سينما المقاومة في غزة بعيون المخرج الفلسطيني مشهراوي

أسوان‭ (‬مصر‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)  ‬يفخر‭ ‬المخرج‭ ‬الفلسطيني‭ ‬البارز‭ ‬رشيد‭ ‬مشهراوي‭ ‬بـ‭”‬سينما‭ ‬المقاومة‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬العنوان‭ ‬الذي‭ ‬اختاره‭ ‬مهرجان‭ ‬أسوان‭ ‬لأفلام‭ ‬المرأة،‭ ‬تضامنا‭ ‬مع‭ ‬سينمائيات‭ ‬فلسطينيات‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬‮ ‬‭ ‬وقال‭ ‬مشهراوي‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬62‭ ‬عاما‭ ‬والذي‭ ‬يرأس‭ ‬لجنة‭ ‬تحكيم‭ ‬مسابقة‭ ‬الفيلم‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬المهرجان،‮ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬مهرجان‭ ‬أسوان‭ ‬لأفلام‭ ‬المرأة‭ ‬بمصر،‭ “‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تصدير‭ ‬صورة‭ ‬سينمائية‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬غزة‭”. ‬ورفض‭ ‬مشهراوي‮ ‬الدعوة‭ ‬الى وقف‭ ‬الأنشطة‭ ‬الفنية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وقال‭ “‬لا‭ ‬أعتبر‭ ‬السينما‭ ‬والفن‭ ‬مشروعا‭ ‬ترفيهيا‭ ‬فقط‭”‬،‭ ‬مضيفا‮ ‬‭”‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬المهرجانات‭ ‬السينمائية حال‭ ‬وقوع‭ ‬كوارث‭ ‬كبرى شبيهة‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬لإقامتها‭ ‬أصلا؟‭”.‬

ويركّز‭ ‬مهرجان‭ ‬أسوان‭ ‬في‭ ‬نسخته‭ ‬الثامنة‭ ‬على‭ “‬سينما‭ ‬المقاومة‭” ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحركة‭ ‬حماس‭ ‬بقطاع‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬إثر‭ ‬هجوم‭ ‬الحركة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬والذي‭ ‬أوقع‭ ‬1170‭ ‬قتيلا،‭ ‬وفق‭ ‬تعداد‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬يستند‭ ‬الى‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية‭.‬‮ ‬وأسفر‭ ‬الردّ‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عليه‭ ‬عبر‭ ‬القصف‭ ‬والعمليات‭ ‬البرية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة حتى‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬34‭ ‬ألف شخص‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال،‭ ‬بحسب‭ ‬السلطات‭ ‬التابعة‭ ‬لحماس‭.‬

‭ “‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬نفس؟‭” ‬

وتُعرض‭ ‬ضمن‭ ‬مسابقات‭ ‬المهرجان‭ ‬ستة‭ ‬أفلام‭ ‬فلسطينية‭ ‬قصيرة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقي‭ “‬خيوط‭ ‬من‭ ‬حرير‭” ‬للمخرجة‭ ‬ولاء‭ ‬سعادة‭ ‬التي‭ ‬قُتلت‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‮ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬ومدته‭ ‬14‭ ‬دقيقة،‭ ‬ويحكي‭ ‬عن‭ ‬الثوب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬تطريزاته‭ ‬من‭ ‬معاني‭.‬

كما‭ ‬يشارك‭ ‬فيلم‭ “‬أنا‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭” ‬للمخرجة‭ ‬إيمان‭ ‬الظواهري،‭ ‬ومدته‭ ‬خمس‭ ‬دقائق،‭ ‬ويحكي‭ ‬قصة‭ ‬صامدة،‭ ‬الفتاة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأميركية المقيمة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والتي‭ ‬تُصدَم‭ ‬في‭ ‬يومها‭ ‬الدراسي‮ ‬الأول‭ ‬برؤية خريطة‭ ‬للعالم‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬عليها‭ ‬وطنها‭. ‬ويتناول الفيلم‭ ‬الوثائقي‭ “‬مستقبل‭ ‬مقطوع‭”‬،‭ ‬ومدته‭ ‬16‭ ‬دقيقة،‭ ‬للمخرجة‭ ‬علياء‭ ‬أرصغلي،‮ ‬التجارب‭ ‬الحياتية‭ ‬لـ27‭ ‬فتاة‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهن‭ ‬بين‭ ‬11‭ ‬و17‭ ‬عاما‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

ويعمل‭ ‬مشهراوي‭ ‬حاليا‭ ‬على‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬الحرب الحالية‭ ‬يسلّط‭ ‬فيه‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ “‬أكذوبة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬قوله‭ ‬التي‭ ‬تستخدمها‮ ‬إسرائيل‭.‬

ويقول‭ “‬كيف‭ ‬تدّعي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬وأنت‭ ‬المعتدي؟‭”‬،‭ ‬مضيفا‮ ‬‭”‬فجّر‭ ‬الاحتلال‭ ‬مرسما‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬لإحدى‭ ‬الفنانات‭ ‬مع‭ ‬اللوحات‭ ‬والتماثيل‭.. ‬فأين‭ ‬هو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬ذلك؟‭”‬،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ “‬قتل‭ ‬الفنانين‭ ‬والمثقفين‭ ‬كإرهابيين‭”.‬‮ ‬

ويعد‭ ‬مشهراوي‭ ‬صاحب‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬فلسطينية‭ ‬سينمائية‭ ‬عرضت‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬كان‭ ‬السينمائي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثاني‭ ‬أفلامه‭ ‬الطويلة‭ “‬حيفا‭”. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬أفلامه‭ ‬أيضا‭ ‬فيلم‭ “‬عيد‭ ‬ميلاد‭ ‬ليلى‭” ‬في‭ ‬العام‭ ‬2008‭ ‬وفيلم‭ “‬فلسطين‭ ‬ستيريو‭” ‬في‭ ‬العام‭ ‬2013‭.‬

ويعود‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬أربعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬أنشئت‭ ‬سينما‭ ‬“السامر”‭ ‬التي‭ ‬تمّ‭ ‬تحويل‭ ‬مبناها‭ ‬إلى‭ ‬وكالة‭ ‬لبيع‭ ‬السيارات‭. ‬وأغلقت‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬خلال‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأولى‭ (‬1987-1993‭) ‬لتعود‭ ‬بعد‭ ‬نشأة‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬عام‭ ‬1994‭ ‬وافتتاح‭ ‬سينما‭ ‬“النصر”‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬غزة،‭ ‬لكن‭ ‬متظاهرين‭ ‬إسلاميين‭ ‬أحرقوا‭ ‬مبناها‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1996‭.‬

‭”‬أفلام‭ ‬من‭ ‬المسافة‭ ‬صفر‭” ‬

ومنذ‭ ‬الشهر‭ ‬الثاني‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬بدأ مشهراوي‮ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬صندوق‭ ‬لدعم‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يسرد‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬روايات‭ ‬مزيفة،‭ ‬ولا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬إظهار‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للعرب‭ ‬وإنما‭ ‬للعالم‭ ‬بأكمله‭”.‬‮ ‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن مبادرة‭ “‬أفلام‭ ‬من‭ ‬المسافة‭ ‬صفر‭”‬‮ ‬تساعد مخرجين‭ ‬ومخرجات‭ ‬في‭ ‬غزة‭ “‬تحت‭ ‬القصف‭ ‬أو‭ ‬أصبحوا‭ ‬لاجئين‭” ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬أفلامهم‭.‬

وتنشط‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭ ‬سينمائيات‭ ‬نساء‭. ‬ويقول‭ ‬مشهراوي‮ ‬‭”‬دائما‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬اللحظات،‭ ‬نجد‭ ‬المرأة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭”.‬

ويعتبر‭ ‬مشهراوي‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬إسرائيل،‭ “‬تقتل‭ ‬منّا‭ ‬الكثير‭”‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ “‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬يحتلّوا‭ ‬ذاكرتنا،‭ ‬هوياتنا‭ ‬والموسيقى‭ ‬والتاريخ‭ ‬والثقافة‭”.‬

ومنذ‭ ‬العام‭ ‬2008،‭ ‬خاضت‭ ‬إسرائيل‭ ‬والفصائل‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬ثلاث‭ ‬حروب،‭ ‬وحصل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تصعيد‭ ‬دام‭.‬

ويرى‭ ‬مشهراوي‭ ‬أن‭ ‬تضامن‭ ‬الجمهور‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ “‬وأنا‭ ‬أقصد‭ ‬الشعوب‭ ‬وليس‭ ‬القيادات،‭ ‬ربما‮ ‬‭(…) ‬نابع‭ ‬من‭ ‬عجزه‭ ‬وتقييده‭ ‬من أنظمته‭”. ‬ويضيف‭ “‬كنت‭ ‬أحلم‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬مثل‭ ‬الشعوب‭. ‬ولكن‭ ‬أقولها‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭: ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‮ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬اقترابنا‭ ‬من مئتي‭ ‬يوم‭ ‬على الحرب‭”.‬