحياة ليست لها المعنى ….
ليقول
:
اجلس عند مفترق
الهتافات
تحيط بي النوارس
وتصنع لي الأمواج
حساءً باردا
من خشب وغرقى / (11)

رصدتُ أن الحطاب يبرز بكامل أناقته الشعرية بلمسات الحزن أكثر من الفرح فيبدو اكثر جاذبيه، وكونه يمتلك قدرة متميزة في صياغة تصوراته للواقع وصراعاته.. لذا فهو يوظف دلالة الكلمة في الصورة ليحقق تعانق المعنيين معنى الصورة ومعنى اللفظة، فيشكل لوحة إبداعية محققة تشعر القارئ بالمتعة والدلالة في آن واحد، إذ يوازن بين طبيعة اللوحة التشكيلية المتمثلة في استعارات أشكال التعبير والنص الشعري الواعي الذي يدلي بأفكار توحي برمزية الأشياء التي تخضع النص الى التأويل … إضافة الى توظيفه تقانة الحوار الذاتي لخلق الصورة التي تعبر عن تجربة ذهنية باكتفائها بالإشارة للّحظة المقتضبة بطريقة تعتمد الاختزال السابح في عوالم التخييل والتأويل.. فليس من خائب من يغوص في مكنون عالم الحطّاب الشعري.

:
تهمزنا الشموع العاقرة
فنرحل..
مصابين بتشمع التذكارات نحو (باب الشام)
صحراء..
صحراء …صح…
لاااااااااااااا.. (11)
.
أي حزن هذا!!!
أراه معتقاً في تابوت الكلمات فالألم الذي يتذوق القارئ لهذا النص، ومحاولة استنطاق النقاط التي تركها الشاعر لا يضاهيه ألم فالجرح الغائر لا تسعفه لغة، ولا يبرهنه عراف، فالحطّاب يقدم لنا نصا مشبعا بالهم الإنساني إذ تقطيع اللفظة وتحول معناها مع درامية تعتمد الاختزال الذي عمق الرؤيا مع تميز بكثافته الشعورية، والجمالية ،والفنية بتدفق مستفز للحظة الشعرية من خلال امتلاكه تقنيات فنية استجابت لمقدرته الإبداعية ونبشت خزينه اللغوي ومرجعياته الثقافية الذي صبها في سياقات تعبيرية موحية قوامها الصورة لتجسيد المعاني وفق بنية تشكل جوهر الفكرة التي يطرحها الشاعر بمنظوره التصويري المفعم بمشاعر التداعي فنجده يجتهد لترويض اللغة وتطويعها في انزياحاتها عن مساراتها المألوفة وتفجير طاقتها الإيحائية فالحشرجة(…) التي تركها للتأويل كانت بوح يهز المشاعر العقيمة

*
إشارات وإحالات
(1) مشاكل الفلسفة برتراند رسل. ت عبد العزيز البسام: محمود إبراهيم محمد، مطبعة الشعب ١٩٧٤م: ٨٨.
(2) ينظر: العقل الشعري. خزعل الماجدي. دار الشؤون الثقافية. بغداد ط١/ ٢٠٠٤م: ٧٣ .
(3) العقل الشعري: ١١٢- ١١٣.
(4) ينظر النبوءة الشعرية دراسة في شعر احمد مطر: ١٨
(5) القرآن والسيرة النبوية، مجلة عالم الفكر، مجلد (۱۲) ١٩٨٢م: ٢١٦.
(6) ينظر الشعر الصوفي، عدنان حسين العوادي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ١٩٨٦م: ١٣.
(7) ينظر: في نقد الفكر الأسطوري والرمزي: ۲۳۲.
(8) الأعمال الشعرية، جواد الحطّاب: ٣٦٣
(9) الأعمال الشعرية :٣٨٩
(10) الأعمال الشعرية :٤١٣
(11) الأعمال الشعرية 424
(12) الأعمال الشعرية :٣٩٩