البرجاوي.. 50 سنة صحافة بعضها وقائع من العراق

صديقي ينعاني وأنا حي

البرجاوي.. 50 سنة صحافة بعضها وقائع من العراق

احمد عبد المجيد

بغداد

تكمن عظمة مهنة الصحافة، ليس في قدرتها على كشف القتلة وفضح اللصوص واكلي السحت الحرام والكذابين والطارئين على الحياة السياسية والسفلة ونهازي الفرص والمتسلقين وسواهم، بل في الظروف التي توفرها للمشتغلين بها للتعرف على الاشخاص من بقاع العالم المختلفة، شرقه وغربه، قريبة وبعيدة. واذا مااحسن الصحفي استثمار هذه الظروف والاخذ بالتجارب واستخلاص العبرة منها، فانه سرعان ما يصبح مواطنا كونيا يحمل هوية انسانية تتلاشى امامها جميع الهويات الفرعية .

وعلى مدى سنوات عملي في هذه المهنة، التقيت ورافقت عددا لا يحصى من الزملاء حملة القلم واصحاب التجارب ينتمون الى دول كثيرة. ظلت علاقتي ببعضهم عابرة، فيما اخذت علاقتي بسواهم منحى اخويا اتسم بالتواصل والاستمرار، فتزداد صلتي بهم مع مرور الايام والاعوام، وتتعمق نتيجة الامتحانات والتجارب، حيث يضعوني على المحك واضعهم عليه ايضا بحيث يكونون فيما بعد اصدقائي الخلص واخوتي الذين لم تلدهم امي.

نفي لبناني

منتصف الثمانينات من القرن الماضي، تعرفت على ابراهيم البرجاوي الذي نعته قبل ايام الاوساط الصحفية اللبنانية، وارتبطت معه بعلاقة صداقة وثيقة، كان هو بحاجة اليها، وكنت انا حريصاً على تكريسها وتطوير اواصرها . عملت معه عند اول قدوم له الى بغداد لتولي ادارة مكتب مجلة (التضامن) اللندنية. كان البرجاوي من نوع الصحفيين الذين حملوا انطباعا مسبقا عن الصحفيين العراقيين. كان يراهم بحاجة الى تأهيل ويشعر بنقص كفاءتهم وانه استقدم للعمل في العراق لهذا الغرض. وربما كان محقا لان جل الذين سبقوه الى هذه المهمة في مكتب بغداد تنطبق عليهم رؤيته. كانوا اما كتاب مقالات مؤدلجين، غير محترفين او تخرجوا من معطف الادب، في وقت كانت صحف المهجر بحاجة الى ذوي الخبرة والاحتراف من الصحفيين. وكان طبيعيا ان يفاجأ بصحفي من النوع الذي يجد فيه مؤهلات يتقدم بها على اصحاب الامتيازات، المحسوبين على الصحافة والمفتقدين لمهاراتها المهنية. ومن هذا المدخل توطدت علاقتي بالبرجاوي. ولم تمض مدة طويلة حتى تعود على قبول اكتشافي ثغرات في ادائه واسلوب تناوله للامور في بلد يخوض حربا طاحنة على جبهة طولها 1100 كيلو متر. وكنت، احيانا، اتجاهل بعض هفواته موهما اياه بانه المعلم وانا التلميذ الذي يتعلم على يديه. ولم تستمر علاقة البرجاوي ب (التضامن) في بغداد طويلا. كانت املاءات الممولين تلزم ادارة المجلة في لندن بالاذعان لبعض الشروط، ومنها الاستغناء عن مسؤولي مكتبها في بغداد والعاملين فيه وتعيين بدلاء يوافقونهم الولاء ويحاكون المزاج الشائع. وهكذا غادر البرجاوي الى لندن ثم الى القاهرة والى بيروت وترك العمل في التضامن وتنقل الى مجلة  الحوادث في لندن وسلسلة مطبوعات وليد ابو ظهر في القاهرة بينها مجلة الوطن العربي والباشا وكلام الناس. وكان مفهوما لدي اختيار البرجاوي لهذا اللون من العمل في القاهرة، انه من الصحفيين الذين اخلصوا لتخصص يروق لهم منذ بدء حياتهم الصحفية ويتعذر عليهم الانتقال الى مجال اخر فيها بعيد عن اهتماماته. ولهذا السبب كان من الصعب على البرجاوي الذهاب الى جبهات الحرب في العراق وظل يستثقل هذه المهمة لتعارضها ايضا مع تكوينه الجسماني وسني عمره، واذا صادف ان استجاب لدعوة وزارة الاعلام مرافقة فرق الصحفيين، فان ذلك يأتي من زاوية ( مكره اخاك لا بطل ). وظل طيلة وجوده في بغداد يلجأ الى صياغة التقارير المكتبية على اختيار رسائل ميدانية للنشر في المجلة.كان يفضل ان اقوم انا بهذه المهمة بالنيابة عنه. غير انه، لدواع  مفهومه، جمع هذه التقارير واصدرها في كتاب عنوانه (من  زاخو الى  الفاو). بعد سنة واحدة من مكوثه في العراق غادر البرجاوي الى لندن. والتقيت به في العاصمة البريطانية في شباط 1990 واحاطني، رحمه الله، برعاية اخوية، ومازلت اتذكر السهرة الرائعة التي دعاني اليها باحد المطاعم العربية هناك. كان من النوع الذي يعشق السهر والليالي الملاح ويمضي في سبيلهما وقتا طويلا. ولا يبخل في انفاق امواله التي يحصل عليها من العمل الصحفي على ذلك.

وتوالت السنوات وانقطع عني وانقطعت اخباري عنه، ولكن صادف ان التقينا في مصـــر عام 1998 خلال مشاركتي باجتماع المكتب الدائم لاتحاد الصحفيين العرب الذي عقد في مدينة  الاسكندرية. كان ملتحقا بوفد لبنان الذي يرأسه النقيب السابق الراحل ملحم كرم. وهالني انني وجدت البرجاوي متوعك الصحة ولا تبشر احواله العامة بخير. وعندما اصطحبني الى غرفته بفندق شيراتون الاسكندرية، اطلعني على حفنة من الادوية تشكل صيدلية متنقلة يتناولها يوميا لمعالجة ضغط الدم والسكري وتصلب الشرايين. لقد اشفقت عليه واحزنني وضعه، ولكنه ظل مكابرا وبدا ذلك البرجاوي، الانيق الساخر الساخط، الذي لا يعجبه العجب ولا يقف امام غروره كائن من كان.

مفاجأة ثانية

ومن جديد انقطعت اخباره، حتى خيل لي انه انتقل الى جوار ربه. كنت اتجنب السؤال عنه لكي لا اصدم بنبأ رحيله، ولكن حدثت مفاجأة ثانية او مصادفة من العيار الثقيل التي تؤكد ان الدنيا صغيرة جداً. ففي صيف العام 2010 كنت اقطع احد الشوارع الفرعية من شارع الحمرا ببيروت فاذا بالبرجاوي بكامل قامته المديدة وشارباه المتميزان كشاربي قبطان انكليزي، وجها لوجه امامي. لقد فوجئ بي وفوجئت به. وصرخ بوجهي : هل مازلت على قيد الحياة ؟ وابلغني انه، ابان الحرب على العراق عام 2003 كتب نعيا عني في مجلة كلام الناس القاهرية، قال توقعت انك قتلت وتصورت ان غارة امريكية قضت عليك، وكان من واجبه رثاء زميل له في العراق احبه واحترم كفاءته. وضحكنا بقوة وتواعدنا في اليوم التالي في مقهى من مقاهي الحمرا دأب رهط الصحفيين المحبطين والمتقاعدين من امثاله على الالتقاء بها يوميا. كان من بين هؤلاء صديقه الصحفي ابراهيم سلامة الذي استغنت جريدة النهار عن خدماته، مع نحو سبعين اخرين، نتيجة ضائقة مالية تعرضت لها. واستذكرنا في هذه الجلسة،  ايام بغداد وبدأ يسال عن  اصدقائه الذين مدو اليه يد المساعدة  لانجاح  مهمته  الصحفية  في العراق ومن بينهم الاستاذ سعد البزاز.

ورأيت البرجاوي فاقدا الحيوية التي يتمتع بها. كان في وضع صحي وعائلي صعب. لقد شكا من تدهور احواله المالية بسبب البطالة وتقدم العمر، وقال انه مضطر الى الانتقال من شقته التي يعيش فيها وحيدا الى شقة ابنته في ضواحي بيروت. كان يبحث عن الرعاية والدفء نادما على (خمسين سنة صحافة) امضاها تحت اغراء الشباب والبحبوحة وحرية الانتقال بين العواصم والتحرر من قيود الحياة الزوجية.

فقد ظل معتزاً بصفة كونه مطلقاً. واهداني كتابه (حكايات من الزمن الطيب) الذي ضمنه محطات من حياته الصحفية، ولاسيما علاقاته التي يعتز بها مع نجوم الفن من طراز صباح ومحمد سلمان وسميرة توفيق ورشدي اباظة وكمال الشناوي وغيرهم. افترقنا بعد يومين من اللقاء وتواصلنا فيما بعد، عبر الهاتف، غير ان الاثير لم يعد يدلني عليه فانتابني شعور بالفقدان، وفجعت عندما ابلغني صديق مشترك، خلال عطلة عيد الاضحى برحيل البرجاوي، الصحفي الذي ترك في نفسي اثرا لن يمحى. كان قد كتب ينعاني قبل نحو 11 عاما، فاذا انا حي وانعاه حيا وبوصفه انتقل الى الرفيق الاعلى.. رب ارفق به وارحمه واجعله من المقربين اليك واحشره  في دار جنات نعيم.