مؤشرات تدني الرعاية الصحية للطفولة
عماد علو
بغداد
أشارت معظم التقارير الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان التابعة لبعثة الأمم المتحدة في العراق، أن النساء والأطفال في العراق هم أكثر الفئات تضرراً من جراء أعمال العنف المستمرة في العراق منذ احتلاله في عام 2003 وحتى الآن. وتندرج الأضرار التي لحقت بالنساء والأطفال في العراق في سياق الأضرار التي لحقت بوضع حقوق الإنسان في العراق بشكل عام نتيجة فشل الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية في تامين حماية كافية للمدنيين (حسب اتفاقيات جنيف) وللبنية التحتية لمؤسسات الدولة وهو ما انعكس سلبا على الإنسان العراقي وخصوصا الفئات الضعيفة منه وهي الأطفال والنساء ..
وأشارت دراسة مسحية قام بإجرائها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ووزارة التخطيط العراقية عن الأحوال المعيشية في العراق، أظهرت أن 13 بالمئة من العراقيين الذين شملهم المسح، والذين تتراوح أعمارهم بين 15ــ 19 عاما قد فقدوا أحد الأبوين أو كليهما أو أفرادا من العائلة بسبب العنف، وعلى الرغم من صعوبة تحديد عدد الأطفال الذين قتلوا إلا أنه ووفقاً لبعض المصادر تشكل النساء والأطفال نحو 20 بالمئة من القتلى المدنيين. في وقت يعاني فيه اطفال العراق من تردي الرعاية الصحية وعدم توفر الادوية والعلاجات في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية ، فضلا” عن ارتفاع اسعارها في الصيدليات والمستشفيات الاهلية والخاصة ، الامر الذي حرم شرائح اجتماعية واسعة وفي مقدمتهم الاطفال من الرعاية الصحية.
ومن الجدير بالذكر أن القانون الدولي قد أولى عناية خاصة بحق الإنسان في الصحة ، وتناول ذلك في معظم الوثائق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان . لأن المجتمع الدولي يدرك بأن المحافظة على حق الإنسان في البقاء تتوقف على العناية الصحية به . لذلك أضحى حق العناية الصحية من حقوق الإنسان الأساسية ، ولاسيما بالنسبة للأطفال الذي يشكلون نصف سكان العالم ، مما يوجب على جميع الدول إعماله بأقصى إمكاناتها(انظر سميح كايد ، للطفل حق الحماية القانونية الخاصة ضد العنف وسوء المعاملة www.Swmsa.com//http:) . كما إن من أهم الأهداف التي قامت لأجلها منظمة الصحة العالمية ، هو حصول الإنسان على أعلى رعاية صحية متاحة. حيث أوضحت المادة الأولى من دستور هذه المنظمة أن الهدف منها هو الوصول بكافة الشعوب إلى أعلى مستوى صحي ممكن. فالصحة كما أوضحت ديباجة الدستور: ” الحالة العقلية والاجتماعية للكائن الإنساني ، وهي حق من حقوق الإنسان الأساسية”( د. إبراهيم العناني ، المنظمة الدولية العالمية ، المطبعة التجارية الحديثة ، القاهرة 1997م، ص 256) .
ولقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق الإنسان في الصحة ، فنص في المادة 25/1 منه على أنه ” لكل فرد الحق في التمتع بمستوى معيشي كافٍ، للمحافظة على الصحة والرفاهية له، ولأسرته ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية، وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة” (د. عبد الكريم علوان خضير ، الوسيط في القانون الدولي ، حقوق الإنسان ، الكتاب الثالث، ص 71) .
بيد أن مفهوم الصحة قد تم تطويره بالفعل ، وذلك في المؤتمر الدولي للرعاية الصحية الأساسية ، والذي عقد في المآتا (Alma- Ata) بكازاخستان عام 1978م. فقد أشار الإعلان الصادر عن هذا المؤتمر في مادته الأولى بأن الصحة لم تعد تعرف بأنها مجرد فقدان المرض ، بل إن الصحة الجيدة يجب أن تمكن الأفراد من تنمية أعلى حد ممكن من إمكاناتهم البدنية والعقلية ، بحيث تتوافر لديهم القدرة على أن يكونوا منتجين اقتصادياً ، واجتماعياً ، وفي اتساق تام مع بنيتهم (انظر الوثيقة :
UN.Doc.GA/Res/34/58.November 1979. ) .
الا أن عمليات الخطف والتهجير قسري والنزوح المستمر للعراقيين إلى مناطق يعتبرونها آمنة نسبيا داخل وخارج العراق قد أدت إلى حرمان العديد من الأطفال لفرص التعليم والرعاية الصحية اللذان يتناسبان مع المراحل العمرية التي يمرون بها وهذا سيكون له انعكاسات خطرة على مستوياتهم الفكرية وذهنياتهم حتى في حالة عودتهم إلى مقاعد الدراسة .ومما لا يخفى على احد الآثار النفسية السلبية التي ستتراكم نتيجة المعاناة والمشاهد المّروعة التي تعيشها المرأة والطفل في العراق وهو ما سيكون له آثار خطيرة على البنية والنسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي في المستقبل . كما أن تسرب الطلبة من صفوفهم الدراسية نتيجة الظروف الأمنية التي تمر بها عوائلهم ستؤدي إلى إيجاد شرائح اجتماعية واسعة قابلة للانحراف قليلة الإنتاجية وهو ما سيترتب عليه أضرار اجتماعية بالغة السوء أيضا.
إن الأعباء التي باتت تتحملها المرأة العراقية المتمثلة بإرهاصات الظرف الأمني المتردي وخوفها على أسرتها وأطفالها خصوصا وترمل العديد من النساء نتيجة أعمال العنف اليومية في العراق دفعها للنهوض بأعباء الأسرة والقيام بأعمال مرهقة تفوق قدرتها الفسيولوجية وقابليتها على التحمل والصمود بوجه التحديات العنيفة التي تواجه العائلة والمجتمع العراقيين اللذان يتعرضان إلى حالة غير مسبوقة من التمزق والتشظي وابسط الأمثلة عليها زيادة حالات الترمل واليتم والتشرد والضياع التي أصابت شريحتي المرأة والطفل في العراق.واستنادا لما سبق فان وقفة جادة من لدن الجهات المسئولة ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع الدولي ومنظماته المعنية بشان المرأة والطفل لبذل المزيد من الجهود لجهة تلافي الوضع الكارثي الذي باتت المرأة والطفل في العراق يتعرضان له خصوصا” في مجال الرعاية الصحية التي حرم منها العديد من اطفال العراق ، لأسباب و تبريرات لم تعد مقنعة مع وجود موازنات مالية ضخمة دون نتائج ملموسة على صعيد الواقع.
وطبقاً للنصوص أعلاه نجد أن ضمان حصول الطفل على أعلى رعاية صحية متاحة، يتطلب أن يتم التغلب على كل الصعوبات التي تعترض الأطفال ، سواء منها المتعلقة بعدم حصول الأطفال على الخدمات الصحية بصورة متساوية ، أم المتعلقة منها بعدم توفير الرعاية الصحية المجانية للأطفال، أم الاختلاف في تقديم الخدمات الصحية للأطفال بشكلٍ كافٍ في المجتمعات الحضرية، دون الأطفال في المجتمعات الريفية. وإذا كانت حاجة الطفل إلى الرعاية الصحية تعد أمراً ملحاً في حالات الكوارث الطبيعية، فليس هناك كارثة إنسانية بعد الحصار الظالم الذي ضُرب على العراق، منذ 1990ولغاية 2003 من الولايات المتحدة ثم أتبعته بالعدوان المدمر في 2003 بأحدث الأسلحة المحرمة دولياً، جوياً وبرياً وبحرياً ، دون مراعاة لأي اعتبارات قانونية أو أخلاقية أو دينية أو إنسانية (كريستن بارستاد، حماية الأطفال في النزاعات المسلحة
www.icrc.org http://)
ولا ننسى ما قالته مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السبقة عن موت اكثر من مليون طفل عراقي نتيجة الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق عندما قالت بان الامر يستحق ذلك ؟! لذلك فإنه إذا كان هناك حاجة إلى حصول الطفل على الرعاية الصحية في الظروف العادية، فإن هذه الحاجة تكون ضرورية وملحة في حالات الكوارث وليس هناك كارثة اكبر من كارثة الاحتلال الامريكي للعراق، وذلك وفقاً لنص البند الثامن من إعلان حقوق الطفل لسنة 1959م، الذي نص على أنه “يجب أن يكون الطفل في جميع الظروف، بين أوائل المتمتعين بالحماية والإغاثة”. وهذا يعني حق الطفل في الحصول على أعلى رعاية صحية متاحة في جميع الظروف. وحشد كل الطاقات لأجل الإعمــــــال الكامل لهذا الحق .























