تشفير المكوّن الصوري – آمال الطائي

تشفير المكوّن الصوري – آمال الطائي

تشكل الصورة بكليتها و شمولية تكوينها نصاً بصرياً له كل المواصفات و الاشتغالات المرتبطة في بنائية النص و ماهيته و الوظيفة الاشتغالية له ، عبر ما تحدده الاشتراطات البنائية في بناء المكون بكليته و تدخل الشفرة في هذه العملية بشكل اساس وعنصر عضوي لا يمكن مغادرتها او الاشتغال خارج العلاقات الممتدة التي تشكلها الشفرة من ارتباطات بين الدال و المدلول الخاص بالعلامة الصورية و كيفية الاشتغال و تشكيل النص و هذه العملية تتم في حالة قيام المتلقي  بمشاهدة لصورة او لوحة ما ، فهو يقوم بالانتقال من العالم الواقعي و اللحظة الواقعية التي يجسدها الى عالم النص الصوري بفنياته و تقنياته ، انه يبحث عن افكار ومضامين لكي يدركها سواء كان بهدف التمتع ،او التعلم، او التربية الاجتماعية حيث بالامكان ان يحتوي على اجابات للأسئلة الموجودة في ذهن المتلقي، انها عملية انشاء و توليد جمالية تستند بمعالجات و عمليات بحث مستمر ،ان ما يميز الفن بكليته و عمليته انه لا يوجد في الفن ما يجعل اليوم مثل البارحة او غداً مثل اليوم، فالفن هو دوماً عملية بحث وحركة متجددة تبحث عن الابداع و التجريب من حيث التشكلات و الاداء و الظهور و التداول.

حقائق ازلية

 فليس ثمة في الفن حقائق أَزلية، وانما مفاهيم متغيرة و متحولة كتغير و تحول النصوص و اشكالها و اجناسها باعتبارها خطاب فني وهذه العملية ترتبط بشكل مباشر بالشفرة الصورية  وهذا ما يميز العمل الفني بكليته  جمالياً(أي خلق فكر متغير يرفض البقاء على وتيرة واحدة)، ويتشكل في كل مرة بشكل جديد عبر عملية البحث في الفن لايجاد طرق جديدة للتعبير وخلق اشكال ومواضيع جديدة ،هي في جوهرها عمليات توليد علاماتي بطرق جديدة فالصورة بكليتها لوحة او فوتغراف بالذات من الفنون التعبيرية التي عبرت عن الانسان وقضايا الانسان ، معتمداً في تكوينه على البحث عن علاقات جديدة تربط بين الفكرة، والشكل، والمضمون، والمادة ،لسن قانون توليد وتشكيل العلامة (أي ربط الدال بالمدلول) وخلق حالة سيميائية ،اذا كانت مستقلة او تواصلية وهذه العملية هي من فعل و اختصاص الشفرة تحديداً من حيث التأسيس و الامتداد للاشكال و الرموز و المضامين و العلامات و يمكن التعامل مع الصورة بكل انواعها و تجانيسها بوصفها نافذة تطل منها على عالم المعنى و نص يشكل الفكرة و المعنى ، من جهة اما من جهة اخرى هي التعامل مع الصورة بوصفه تجسيد زائف لا يجب الوثوق بها، بل يجب ازالتها وصولاً الى المعنى المختبيء ورائها و ايصاله الى الاخر حيث ان أَهم الممارسات اليومية في حياتنا هي عملية التواصل مع الاخرين، ونقل معلومة، وأستلام اخرى.

   اذ تحمل المعلومات بأختلاف أَنواعها، وأَشكالها، وبالتأكيد نقل شكل فني يعتبر نوع من انواع الرسائل المرسلة، سواء كان هذا الشكل لوحة عرض او مرسومة او صورة فوتوغرافية ،او تمثال .

    وتشترك عملية نقل الرسالة الفنية مع الرسائل الحياتية بشروط أَساسية، )يحددها (كير ايلام) بثلاثة  شروط لبناء رسالة و تشكيلها(ارسالية –مرسل – مستلم ) وبأَقل تقدير يجب ان تتضمن هذه الرسالة على شفرة (code)، أَو نسق من الشفرات (codes)( .   وهنا الشفرة : تعمل بصيغة تعبيرية عبر الامتدادات و الارتباطات بالمرجعية و البنى الضاغطة من جهة و الشكل و المضمون من جهة اخرى و هكذا تشكل الصيغة البنائية في تكوين رسالة ما او صورة أي ان الشفرة تشكل منظومة من القواعد و السنن المتركبة و الممتدة فيما بينها بعلاقات يمكن ان تكون بسيطة او معقدة او متعالقة فيما بينها وبما ان العلامة هي مستمرة في الظهور، والاختفاء في حياتنا اليومية بشكل دائم، وهي وسيلة اتصالنا ببعضنا، وكذلك اتصالنا بالعالم الخارجي، وهي السبب والواسطة التي نستطيع ان ندرك العالم عبرها.

عبر احتوائها على شفرات تنظم وتخلق العلاقات بين الدال والمدلول، في العلامة من هنا تصبح حياتنا «عملية مستمرة من «التشفير» وحل «الشفرات، وهذه العملية بحد ذاتها هي عملية انتاج نصوص متعددة و متنوعة و منها النصوص البصرية بمختلف انواعها وهذا ما يراه (امبرتو ايكو) في ابحاثه السيميائية، من طروحة تستند الى كل اللغات و اشكال التواصل ومن ضمنها الاشكال الصورية تستلزم وجود سنن  و شفرات تكون بمثابة قواعد تضبط التواصل .

نحن نستقبل الصور، ونتعرف على العالم المحيط بنا قبل أَن نبدأ بالكلام، فالصورة هنا تولّد فينا المعرفة، والخبرة فنحن نرى الأَشكال، والأَلوان، والأَحجام…الخ، وعن طريق حفظها في الدماغ وجعلها خزين نستخدمه عند الحاجة.

 هذه العملية هي عملية التعلم الأَولى والخبرة الأَولى التي تولدها الصورة وشفراتها فينا فالعملية بكليتها تشتغل بالاستناد الى الخزين التراكمي الذي يتشكل في الدماغ و الذاكرة الخاصة بكل فرد فينا يمكن ان نستدعيها و نرجع الى تفاصيلها و مركباتها وبعبارة اخرى نحن نمتلك تشفيراً أَيقونياً و رمزياً يمكننا من ادراك معاني الاشياء بالمقارنة مع هذا الخزين، وهكذا تبدو العلامة المنقولة عبر العلامات الاصطلاحية وكأَنها مرمّزة «مشفرة»، أي انها تتطلب معرفة نظام رمزي، أَو شفرة (code) خاصة للتوصل الى فهمها.

طرح المفهوم

 انهى عملية قراءة النصوص المتعددة و المتنوعة للمكون الصوري بمختلف انواعه وتشكيلاته، فنحن نرى الاشياء، وندرك اشكالها، ونتعرف عليها بسرعة وما يطرحه السيميائيون من مفهوم قد يبدو غريبا، لأَن الصورة لا تبدو بحاجة الى قراءة، ولنكن ادق بالتعبير، المكون الصوري لا يبدو بحاجة الى فك شفرات، ولكن هذه احدى سمات شفرة الصورة، فنحن نستوعب هذه الانواع من الشفرات في سن مبكرة، فنكف عن ادراك قراءتها، وتصبح عملية تلقائية لسرعتها مما يولد لدينا شعور بعدم وجود شفرة.فعند مشاهدة صورة ما نحاول ان نمسك باكبر قدر ممكن من الرسائل، اننا نفك شفراتها بسرعة هائلة في جزء منها، وجزء آخر يحتاج وقت أَطول، وقد لا نستطيع ان نفكّ شفراتها ، اذ ان لكل صورة شفراتها الخاصة بها، وتعد موطناً وبيئة لهذه الشفرات، انه المكان الذي تلتقي فيه رسائل لا حصر لها ، انه فضاء ازالة الحدود بين كمية من المادة، التي تكوّنت وأَصبحت مفهومة في المجتمع  بفضل احتوائها على الشفرات.

وتنتمي بعض الشفرات الى مجال و اسع من الاشتغالات  بينما تنتمي اخرى الى مجموعات صغيرة ، ويمكن أَن تحمل الشفرة العامة أَنواعاً متعددة من الدلالات على عكس الشفرات الخاصة التي تنتمي الى عدد محدد من الاشتغالات.

نحن هنا بصدد اشتغال و معالجات يمكن ان توظف مدى و اسع من الاشتغالات في توظيف تعددية من الانواع و الاجناس الخاصة بالشفرات ، باعتبار ان المكون الصوري ظاهرة مركبة في التعامل مع الاوساط المتعددة و المتنوعة من  الوحدات السيميائية ، اذ يمكن ان تنتمي الى أَنساق مختلفة متفاوتة ، تتحول فيه الاشياء و الاشكال ، لانه يمنحها دلالة جديدة على وظيفتها العادية والشفرة هنا، العلاقة التي تربط الدال بالمدلول فـالتشفير Encoding كعملية يقتضي من المتلقي ان يقوم من جانبه بانجاز مهمة تحليل هذه الشفرات ، وتأَويلها ، وتفسيرها بعملية تسمى (Decoding) ، انها عملية ممارسة نشاط فني بحتة في انشاء تراكيب تنشأ أَساساً من القوانين ، التي تسنّها الشفرات في ربط العلاقات بين الدال والمدلول ، لايصال الرسالة المنجزة .

اننا نتعامل هنا مع ثنائية المرئي واللامرئي، فالنص الشكل المرئي للغة، واللغات تختلف بعضها عن البعض مما يؤدي، الى اختلاف النصوص بشكل تلقائي، وهذه الطبيعة الخاصة هي في الاصل اختلاف أَنساق الشفرة المكونة الخاصة بكل نوع من انواع اللغات والنصوص.

فطريقة تمفصل الشفرة، ونوع الشفرة، وتركيبها هي التي تحدد نوع النصوص فالشفرات المختلفة عن بعضها، هي التي تجعلنا نميزّ بين الاشياء المختلفة ، الشخصيات ، الأَداء ، الحركة ، عن طريق تكوين صورة خاصة تخصّ كل شخصية ، وكل فعل ، وكل نص فاختلاف شفرات النصوص هنا غير من شفرات القراءة ،

نحن هنا بصدد عملية (ابداع) جديدة ينتقل بها من مستوى بسيط لصورة تقليدية الى مستوى جديد اكثر تعقيدا وتخيلاً كون ان الوعي الانسان يعمل بشكل دؤوب بان يعكس العالم الموضوعي، و يخلقه بطريقة مغايرة متحولة اكثر ملائمة و تناسب على المستوى الفردي او الاجتماعي

ولتغير الأَشكال يجب تغير تمفصل الشفرات ،فمن خلال هذه العملية تتغير الأَشكال الفنية وتتغير الأَساليب ويصبح لكل اسلوب خواصه وهذا ما يميز كل عمل فني عن عمل فني اخر .