كيف تعامل النبي (ص) مع أمته ؟  –  اسيل عبد الجبار الربيعي

كيف تعامل النبي (ص) مع أمته ؟  –  اسيل عبد الجبار الربيعي

(وَإِنَّكَ  لَعَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [ القلم : 4)

عندما يمدح انسان انساناً فقد يُحتمل في هذا المدح المجاملة وغلبة العاطفة ، لاسيما عندما يكون المادح ليس معصوماً .

أمّا أنْ يصف الله سبحانه إنساناً بأنّه على خلق عظيم ، بعبارة اشتملت على أقوى المؤكِدات ،

ف ( إنَّ ) تفيد التوكيد ، ولام الإبتداء المزحلقة في ( لعلى ) تفيد التوكيد .

فأي مستوى من الخلق كان عليه رسول الله ؟؟

عامل الاخلاق

أخلاقٌ تحملت جلف الأعراب ..

وتجسيدٌ كامل لخُلق القرآن ..

كان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يدعو الناس لشئ إلّا ويبدأ بنفسه .

عندما كان يدعو الناس لعبادة اللّه فقد كان أعبد الناس جميعاً .

واذا نهاهم عن شئ فهو الممتنع عنه قبل الجميع . رُمي بالحجارة ألقيت عليه الأوساخ واتهم بالجنون والسحر والكذب وكان يقابل كل ذلك بالنصح والصفح ، والـــــدعاء لهم بالهداية الرشد ..

روى ابن ماجة في سننه قال :

” أتى النبي ( صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ) رجل فكلمه ، فجعل ترعد [ من هيبة الرسول ] فرائضه ،  [ الفريضة : لحمة بين الكتف والصدر ترتعد عند الفزع ] فقال له : ( هون عليك. فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد ) “.

[ القديد هو اللحم المجفف ، كناية عن البساطة ] .

ويصفه وصيه أمير المؤمنين بأنه :

( طبيب دوار بِطِبِّهِ ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ ، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ ، مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ ) .

[ نهج البلاغة ، الخطبة : 108)

(طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ ) :

فهو كالطبيب لمرضاه ، لكنه لا ينتظر من المرضى أنْ يأتوه ، بل هو يذهب اليهم .. مع أنَّ حال مرضاه أصعب من حال سائر المرضى .. مرضاه مرضى ً في قلوبهم وعقولهم ،

مرضاه جهلة ويجهلون أنهم جهلة ومرضى ، فلا يقصدون طبيباً ، لذلك لا علاج لهم إلّا عند طبيب يقصدهم ، ليُشَخّص لهم المرض والعلاج .

(  قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ )

المراهم : جمع مَرْهَم ، وهي زيوت ودهون توضع على الرأس والجلد للعلاج .

 والمواسم : جمع ميسم بالكسر ، يجمع على مواسم ومياسم ، وهي آلة حديدية توضع في النار لتوسم بها الإبل والمواشي ؛ لكي تُعْرف .

( قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ ) :

فهو ( صلى الله عليه وآله ) كان يستعمل المراهم في موضعها وموطن حاجتها حيث تنفع .

( وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ ) :

ويستعمل الكي بالحديد حيث لا تنفع المراهم .

طبيب الارواح

وبعبارة : أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو طبيب الأرواح كان تارة يعالج مرضاه بالمراهم حيث يرى كفاية ذلك ، وأخرى يعالجهم بالكي بالمواســـم  ، حيث لا تنفع معهم المراهم .

وهناك معنى آخر ، وهو :

 أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وصفه للرسول الأكرم يشير بعبارته الى أنَّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان قد استعمل اسلوبين في تربية الأمّة :

1- قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ ) : أي استعمل اللين والترغيب حيث ينفعان .

2- وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ ) : أي استعمل الحزم والشدة والتخويف ، حيث يقتضي الأمر لذلك .

وقد قدّم الإمام إحكام المراهم على إحماء المواسم ،

في إشارة لتقديم الرفق واللين على الشدة والخشونة .

وهنا إشارة لطيفة ، أنّه أحياناً يكون نفس الإحماء ، اي التهديد بالكي والشدة كافياً في العلاج ولو لم يُستعمل ذلك فعلاً .

( يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ ، مُتَتَبِّعٌ

بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ ) :

فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان مع أمته ، يعيش في وسطها ، لذلك كان يعرف جيداً مواطن الضعف فيها ، ونقاط قوتها ، ومتى تغفل ، واين تتــحير ، وبأي شئ تتأثر ، وكيف تُعالج .