
بنات غائب طعمة فرمان للروائي خضير فليح الزيدي إنموذجاً
حينما يتغلب الشكل على المضمون
حمدي العطار
انا احاول ان ابتعد عن مهنج النقد الشكلاني وان امارس المنهج التكاملي- هو المنهج الذي تشترك فيه عناصر من مناهج مختلفة فيتم الربط بين الادب والتاريخ وتجمع بين المعطيات الفنية والتريخية ، والأبعاد النفسية والاجتماعية وربط ما مكتوب وما هو موجود على أرض الواقع ، وهو المنهج الذي تشترك فيه عناصر من مناهج مختلفة في نقد هذه الرواية لأن المنهج الشكلاني يركز فقط على الاسلوب واللغة واساليب الكتابة، وهذه لا توفر مجالا واسعا لمحاكمة النص !
الكتابة التجريبية
قدم الروائي خضير فليح الزيدي هذه الرواية كنوع من الكتابة التجريبية، وتضمن السردية ما يطلق عليه (ميتا سرد) اي ان الكاتب يكرر دائما بإنه يكتب رواية عن غائب طعمة فرمان ! وفيها نفس (ما بعد الحداثة )الذي ينزع عن الحقيقة المطلقة جزء منها ويجعل القارئ يشك بما كتبه الزيدي، لكن الهدف المعلن في الرواية ومن قبل الزيدي هو عدم معرفة جيل الشباب لشخصية غائب طعمة فرمان ،»ويقول الزيدي عن مبررات كتابة هذه الرواية «انه يعد غائب رائد الرواية الفنية في العراق بالمقابل ارى عدم اعتراف بهذا الكاتب كثيرا من الأجيال اللاحقة، ولو تفحصنا هذا الرأي استطيع القول إنه بمصاف الروائي نجيب محفوظ فيما لا يعرفه إلا نخبة المهتمين بشأن الرواية العراقية ، وفرمان لا يقل أبداعا عن محفوظ. لذلك غدت كتابتي لرواية بنات غائب فرمان لتكون محاولة إحياء الاثر الثقافي.. وهذه الفكرة جاءت بعد أن وصلت الى هيكل بيته الأول في منطقة المربعة وقد أصبت بخذلان كبير على هذا الأسى» فهل الميتا سرد – وهي التي تشعر القارئ أن ما يقراءه عبارة عن رواية وليست حقيقة !وما بعد الحداثة التي تحاول انتزاع الحقيقة من الحدث بما تحمله من غموض وعدم معقولية واقعية وصعوبة التصديق يكون النص قادرا على تقديم شخصية غائب طعمة فرمان لجيل الشباب؟
أشكالية الغلاف
وانا اشاهد غلاف هذه الرواية لوحة فيها (مجموعة من النسوة يعيشن بسلام وهدوء ويشربن الشاي وعلى الجدران التحف التراثية والابسطة ) أستحضرت فورا لوحات جواد سليم الذي كان يملك رؤية بالموروث السومري والبابلي والاسلامي (كعدة شاي) جواد سليم كان يعيش برفاهية وزوجته بريطانية وعائلته ارستقراطية كلها رسامين وفنانين ، ناس مرتاحين تختلف حياتهم عن حياة اغلبية الشعب العراقي ولوحاته عن الحياة البغدادية في هذا الاتجاه هي لا تعبر عن الحقيقة ، هي صور متخيلة ووهمية حاول فيها احياء الموروث الذي يتمناه لحياة الناس في بغداد! وقلده الاخرون! حياة المجتمع البغدادي حياة واقعية عبر عنها غائب طعمة فرمان في رواية (النخلة والجيران) التي كانت تصور حياة ومعاناة « العربنجي وسليمة الخبازة وخاجيك ودبش ومظلومة والخالة نشمية وأسومة العرجاء وزنوبة المخبلة» مثل هذه الشخصيات كان يجب ان تكون على غلاف من هذا النوع! ولا تسند مهمة تصميم الغلاف لمصمم تونسي بل يجب ان يكون المصمم عراقي متشبع بروايات غائب طعمة فرمان وقد قرأ رواية الزيدي ليعرف كيف يتم صياغة وتصميم هذا الغلاف!
غياب الهوية السياسية
اهمل الزيدي الانتماء السياسي للروائي غائب طعمة فرمان فهو كاتب من الكتاب الملتزمين ودفع ثمن التزامه الحزبي (الشيوعي) من هذا الباب، لم يكن غائب طعمة فرمان روائي فقط ! بل الاهم في شخصيته انه كان شيوعيا، وسبب رحيله الى موسكو وترك العراق كان بسبب هويته الشيوعية ، انه كاتب ملتزم وقد دفع ثمن التزامه الفكري وغادر العراق ليعمل ويكتب ويعيش في موسكو ويموت هناك في الغربة، الا تستحق هذه الهوية السياسية ان يعلن عنها الزيدي حتى يتعرف جيل الشباب عن سبب غربة غائب طعمة فرمان وعن افكاره الشيوعية ؟ لماذا تجاهل الزيدي هذه الخصوصية وركز على غائب طعمة فرمان كونه كاتبا او روائيا فقط!! ولم يرد ذكر هويته السياسية الا بشكل (مشوه) عندما يجري الحديث عن محاولة تهديم تمثاله لأنه (ملحد)!!
من الموت
أعطى لروائي خضير الزيدي عنوانا للمقطع الاول من روايته (من تراب) وهو يتناول إعادة الشخصيات الحقيقية من التراب واستخراج الشخصيات الخيالية من الروايات! ومن الصعب ان نصف هذه الشخصيات روائية أو شخصيات حية سواء من الناحية السردية أو الرمزية» على حائط السج علقت لافتة قماش سوداء، خط عليها: يشارك أبطال الروايات العربية أبناء عمومتهم من أبطا الروايات العراقية الثماني في هذا المصاب الجلل لموت مؤلفها غائب طعمة فرمان ، سائلين المولى المغفرة والرحمة لروح الفقيد» بهذا الاستهلال يزج الروائي عنصر الغرائبية لدى المتلقي إذ جعلنا الروائي منذ البداية ان نتعامل مع شخصيات الرواية كشخصيات كارتونية مجردة لا نرى شيئا من دواخلها ولا نقترب من صراعاتها الكامنة في الاعماق، ويستمر الروائي العليم بزيادة جرعة الفنطازيا ليخلق الشك لدى القارئ « والحق أنه لا يوجد فقيد ولا وفاة مسجلة رسميا ولا هم يحزنون. فقد أشيع المؤلف موتا. وهذا هو جوهر القضية ، فكيف يقام على امتداد ثلاثة أيام مجلس عزاء رسمي على روح المغفور له السيد كاتب الرواية البغدادية (غائب بن طعمة بن فرمان بن رزوقي)؟.»
ورق على ورق
اراد الروائي ان يكتب جانب من التاريخ الثقافي العراقي ، وتناول مثل هكذا مضيع في الرواية تحتاج الى موقف ولمسة فنية ولا يكون بشكل مباشر، فقد الروائي أراء نقدية ونسبها الى دلال البيرقدار «عدم اقبالها على شعر الجواهري وعدها قصائده حادة النبرة وانفعالية رغم اتسامها بحسن الصياغة وبلاغة المفردات وطرافة الصور الشعرية الواردة فيها. ويقابل إعراضها عن شعر الجواهري ميل إلى شعر السياب وحب صميم للشاعر بلند الحيدري لرومانسيته الأخلاذة وقدرته على إحياء المفردات المطمورة، وفقهما علاقته الحميمية بغائب طعمة فرمان، والمؤكد لا محالة أنها مناحزة إلى الرواية على حساب بقية أجناس الادب الاخرى»ص51
رواية النخبة
الزيدي في رواية بنات غائب طعمة فرمان اذن كتبها للنخبة – كما يقول-! فلم يفكر بتعريف الجيل الجديد بهذه الشخصية الاشكالية بل اهتم الزيدي بلعبته السردة اكثر من الهدف المعلن! لذلك جاء في الغلاف الخارجي للرواية بقلم «عيسى الجايي» ( كل شيء في «بنات غائب طعمة فرمان» مسكون بشبح المعنى، وما شخصيات الرواية سوى أقنعة عن الوجود المعاصر الذي بات مسخا من المسوخ وعجبا وعجابا، فلا بنات لغائب طعمة فرمان خارج عالم الشوق والممكن، ولا بغداد بغداد. أما ما تسكن إليه النفس سكون اليقين يعد قراءة هذه الرواية فهو إدانة المشهد برمته، وما أهم من بعد إن خرجنا بالمعنى أم بالفراغ) هذه الشهادة التي تؤكد عدم ضمان تحقيق هدف محدد من قراءة مثل هكذا روايات يتفوق فيها الشكل على المضمون ، فلا يكفي ان تعجب الرواية خبراء اكاديميون بما كتبه الزيدي ولم يكن بطريقة تقليدية ! وانا ما يهمني مدى ما قدمه الزيدي من (تجريب وميتا سرد وما بعد الحداثة) في قدرتها على رفع الرواية لتحقق الفائدة المرجوة من كتابة الرواية والوصول الى الهدف المعلن (وصول مضمون الرواية للمتلقي العادي) هذا التعقيد بالسرد جعل الأسلوب بالرواية معقدا وليس مثل مجرى الماء متدفقا سلسلا ، فالقارئ يحتاج ان يتوقف أثناء القراءة لكي ليربط بين السرد وتوفير القناعة لديه بإن الرواية تخاطب ذائقته البسيطة! الروائي انشغل بالشكل التجريبي ونسى موضوع غائب طعمة فرمان وكذلك لم يقدم وصفا مناسبا لبغداد من خلال جولة هادي بارت مع دلال ، ( جماعة الرصيف ) و(ببيتانا ونلعب بيه) كانت مفتعلة وتقليعة الخلود مقاربة لم تتوفق في اضافة شيئا مفيد للمضمون!
مبررات أختفاء غائب
لقد تم إعادة غائب طعمة فرمان بعد موته بثلاثين عاما وهذا الرجوع كان من باب الخيال العلمي « أني أختلقت خبر موتي، وأشعته في موسكو لتصل الإشاعة إلى هنا، والحقيقة أني أجريت عملية كبرى لآستبدال الخلايا التالفة، وتبعا لذلك حصلت على فرصة أستثنائية للنوم الطويل» هنا ادخلنا الروائي في مجال الخيال العلمي ، وهذا كان لعودة عائب مبرر قوي لدى الروائي الزيدي ، فما هو مبرر اختفاء الزيدي عند وصوله الى بغداد! غموض ما جرى بالمطار وفي التكسي الذي صعد فيه غائب طعمة فرمان واختفاء غائب طعمة فرمان بطريقة متعمدة لفسح لمجال بظهور شخصية «هادي بارت» وعلاقته ب»دلال البيرقدار» تشعر ان كل شيئ غير واقعيا ! دلال مثلا لم تستعن باخوالها لأدارة املاك البيرقدار والاستفادة من ايجاراتها وعندما تكتشف خداع ونصب المحامي الشوك لم تحاسبه!لم تتطرق الرواية بشكل عميق الى الوضع الثقافي في بغداد بشكل عميق شخصية هادي بارت المثقف الصعلوك يشير في حديثه الى عشبة الخلود وهي محور لا نعرف كيف نربطه مع فرمان الغائب – الحاضر في الرواية .اخيرا الرواية ما لميت فيها معنى قد استمتع بألاسلوب التجريدي الذي كتبه الزيدي والنص فيه ملامح ما بعد الحداثة وميتا سرد لكنه لم يضيف شيئا مهما للمضمون!
























