مساهمة للكشف عن اللؤلؤ
حمدي العطار
بغداد
فقدت الصحف والمجلات الاهتمام المناسب بأدب الرحلات لسببين،الأول ان هذا النوع يحتاج الى أمكانيات مادية كبيرة وتفرغ ووقت للسفر والكتابة من الصعوبة ايجاد التمويل المستمر لها ، السبب الثاني ،هو أنتشار البرامج الوثائقية عن ادب الرحلات في أكثر من فضائية تلفزيونية نذكر منها قنوات “روسيا اليوم والامارات والشرقية والجزيرة الوثائقية” ولم تستمر المجلات والصحف في الاستمرار بأدامة هذا النوع الذي كان يبدع فيه عربيا الكاتب المصري “أنيس منصور” ومساهمات مجلة العربي الكويتية ،ومن المعروف أن أدب الرحلات يتناول ملامح المجتمعات من عادات وتقاليد وأعراف وسلوكيات أجتماعية ،وأبراز المراكز الثقافية والسياحية ،بالاضافة الى تناول لمحات عن الوضع السياسي والاقتصادي ،والاشارة الى المفارقات والطرائف التي تواجه المؤلف في تلك المدن ومقارنتها مع ما موجود في بلده بأسلوب النقد البناء،ويتخلل الاسلوب الوصف للطبيعة والمناخ وأنعكاسها على طبائع الناس هناك،بالاضافة الى الجغرافية السياسية لا بد من وجود التاريخ !
يعد كتاب “أنطباعات صحفي عراقي عن أرض الينابيع الحارة” للدكتور أحمد عبد المجيد قد تضمن جوانب مما ذكرنا في توصيف أدب الرحلات رغم نفيه لهذا التوصيف الدقيق ليعدها مجرد أنطباعات!! يجسد المؤلف في هذا الكتاب رؤيته الخاصة عن رحلة (قصيرة) قام فيها الى جورجيا حيث أصبحت في الأونة الأخيرة قبلة للمسافرين والسائحين والمستثمرين العراقيين .
كتب المقدمة “حميد المطبعي” الذي أثنى فيها على أسلوب المؤلف “أهم ما في كتاباته،أن الواقع يتغير فيها تغيرات محولة،وينتقل فيها الواقع من زمن الى زمن آخر،كأن الكاتب يحمل كاميرا سحرية يصور بها طرق باطن الشيء ،انها الكتابة التي تحول التاريخ الى بضع كلمات يرددها عشاق الطبيعة” وفي مقدمة المؤلف هناك نفي وتأكيد ،يأتي النفي “هذه الصفحات ليست مذكرات أو يوميات ولا هي أطار لما يعرف بأدب الرحلات” وتأكيد من المؤلف قد تأثر بهذا النوع من السرد من خلال أطلاعه على (ادب الرحلات) مستذكرا الرعيل العراقي الاول – ناجي جواد الساعاتي، حميد المطبعي،محمد شمسي المطلبي،ويوسف عبود- ومن وجهة نظر المؤلف رحلة الصحفي لا تتوقف عند المتعة والتسلية بل هي ذات “وظيفة اتصالية مهمة وتنطوي على فوائد لا تحصى”
تضمن الكتاب خمسة عناويين وملحق لصور المؤلف في جورجيا،تناول في هذه العناوين مواضيع متعددة ،وهناك انتقال فني ومقارنة بين جورجيا والعراق لتشابه الاثنين من حيث التأثيرات الخارجية ،فيرى المؤلف هناك صراع خفي (عراقي تركي ايراني للحصول على مكان قريب من اللؤلؤة) ويتجلى ذلك في انواع محددة من الاستثمارات في مجال المطاعم والعقارات، وفي مجال التنوع السياحي يتلمس الكاتب اهمية السياحة الصحية “لم تكتف جورجيا بتشجيع السياحة الترفيهية بل أتجهت نحو السياحة الصحية” وللمؤلف مواقف عند الخدمات البلدية وتأثيرها على الاعمار والبيئة ووقفة مهمة عند اهتمامات الشباب في جورجيا والمحاورة بالموسيقى ،وهناك لغة معبرة لتأثير الطبيعة الجغرافية على شعب جورجياأذ “تحفل هذه الطبيعة بمناظر قلما وجدتها في ثنايا ارض اخرى،فالجبال مكسوة بأشجار الصنوبر والبندق” وفي العنوان الاكثر أثارة والذي يحمل “زيارة الى منزل الرجل الفولاذي” ستالين،يصف الكاتب المتحف مستعرضا نبذة عن حياة ستالين يتحول عندها المؤلف من الانطباعات الى التحليل العميق لحقبة حكم ستالين ومرة نراه ينصفه ومن جانب آخر يعاتبه! (كان واضحا أنه -ستالين- وقع بين ناري المانيا والمعسكر الرأسمالي،فأضطر الى مقاومة الغزو النازي والتحالف مع قوات الحلف الغربي) وفي مناجاة الى متحف ستالين وتاريخه الدموي “تفتقد واحدا من أكثر الشخصيات قربا الى ستالين قبل أن تتحول علاقته به الى حالة من العداء المستحكم والمطاردة الدالة على الانتقام ، أين تروتسكي؟!!”
في العنوان الأخير وبصمة في الذاكرة للعاصمة القديمة “متسخيتا” يحذر المؤلف من التركيز على العاصمة واهمال باقي المدن !وهذا ما يسمى بالمدن البديلة للعواصم او التي لديها القدرة التاريخية والامكانيات لكي تنافس العاصمة من حيث الاهتمام المحلي والدولي ولنا في هذا المجال عدة مدن منها اسطنبول التي تنافس العاصمة انقرة ،وكذلك سدني التي تضاهي ملبورن في أستراليا،والاسكندرية في مصر مقابل القاهرة والامثلة كثيرة،ويرى المؤلف بأن متسخيتا (قرية سياحية كبيرة” وأن للجمال اثرا فيها “الارض التي يمشي القادمون عليها،واجهات البيوت الواطئة … الطيور البعيدة،الاشجار الباسقة كثيفة الظلال،الضاربة جذورها في اعماق الارض،اهلها البسطاء الذين يبتسمون للقادمين ويقدمون اليهم رموز مصنوعات اناملهم وتعب ايامهم”بهذه اللغة الشاعرية يغازل المؤلف المدن التي تقترب من القلب ببساطتها ورونقها،لمحات حول التدين وعن النساء وعن كل ما شكل انطباعا لرحلة المؤلف الى جورجيا قد يكون لقراءتها متعة وفائدة للساعين الى لؤلؤة القوقاز جورجيا.























