
تركوك وحدك قائماً – وجيه عباس
أنا من بقيتُ هناك وحدي قائما
ويداي وحدهما تفيضُ حمائما
سربُ القطا في الكفِّ ينقرُ آمناً
فيما يراني الطيرُ فيها نائما
حتى الجوارحُ آمناتٌ دونها
وتؤوبُ نحوي لو رأتني قادما
لا وجهَ للإبحارِ دون سفائني
والبحرُ أستبقيه فيها راغما
وطني الخيالُ، وكنتُ فيهِ مليكَهُ
وعرائسي أبدأً تراك مُنادِما
كانت عواصِمَكَ القصائدُ وحدها
وذممتُ شعراً لم يكن لكَ خادما
*****
أنا من بقيتُ ألمُّ بعضَ ظلالِهم
مما تساقطَ في يديك معاصما
وأنا المُوكَّلُ والوريثُ وإنَّما
يتوارثون ويدَّعونَكَ غارما
هذا أنا من يستفيضُ مواجعاً
ويُقطِّرُ الكلماتِ فيها واشما
أطعمتُ جوعَ الغابرين كأنَّني
كنتُ الأكيلَ بهم، وكنتُ الطاعِما
ودمي لكاسات الضمائر شربةٌ
لو أنَّهم ظمئوا هناك… وطالما…
وأنا المُضيَّعُ ليس يحرزُ رزقَه
وينيلُهُ لسواهُ فيهم راحما
وحدي أرقِّصُ كلَّ حرفٍ غيمةً
فإذا بها الكلماتُ تخلقُ “آدما”
وحدي… ويشربُني الصباحُ ثمالةً
أبقيتُ قافيتي عليه مآتما
وأؤثِّثُ الشرفاتِ ضوءاً بعدما
شكت النوافذُ بالهجيرِ مواسما
أغري الفراشةَ بالضياءِ مُبشِّراً
فاذا أجنَّ الليلُ فيه راسما
أطلعتُ فجرَكَ في الغيابِ كأنَّني
كنتُ النعيمَ بهِ حضوراً دائما
أنا ذا أمدُّ إلى العوالمِ سُلَّما
لو ينتهي، مدَّتْ إليهِ سلالما
وحدي… وحولي ألفُ روحٍ حرَّةٍ
تَعِدُ الخيالَ من السليبِ مغانما
تَهَبُ الطيوفَ إذا تنفَّسَ “عبقرٌ”
وأفاضَ فيها الجانبين براعما
فلأنني فيها، ومنها، بضعةٌ
كتبتْ لروحي أن تصوغَ تمائما
وإذا قصرتُ فإنَّما بك أقصرتْ
ورأيتُ فعلي فيك فعلاً لازما
وقلائدٍ فخرتْ بأنَّ صدورَها
حملتكَ في يوم الفخار “هواشما”
وكأنَّني والفاطماتُ يلدنني
حتى دُعيتَ إذا نسبتُكَ “فاطما”
*****
وحدي… ومن حولي شيوخٌ جمَّةٌ
وأنا الفتيُّ مسالماً أو سالما
أرثُ البحورَ وهم نيامٌ دونها
ألا يروني دون صوتِكَ نائما
وأحوكُ فيه نعاسَهم سجّادةً
غَزْلُ الموائد كُنَّ فيك مطاعِما
وحدي ومن حولي الفراغُ مزاعماً
وأنا بها وحدي أجيؤكَ زاعما
قلمي وقرطاسي يداي وفيهما
انتظمت خطاي فقمتُ فيها خاتِما
أتَهجَّأُ الأعمارَ أعلمُ سِفْرَها
وكأنَّما الأسفارُ تقطعُ عالَما
الخيلُ والبيداءُ يستبقان بابكَ
، والعزيزُ أراهُ فيكَ مُساوِما
البابُ وامرأةُ العزيزِ تدافعا
وتجاريا، وتنازعا، فتخاصَما
وأنا الذي فيهم رأيتُ، وهم بها
يتوزَّعون على الترابِ طلاسما
ويُحاجِجونَ سواهُمُ، لكنما
كان الخصيمُ بهم هناك مُخاصَما
ويُحكِّمونَ، وهم قضاةٌ دونها
وأضلُّ من تلقاهُ فيهم حاكما
*****
تركوك وحدَكَ قائِماً، وعذرتهم
لو أنَّهم تركوك وحدَكَ قائِما
ولأنَّ صوتَكَ لونطقتَ، بقيَّةٌ
أبقيتَ فيهِ من صداكَ خواتما
أسقيتَ من ظمأِ العِطاشِ صيامَهم
ورضيتَ وحدَكَ أن تكون الصائما
لم تدَّعِ الإيمانَ تنهبُ مغنماً
لبسوا عليهِ سياسةً وعمائما
وتعمَّدوا أن يرجموك ضلالةً
ولئن قدرتَ بها لكنتَ الراجما
ويُهيِّجون عليك شرَّ طغامِهم
ثردوا بلحمِكَ في الصحون ولائما
ورموا لهم نزْرَ الفتات بقدرِهم
وكأنَّهم يتصدَّقون دراهما
أيضرُّ لو نسبوا إليكَ كبائراً؟
أيضرُّ لو نسبوا إليك عظائما؟
ويداك أبيضُ من سوادِ وجوهِهم
لو أنَّهم قطعوا عليك دوانما
*****
هذا أنا دون افتراضي نسبةٌ
هي مارأيتُ به الوجودَ تراجما
دون الوجود شواهدٌ لو أنَّها
نطقتْ، لكانت برزخاً متلاطما
وكأنَّني جسدٌ يفارقُ ظلَّهُ
فإذا تولّى عنه عادَ مُلازِما
أنا ذا أجولُ، وخلف ظهري عالَمٌ
والموحشاتُ ملئنَ منكَ عوالما
وكأنَّني في جوفِها، ويداي
موثقتان فيك، ومقلتاي تلاحما
لا وجهَ إلا وجه رَبِّكَ، والمدى
أنى التفتَّ ترى قريناً واهما
وهناك ثمَّ هنا، وجوهُ أحبَّةٍ
الموتُ نازلهم، فكان الهازما
سجد الترابُ على الوجوه فلا ترى
إلا هشيماً لايُبارحُ هاشما
*****
يا أين توقظُكَ الظلالُ محجَّةً
إنّي أراك على لظاها كاظما
ولسوف يُمتَحَنُ السبيلُ بهديِهِ
ويُساءُ حتى لا يبين مزاعما
ولسوفَ تخبرُكَ اليقينَ مَظنَّةٌ
فيها دماؤك تستحيلُ محارما
سَيُقادُ من أوثانِها، فَمُحطَّمٌ
يغري سواه إذا تقحَّمَ حاطما
ويُقادُ صاحبُها هناك بذنبِهِ
وترى المُعزّى فيه يندبُ لاطما
ولقد عقلتُ فرابني مما به
قَدَرٌ مضيتُ العمرَ فيه هائما
حيث الحقيقةُ في الوجود متاهةٌ
وأنا الغريبُ أجرُّ خطوي آثما
وأرى النهايات، التي لم تبتدي
فيها الهزائمُ في يديك، هزائما
أو كنتُ شاهدَها الأمينَ، فقائلٌ
غير الذي لا يستبين عزائما
وهو الذي إنْ حُمَّ يومٌ عاصفٌ
أهوى بجنحيهِ عليك قوادما
أو قاضماً نبتَ الربيع يحوطُهُ
فإذا تولى عنه جاءك قاضما
ويسؤوني إنَّ المُكذِّبَ عادلٌ
فيما ترى فيها المُصدِّقَ ظالما
وغوايةٍ أكبرتُ هديَكَ دونها
لو قام صاحبُها بقولٍ لائما
























