عن عبد الرزاق عبد الواحد ووجيه عباس – احمد جليل الويس

عن عبد الرزاق عبد الواحد ووجيه عباس – احمد جليل الويس

ذاتَ قيظٍ ، كنا ثلاثة َ أشباح ٍ نقطعُ نهر دجلة َ قادمينَ من ساحةِ الطيرانِ إلى وزارة الثقافةِ دونما وجهةٍ محددةٍ سوى أنَّ حيدر عبد الباقي الزيدي كانَ يرغبُ أن يزور معرضاً تشكيلياً أما أنا وسيف محمد العلاق فراودتنا فكرةَ أن نزور حسين الحسيني وعبد الرزاق عبد الواحد، حينَ دخلنا إلى الوزارة أصعدونا إلى طابق ٍ عالٍ ولم نكن نعلمُ إلى أينَ ذاهبين، ثمة َ أمرٌ ما يدور في هذا اللقاء، وصلنا إلى غرفةِ حسين الحسيني الذي بادرنا بقهوةٍ أعدتها ذكرى محمد نادر وكانت قهوةً طيبة ًمثلَ روحه يرحمه الله، بعدها وصلنا إلى غرفةِ عبد الرزاق عبد الواحد الذي كانَ بانتظارنا في عتبةِ البابِ، لفتَ نظري كتابٌ على مكتبهِ الفاره واجهتهُ عليها رسم للبحر، كنت أظنها روايةً لكنني خفتُ أن أسأل عنه، وكان تبحرُ بنا الأحاديث القصيرة عن الأدب والشباب والمرأة والحب والشعر، وكنا نكتبُ شعر التفعيلةِ، فقال لنا: أتعرفون وجيه عباس؟ لم يكن سيف محمد العلاق وحيدر عبد الباقي يعرفان وجيه بشكلٍ جيد، فقرأ لنا قصائدَ لأول وهلةٍ توهمها حيدر الزيدي أنها لعبد الرزاق عبد الواحد، وسأله عنها بجرأة، لكنهُ رد بهدوء شاسعٍ ٍ (إنهُ وجيه الذي يعرف كيف يوجهُ شراع القصيدة الى ما يريد من دون عناء وكأنهُ نوتيُّ يعرفُ بأسرار البحور والمعاني، شاعرٌ يحملُ حرارة الوجع العراقي بطريقةٍ مختلفةٍ عما قرأتهُ سابقاً وكأنهُ ولد في أبرد يومٍ في العام ليوازن بين روحه الدافئة وبين واقعهِ البارد)، ثم أكمل وهو يتحدث عن وجيه (شاعرٌ يعرفُ من أين تؤكلُ كتفِ الفكرةِ، وكأنهُ يكتبُ ما لم نستطعْ كتابتَهُ بطريقةٍ جميلةٍ) والتفتَ إلى حيدر قائلاً له (أظنك حينَ تقرأ لوجيه عباس ستتغيرُ نظرتك عن الشعر العمودي لأنهُ يتفردُ عن الآخرين بصياغة العبارة ووضوح الرؤية وعمق الرؤيا، هذا الشاعر لا أحسبُ أنّهُ سيتكررُ كثيراً إلى درجةٍ يخيفني هذا الأمر)، لم يكن وجيه عباس بعيداً عن روحي فقد كانَ أخي الأكبر الذي ألتذُّ بحكاياتهِ وتجاربهِ فسألتُ عبد الرزاق عبد الواحد ولم أكنْ أعرف أنه طبع ديواناً (كيف سأقرأ لوجيه عباس وهو لم يطبع أية َ مجموعةٍ حتى الآن ) قاطعني مقاطعة المطمئنُّ هذا هو «عرشه على الماء» ولا أستطيع أن أعيرك إياه) ضحكنا ونحن نتذكرُ مقولةَ ً شهيرةً (غبيٌ من أعار كتاباً والأغبى من يرجعه) غادرنا مكتب عبد الرزاق عبد الواحد وذهبنا مشياً على الأقدام لمركز الفنون لننتظرَ موعد افتتاح كاليري مشترك لمجموعة من الفنانين الرواد نزولاً لرغبة حيدر عبد الباقي الزيدي بعد أن انتظرنا ساعاتٍ ربما قد تكون تجاوزت الثلاث ساعات آنذاك .

ايام المربد

المربدُ كانَ أمنا الحنون التي تجمعنا تحت عبائتها سبعةَ أيامٍ في العام، وكنا صغاراً على النظريات والعقد التي تمشي على قدمين، كنا نحب مخالطة النقيضين موفق محمد وكاظم الحجاج من اليسار وحميد سعيد وعبد الرزاق عبد الواحد من اليمين، وكلاهما نحب أخلاقاً وشعراً، نقايضُ أيام المربدِ بأيام الدراسةِ التي لن تطير، ونجيءُ للمربد نبقى سبعةُ أيامَ بلياليها حتى وإن من دون دعوةٍ لنستمع إلى سحر الأحاديث، تلك الأحاديث التي صنعتنا فيما بعد وحددت مساراتنا واتجاهاتنا، في إحدى أمسيات المربد وكنا كما الصغار الذين يتجمهرون حول والدهم كنا نتجمهرُ حول عبد الرزاق عبد الواحد والأحاديث تعلو وتهبط ُ وكان قد قرأ قصيدة ( يا صبر أيوب) في الافتتاح في قصر المؤتمرات آنذاك، سألتهُ: أبكيتنا يا أستاذ عبد الرزاق دلنا كيف نبكيك؟ قال: ( لا داعي لقد أبكاني وجيه عباس بقصائده أوجعني كثيراً وكأنه يضغط على أعمق نقطة في إحساسي وخاصة في قصيدة له إسمها (جنوباً إلى القلب) صب فيها كل قهر الله عليه) سأله بعض الأصدقاء ومنهم الشاعر علي الجيلاوي وكان بحرانياً لماذا وجيه عباس؟ ، قال : (وجيه شاعر قريب من الجميع وبعيد عنهم في الوقتِ نفسه، يكتب بوجع عراقي خالص، وبروح تختلف عما يكتب، وأتوقع أن يكون له شأنٌ كبير، وجيه مختلف شعراً وسلوكاً، حتى أنني في مسألة رواتب الأدباء التي أقرتها وزارة الثقافة كنت أسأل عن إسمهِ في القوائم حين لم أجدهُ، فأخبرني المسؤولون عنها أنه يرفض أن يكون معهم لأنه مكتفٍ ولا يحتاجها، مع أنني أعلمُ أنهُ شاعرٌ يستحق الاحترام والتقدير، سألته هل كانَ رأيك فيه بعد ديوانه»عرش على الماء» أم قبله؟ قال لي كانَ يمرُّ لي في الوزارة واطلعني مرتين او أكثر على قصائدهِ وأتذكرُ أنني قابلته ببرودٍ أول مرة، وألح عليَّ أن أقرأ قصيدته التي لم أكنْ أريد قراءتها، لكنني حين قرأتها انفجرت في روحي براكين الوجع الجنوبي التي فضحتها عيوني من دون رغبةٍ مني في البكاء ولهذا قلت لك حين سألتني سؤالك الخبيث من يبكيك قلت لك وجيه عباس أحد الذين يعرفون كيف يبكونني، لأنهُ شاعرٌ يتحدى نفسهُ ويتحدى الآخرين ثم قرأ قصيدةً لا زلتُ أحفظُ منها هذه الأبيات قبل أن يغادرنا إلى أم خالد :

تثقل الناسُ ما استطاعت وتمضي

 حين تمضي خفيفة الأحمالِ

يا جموح الإنسان لولا التحدي

 أيُّ عذرٍ لكل هذا النضالِ

غير أنَّ النسغَ الذي في التحدي

 سيف أعمارنا على الآجالِ