انور الدرويش … السفر في فضاء زمكانية الازقة

د. عقيل ماجد الملا حسن
الدرويش … مُحباً .
الفنان والفوتوغراف (انور الدرويش) من المصورين القلائل الذين اعطوا اهمية وفعل للعدسة في التوثيق اولاً و ابراز جمالية الشكل واللون والتشكيل ثانية، عند الرجوع الى تاريخ الدرويش التصويري الذي اخذ بُعداً زمانياً في عالم التصوير نراه ترك اثراً وسمة خاصة به، عبر ما يلتقطه مع لحظات متعددة تقتصنها عينه الباحثة عن الما ــ بعد الصورة فخلال عمله في شعبة الاعلام والعلاقات في كلية الفنون الجميلة بوصفه مصوراً لمجمل الفعاليات والندوات والمناقشات التي تجري داخل الكلية نراه يوثق بمحبة الاشخاص والاحداث وهو حامل كامرته التي لا تفارقه حتى وهو جالس، يبحث عن زاوية او بقعة ضوء او حركة او ايماءة لتكون عينه وحركة يديه قد سرقتها بسرعة البرق مع اعتلاء البسمة على شفته وعينيه المتخفية خلف نظارته ، ولطالما عمّد على البحث بين الشعب والوحدات الادارية لالتقاط الصور للسادة المنتسبين فلا يوجد منتسب إلا وله صورة لدى الدرويش، وهو يغلق الباب والستائر ويتحكم بالزوايا والاضاءة لخلق وصناعة لقطة تتناسب مع الآخر وصورته ، فهو مُحب للجميع .

الدرويش ونوافذ الزمن:

على قاعة المعرض في كلية الفنون الجميلة من يوم 26 /11/2023 أفتتح المعرض الشخصي الثالث للفنان الفوتوغرافي (انور الدرويش) والموسوم (نوافذ الزمن) وبحضور السيد عميد كلية الفنون الجميلة الاستاذ الدكتور نشأت مبارك صليوا وبرعاية السيد رئيس جامعة الموصل الاستاذ الدكتور قصي كمال الدين الاحمدي وبحضور عدد من الفنانين والادباء والمثقفين من مدينة الموصل، وهنا بدء الدرويش يسافر بنا نحو الزمن ونوافذه المتعددة والازقة الضيقة التي انمازت بها مدينة الموصل، إذ التقطت عدسته تلك المحلات والبيوتات المهدمة التي غادرها اصحابها والتي مازال بعضهم يقطنونها بالرغم من دمارها ، إذا يتعامل مع تلك الموضوعات بوصفها أحداثاً وقصصاً عبر تشكيلاتها الحركية واللونية وتلك الاقواس والمسطحات والشبابيك وانحناءات الشكل وحركة المارة بوصفها لقطة سينمائية عابرة للحدود ، فعامل الزمكانية أخذ بفعله بتلك الازقة ، ففي صورة الصبية الجالسون أمام الدار وهم يلعبون ويتحدثون ويضحكون بينما طفل قادم اليهم وتعلو على شفتيه الابتسامة مع حركة جسدته المتمايل ، نرى انفتاح العلامات السيميائية وهي تتكشف عبر ذلك الفضاء الممتد للزقاق وتاريخانيته ، بينما كتب على الجدار عبارة (دار داخل الفرع للبيع) ويتهاوى اجزاء من ذلك الجدار بفعل الزمن والحرب ، وتعلوا اعلى الزقاق الشبابيك المستطيلة الخشبية المُطلة على الزقاق ، فاللون والحركة والزمن والمكان و اللقطة ما هي الا تشكيلات بصرية ماتعة اقتنصها الدرويش في تلك اللحظة .

وفي لوحة العربة والاطفال … نراه يعطي لتلك التشكيلات الجسدية الثابتة والمتحركة في آن مع اللون للشمس والعربة الخشبية التي تنقل الاحمال والمواد المختلفة نظرة اخرى مغايرة فهي اصبحت لعبة لذلك الطفل وهو يضحك وكأنه يسافر عبر الزمن داخل الزقاق جاعلاً من اشعة الشمس ضوءً داخلياً ينير دربه نحو السمو والجمال ، منسجماً مع ثنائية الظل والضوء لبناء تشكيلاً وتكويناً ثانية ، فالصورة متعددة البناء والتكوين .

اما لوحة العمال.. التي كانت لعدسة الدرويش لحظات توثيقية لحملة الاعمار التي شهدتها كلية الفنون الجميلة بعد أن اصابها الدمار والحرق على ايدي عصابات داعش لتدمير الجمال والفن في المدينة ، فالعامل هو اليد التي استطاعت ان تعيد ذلك الرونق والبهاء في ربوع مدينة المحبة والسلام.. فالأول يسير داخل الظل (المُعتم) مرتدياً خوذته وملابسه ولا يظهر منه غير الخطوط الخارجية للشكل ، في حين العامل الثاني يسير خلفه في (الضوء) جاعلين من زمكانية الممر حكاية عمل وعشق وجهد واصرار على اعادة الروح .
والعودة الى تلك الازقة والبيوتات القديمة التي اكلتها الحرب والسنون.. ففيها حكاية اخرى فعمد الدرويش على صناعة تقاربات زمانية ما بين الظل والضوء.. الرجل الكبير والشاب.. وتلك الدمية الملتصقة بثقب الجدار… ففيها تداخل للأزمنة المختلفة ، الرجل الكبير يقف حاملاً حقيبته وقد رسم الزمن خطوط التعب والخوف والقلق والشعر المغطى بالبياض من تلك الايام ، ايام الحروب المختلفة التي انهكت الجسد والفكر والقلب ، ينظر الى ذلك الشاب الواقف في الظل مع ضوء لظله موجهاً نظره الى الرجل الكبير قارئاً لتلك الملامح المُثقلة بالخوف والحزن.. اما الدمية فهي زمن ثالث لذلك الطفل الغائب المجهول المنتظر زمنه المفقود.. فالجميع داخل غرفة مهدمة.. داخل زقاق مهدم.. داخل تلك الشخصيات ايام واحلام مهدمة منشطرة مقسمة فاقدة الامل، فشكلت الصورة حالة من التداعي النفسي والجسدي والاجتماعي وهي تسعى نحو قراءة المستقبل .

القفل وقاعدته… ذلك الواقف بشموخ والغالق لتلك الابواب.. الساتر لتلك البيوت والاجساد والألسن .. يقف هنا شامخاً بعد خلع الباب عنه، بيد أنه ما زال متمسكاً بالجدار متمسكاً ببيئته ومكانه ووظيفته، اراد الدرويش ان يُعطي لذلك القفل صورة يستحق الاحتفاء به عبر ثنائية الضوء والظل جاعلاً منه (بوتريه) وانت تنظر اليه لوحده بعيداً عن محيطه ، فهو احساس زمكاني ناتج عن تلك اللحظة التوثيقية الحالمة بعودة الباب والعائلة والبيئة .

إن انور الدرويش عين ثاقبة للحظة والزمن والمكان ، فهو يطفو على نهر من ميكانزمات متعددة ، يتحقق فعلها الحركي مع تداخل ذلك الفضاء والمكان الناتج من بيئة طقسية، حداثوية، موروثة فعالة تعشق تلك الازقة وتلك الابواب والشبابيك والكتابات على الجدران وضحكات الاطفال واللعب والبكاء والحزن والفرح .. يحاول الدرويش ان تكون عدسته وعينه هي ذاكرة المدينة والحدث والتاريخ والزمن والمكان .