

بغداد – الزمان
صدرت رواية قطيفةُ المساكين للشاعر والروائي حسن النواب، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
والنواب أصدر روايتين من قبل، حياة باسلة، وضحكة الكوكوبارا التي فازت بالمركز الأول في جائزة الطيِّب صالح العالمية للإبداع الكتابي/ الدورة التاسعة،
رواية النوَّاب الجديدة تتناول وقائع حرجة جرتْ في البلاد قبل وبعد الاحتلال، مؤطرة بجنوح الخيال لم تتناولها الرواية العراقية من قبل، ونهاية غير متوقعة في آخر الأحداث. الرواية متاحة في معرض العراق الدولي للكتاب.
وجاء في مستهل الرواية:
قَلِقَاً وقفَ أمام النافذة يتطلَّعُ إِلى مطرٍ مدرارٍ يهطلُ بلا هوادةٍ؛ بدتْ العاصمةُ أمام ناظريهِ موحشةً وكئيبةً، وقدْ خلتْ شوارعها من حركةِ السابلةِ مع هجوم ظُلمةِ الغسق. انكمشَ قلبه وهيمنَ وسواسٌ فادحٌ عليهِ فجأةً، التقطَ هاتفه النقّال من جيب معطفهِ الفاخر وأجرى اتصالاً بزوجتهِ؛ قبل أنْ تردّ على ندائهِ؛ ظهرتْ عصابةٌ مسلَّحةٌ من زقاقٍ مهجورٍ لتعترض عائلته أثناء عودتها بسيَّارةٍ مصفَّحةٍ من مركز تجاري للتسوّق؛ ارتبكَ السائق وفوجئ برجلينِ يجرّانهُ بعنف من مقعدهِ، بينما داهمَ آخرون حارس العائلة الذي كان يجلس بجوارهِ وأنزلوهُ بسرعةٍ وجرَّدوهُ من سلاحهِ. بلمح البصر انطلقوا بالسيارة المصفَّحةِ إِلى جهةٍ مجهولةٍ بعد تكميم أفواهِ العائلةِ بأشرطةٍ لاصقةٍ، سرعان ما التحقتْ في إِثرها عجلة تحمل بقيَّة أفراد العصابة ومعهم السائق وحارس العائلة. كان كمين الخاطفين مُحكماً ومدروساً بعنايةٍ، خطَّطوا لهُ بأناةٍ وأفلحوا في تنفيذهِ بشراسةِ قتلةٍ محترفينْ. إِذْ وصلهُ النبأ كاد يُغمى عليه من شدَّةِ الصدمةِ وفقد قدرته على التصرف، وقد غزى قلبه هلعٌ هائلٌ وانهار على كرسيّهِ الفخم. في حين غصَّ مكتبه بكبار ضباط الأمن. احتاج إِلى وقتٍ ريثما يستردّ تركيزه ورباطة جأشه، لمـَّا هدأ خفقان قلبه صرخ متوعّداً:
– إِذا لمْ تعثروا على عائلتي، فمنزلكم هو السجن.
تهديدهُ الصارم أفزعهم سرعان ما تواروا بحثاً عن الخاطفين. بينما زحفتْ سُحبُ حزن على وجهه واعتراهُ قنوطٌ موجعٌ وقد بلغ قلقه وتوتّره حدَّاً لا يطاق.
هبَّ من كرسيَّهِ بلا هدى ليذرع سجَّادة حمراء نفيسة تكسو أرضية حجرتهِ الفارهة وهو يلطمُ على صدره كالمخبول حتَّى توقَّفَ بغتةً أمام مكتبةٍ صغيرةٍ شغلتْ ركناً من المكان. حملَ مصحفاً من أحد رفوفها بيدٍ ترتجف وشعر بذنْبٍ يلسعُ ضميره، لأنَّهُ لمْ يلمس القرآن الكريم منذ وقتٍ طويل. نفض غباراً عن غلافهِ وتذكَّر ماضيه الذي قضاهُ كمؤذنٍ في مسجدٍ لطائفته حين كان لاجئاً في دولةٍ أجنبيةٍ.
أقعى على البساط الأحمر محبطاً يكادُ نبض قلبه يتوقف من الغم؛ وشرع يرتّل سورة ياسين بنبرةٍ مرتعشةٍ ودمعه يسيلُ فوق وجههِ الذي غزتهُ صفرة مخيفة. اِشتدَّ انهمار المطر وأخذتْ قطراته ترشقُ بعنف نافذة مكتبهِ مع برقٍ مفزعٍ وجلجلةِ رعدٍ كأنَّهُ قصف مدفعيةٍ ثقيلةٍ. تفاقم اضطرابه وضاقتْ أنفاسه واتسَّعَ منخراه فتوقَّفَ عن الترتيل.
أطبقَ القرآن مجُبراً وبوَرَعٍ وضعهُ بعيداً عنهُ، لقدْ أَحسَّ بنداوةٍ في سروالهِ الداخلي؛ أراد الوقوف حتَّى يذهب إِلى المرحاض ويفرغ ما في مثانتهِ فخذلتهُ قدماهُ؛ ومن شدّةِ رعبهِ تبوَّلَ مدير الأمن العام على نفسهِ.
























