أدونيس الثقافي.. أدونيس السياسي

أدونيس الثقافي.. أدونيس  السياسي

علي حسن الفواز

هل يعنى الاختلاف الثقافي خروجا خلافيا عن الوعي، والعودة الى عصبوية القرابة وتكية الصاحب والمريد وفكرة الغنيمة الثقافية؟ وهل يضعنا هذا الاختلاف عند اعراف المفارقة، والنأي بالحوار الى اقصى الفزع؟ وهل ان مثقف الاختلاف هو بالضرورة حامل للفأس وباعثة على الريبة والزندقة والمروق على فقه الامة؟ وهل ان الصناعة الشعرية المختلفة عليها  هي  بعض من ميراث حمالة الحطب؟ وهل ان الحرية في سياق هذا الاختلاف ستكون خروجا وتمردا غير(شرعي)على اقانيم  الجسد والسوق الفكرة والدولة وصاحب الرعوية؟    هذه الاسئلة المرعبة هي ذاتها التي تحرضنا على شهوة الوقوف عندها، لان الاختلاف والتنوع -في سياقها- ضرورة في التعبير عن الوجود، وان الكاتب المختلف يعني الكاتب الذي قد يرى بعينين مختلفتين، ويعرف ان التاريخ المدون ليس بالضرورة هو التاريخ المباح للاستعمال فقط لنمط معين من الاباء الصالحين، وان الكتابة ليست بالضرورة هي التعالق بهذا التاريخ الذي لايمكن الشك به والحوار معه.. ان خروج الصناعة  المضادة على هذا التاريخ من المحبس، يعني امتلاك جرأة  قراءة النسق المضمر في مهيمنات هذا التاريخ،  والانفتاح على فضاءات مايكشفه الوعي بوصفه القصدي، وبوصفه الاستدعاء الظاهراتي لهذا الوعي، لكي يكون دليلا على الابانة عن صلاحية قدرة الانسان في ان يلامس كينونته ووجوده، وان يملك  فعالية  تجاوز ذاته وحكــايات سردياته الكبرى..

 الحرية ازاء هذا المعطى في وعي ضرورتها وفي استعمالاتها ستعني مقاربة لجوهر الوجود ولكينونة المعنى ولسر تجدد الكائن، وان أي خروج عن هذه الحرية وعن اسئلتها سيعني الدخول في العطالة، وفي  فكرة الاخضاع والتابعية وبالتالي عند موت الكينونة.. ادونيس واحد من حفاري الثابت ومتون التاريخ، والمتمرد على سياقه، وواحد من بهاليل الحرية ومن كتّاب المسكوت عنه في تاريخ مثيولوجياتها ووقائعها، اقصد الحرية الحية والشرسة والقرينة بكتابة ماهو مضاد لمدونات هذا المسكوت، وبقطع النظر عن الاختلاف والتوافق مع ادونيس الايديولوجي او الديموغرافي او حتى السياسي، فان الانتباه والاحترام لادونيس الثقافي- المعرفي والجمالي والشعري- مهم جدا لانضاج فاعلية الحوار معه ومع المختلف فيه وعنه، والواعي لمعطيات اختلافه..

كثر الحديث خلال الايام الماضية، ومازال البعض يروّج له، عن ادونيس السياسي، وعن مواقفه ازاء قضايا سياسية مختلف عليها في زوايا النظر والمفاهيم والمصطلحات وحتى في وظائف هذه القضايا، ولاسيما ما ورد في رسائله السياسية للرئيس السوري، وتعليقاته الاخرى بشأن ردود الافعال التي انفجرت بشأن هذه الرسائل، حتى بات ادونيس المتهم والمسيس هو الاكثر حضورا من ادونيس الثقافي، وبات البعض يتحدث عنه مثلما يتحدث في قضية فقهية او اعلامية تصلح للشتيمة والتكفير وحتى الطرد. وكأن اصحاب هذه القضية يعودون بنا الى فقه الزاوية الضيقة( ان لم تكن معي فانت ضدي) وطبعا هذه الضدية ستضع على ضحيتها محمولات رمزية واجرائية وقضائية واخلاقية، لان الضد يعني الخروج عن الاتباع، وهذا الخروج يشبه المروق تماما..القضية السورية قضية شعب ومصير، والكل الانساني يبحث عن حلول اخلاقية وسياسية لهذه المحنة التي تطحن الناس والامكنة والتاريخ، ولعل من اكثر ضحاياها قهرا هو العقل الثقافي الذي راهن على مرجعيات وافكار وحتى مواقف عروبية وقومية وايديولوجية، والتي راهن عليها ايضا ذات النظام السوري المؤدلج والعنفي، من دون ان يضع في حساباته ان الوقائع العربية لم تعد وقائع (ابي النحس المتشائل) اذ هي بددت الكثير من احلامها الثورية  مع ضجيج الثورات، والتي كشفت عن عورات السلطات القديمة، سلطات التحرر الوطني التقلدي جدا، والسلطات المحصنة والمقنعة بمقايسس الايديولوجيات القومانية والاشتراكانية التي تحولت الى ايديولوجيات متاحف. الوضع في سوريا بقطع النظر عن الاختلاف فيه وحوله تحتاج الى قراءة واعية وليس الى كل هذا الايغال في لعبة العسكرة الدامية التي جرتّ اليها الطوائف العربية والامريكية والانكليزية والتركية والايرانية والفرانكفونية، والتي وضعت الشعب السوري امام محنة الهجرات والمنافي والموت العلني، وكذلك امام  سخرية الفرجة، وامام( الارض اليباب) وامام  صراعات دولية ومصالح اقليمية وحسابات طائفية ومناطقية وامنية،  لذا يحتمل الاختلاف مبررا للقراءات المتعددة، وزوايا النظر المفتوحة والمتغايرة، والتي لاتستدعي كل هذا الجحيم، ومنه الجحيم الذي فتحه البعض على ادونيس!! فادونيس كائن مثقف، ومن حقه ان يقرأ القضية من الزاوية التي تخصه، وتخص وطنه الذي يذبحه المحاربون من كل الجهات والذين يتلذذون بفقه الحرب ويمارسون تحت يافطاتها الكثير من الجرائم الكبرى والعمومية ولقساها جريمة غاز السارين  الذي تحول الى هولوكوست اخرى. هذه القراءة لاتعني وضع ادونيس في الخانة المضادة، مثلما لاتعني قراءة مفكر كبير مثل برهان غليون وضعها ايضا في الزاوية النقيض، لان القرائتين ستكونان خاضعتين لاجتهادات وحسابات ومرجعيات واجندات ووعي سيوثقافي له قياسه وشروطه. ازاء هذا المعطى سيكون تسطيح الحديث عن ادونيس، واحيانا مجانية الحديث وانفعاليته ومن جهات مأزومة ومسيسة(خارج التغطية) نوعا من المراوغة، اذ  هو  لايعدو ان يكون غلوا في الموقف، او شكلا من اشكال الشتيمة، اوجزءا من تهويمات (الاعلاملوجيا) تلك التي تقع في اطار الاختلاف، وتعدد زوايا النظر، خاصة مع ادونيس المطرود من(الجنة السورية) منذ نصف قرن تقريبا، والذي لم يتحول الى شيطان مضاد لتلك الجنة، بل ظلت علاقته رتيبة وغيراجناسية، واحيانا علاقة سوء اطمئنان  مع النظام ومع الايديولوجيا..هذه العلاقة تلبسها  بعض الحنين الى اماكن معينة مثل قرية القصابين، والى اشخاص معينين مثل الام، الى ذكرى الاب القتيل، لكنها تبقي مع ذلك- في  سياق اعم- علاقة مفتوحة او مضطربة مابين مثقف كوني والامكنة التي تصلح لاسفاره التي لاتنتهي.

 الكائن الثقافي

    ادونيس ظاهرة ثقافية معرفية ونقدية يجب ان نحترمها، وان نضعها في سياقها الانساني وليس في سياقات ضيقة كالطائفية او الدولتية وغيرها، وان نحترم وجهات رؤيتها للوجود والحرية والسؤال الانطولوجي العاطل عن الكثيرين، حتى وان اخلتفنا معها ومع العديد من طروحاتها. لاني اعتقد ان  ادونيس تجاوز ضيق الجغرافية القومية، وتجاوز التوصيف العصابي لانتماءاها ورعبها، واضحى جزءا من المشروع الانساني للنقد الثقافي والنقد المعرفي والنقد التاريخي، واحسب اننا جميعا نحتاج الى اهمية ادراك منظومة هذه النقود، بوصفها نقودا عامة  لكل ظواهر الاختلاف الثقافي والسياسي، او الانحباس السياسي، لكي نعي في ضوء هذا المعطى الكثير من مشكلاتنا الوجودية،  ومظاهر الانسداد الحضاري والقيمي الذي نعيشه، والمتوغل فينا بوصفه  رعبا ونكوصا وترجيعا، وربما هو المسؤول عن نصف حروبنا وهزائمنا مثلما هو المسؤول عن استقواء مرجعيات العنف والتكفير والاقصاء في فضاءاتنا الثقافية والاجتماعية، فهذا الاستقواء الجماعاتي تحول الى قوة طاردة لفاعلية النقد، ولتضخيم مناطق العتمة التي غيبت الرؤية لحجم وخطورة ازماتنا الوجودية والتعليمية والثقافية، ازمة اللاحوار، واللاتنمية، واللامسؤولية.. لان الثقافات التي تتمترس بالاستقواء والمطمئنة الى اسلحة فقهائها واسواقها وحراسها العقائديين، واستهلاك بضاعاته المغشوشةا، تسعى جاهدة للحفاظ على سلطة هذه الاسواق وعلى بضاعات نصوصها واشاعتها واوهامها من اي خرق عقلاني نقدي او معرفي.. ما يتعرض له ادونيس هذه الايام ليس حوارا  في المختلف، بل هي  هجمات اعلامية وسياسية، تصب في هذا الاتجاه الذي يخشى البعض من بروز اسئلته الصادمة، وتفعيل عوامل وجوده الخلافية داخل مشروع الثقافات العربية والاسلامية.. وكأن هذه الثقافات يجب ان تظل بمنأى عن اي نقد او جدل او قراءة او مراجعة.. فضلا عن عدم اطمئنانها العلني للنقاد الذين يمتلكون القدرة على تفكيك سطوح السرد التاريخي والحكواتي الذي ضلل اجيالا لقرون طويلة.. هذه الطروحات تعني وعي المتغير، وتعني الحاجة الى اسئلتة الجديدة، والى رؤية العالم والنظام الاجتماعي والثقافي والسياسي في سياق فعالية هذا المتغير، بما فيها النظر  الى مفاهيم الدولة والهوية والامة والسلطة والتنوع والتعدد والديمقراطية وغيرها، مثلما يعني ان نقاد الحداثة ونقاد التنوير والاصلاح قد ادركوا ان يكون المتغير واقعا، وان تتسث قيم الحداثة مع قيم الانسان ذاته، ومع مشروع حريته وحقوقه المدنية.. التحول بهذا الاتجاه يحمل معه ارهاصات المواجهة، وارادة التحدي مع القوى الرجعية والظلامية، وارادة الانحياز  للعقل، والى قيم التجديد، بما فيها تجديد الوسائل، واليات الحوار مع  الذات ومع الآخر..رواد هذا التجديد والتغاير بدأوا وكأنه الاشبه بسرّاق النار الاسطورية، اذ هم يتحركون وسط جهالات وعدم ثقافي وسياسي، كما بدوا وكانهم الاكثر خطورة واثارة للرعب، لانهم يقرأون تاريخ الحاكمية بوعي متعال، وتاريخ المراكز بادوات تملك بصيرة التفكيك، وتاريخ الثقافة بدون حساسيات من هيمنة التابو القديم.. نقد ادونيس الحاد للمؤسسة الثقافية العربية، لم يكن نقدا عائما او مناورا، بل تحول الى  نقد معرفي وثقافي، لكنه- مع ذلك- لم يكن نقدا عنفيا، او عدوانيا او حتى اقصائيا، وان مواجهته العنيدة لفقهاء الظلام والارهاب وقمع الحريات والافكار، لم تكن ايضا رغبة في  فرض افكاره، او مشروعه، بقدر ما كان تعرية لثقافة الانسدا،  وللاجتهاد الساذج، والدعوة الى ضرورة ان نكون ابناء  للحظتنا الحاضرة، وليس ابناء موتى للتاريخ..    انحياز ادونيس للمختلف يعني ضرورة التعاطي مع وعي اهمية هذا المختلف، ومع اسئلته واستحقاقاته، وان نرى الاشياء بصورة واضحة وواقعية، وبدون عقد او حساسيات، فنحن لم نعد امة خارج الدنيا، ولسنا الوحيدين الذين يملكون حق الوجود وان غيرنا- يشرب كدرا وطينا- وان اباحة الاجتهاد في تكفير الناس من دون حق او معرفة يعني ايضا منع وتهميش اي وعي او رؤية مناقضة للمألوف والمكرس في حياتنا الثقافية..

ان اية قراءة للراهن الثقافي الرسمي وغيره، ولدور ووظيفة الثقافات الرسمية والايديولوجية يضعنا امام  غابة من الازمات، والصراعات، مثلما يرسم لنا خارطة شوهاء لاثر الفاعليات العصابية التي يمارسها مسوقو هذه ثقافات العنف والغلو والتكفير، اذ وضعت هذه الفعاليات العقل الثقافي امام محنة وعي الحداثة، واستعمالها في تجديد البنى المؤسسية المغلقة، فضلا عن تحول بعضها الى نوع التماهي مع طبائع السلطات التي مركزت وجودها على حساب الجمهور، واصطنعت لوجودها قوة خفية، تتمرس بالمال السياسي، وبقوى الجماعات الارهابية الاصولية، واطلقت اليد للقوى الظلامية  لان تتحول الى قوة مهددة  للديمقراطية وللسلك الاهلي وللحريات العامة والحقوق المدنية.. وطبعا هذا الى نقيض لمشروع الدولة العادلة، دولة الحريات والتعدديات، وتيسير تداول بضاعاتها الثقافية الحقيقية الصالحة لادامة الوجود والمعرفة والتنمية، والعمل على تعزيز قيم التنمية الاجتماعية والبشرية والتعليمية والثقافية، والاسهام  في  اشاعة  المجال الثقافي والنقدي لتداول قيم ومفاهيم تتجاوز عقد  قوانين مهيمنات (ثقافات الموتى) وهذا المعطى يرتبط بالمشروع  النقدي  لادونيس وللعديد من مثقفي التنوير الذي يجدون انفسهم امام مسؤولية مواجهة رعب الانسداد  الحضاري، والتـــــــشوه المدني، وهشاشة  البناء  القيمي  للدولة والحرية والعدل، وبالتالي  فان الصراع يتحول حتما  الى صراع مفتوح  بين جماعات العنف والمتحف، وجماعات التحـــــول المدني  الذي مازال رغم كل هذه المعطيات قاصرا  عن شرعنة وجوده، وعلى تجاوز بعض عقد اليسار  القديم..     الدفاع عن ادونيس ليس دفاعا عن صورة المثقف السياسي، او حتى صورة المثقف الاعزل، بقدر ما هو دفاع عن اسئلة ثقافية ضرورية وعميقة،  ودفاع مشروع ثقافي عامر بوعي التحديات واسئلة الراهن والمأزق، كما ان الدفاع عن ادونيس ليس دفاعا عن ايديولوجيا، بقدر ماهو الدفاع عن افق ثقافي عربي واسلامي وكوني يمكن ان يكون جزءا من وعينا الحضاري، وصناعة اسئلتنا الجديدة..