كريم‭ ‬العراقي‭ ‬وياس‭ ‬خضر‭ ‬وتكوين‭ ‬الشخصية-محمد ابراهيم

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هنالكَ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬63‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الفنانيين‭ ‬والفنانات‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬غير‭ ‬مصرية،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬أو‭ ‬نقرأ‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬النيل‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬طريقتنا‭ ‬المتطرفة‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬والتنكيل‭. ‬تشتمل‭ ‬هذه‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬أبرز‭ ‬نجوم‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثيرهم‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬لوحدها،‭ ‬بل‭ ‬تعداها‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬كافة،‭ ‬بل‭ ‬وإلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬بالعربية‭ ‬ويستمتع‭ ‬بفنونها،‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬النجوم‭: ‬نجيب‭ ‬الريحاني،‭ ‬وعبد‭ ‬السلام‭ ‬النابلسي،وزينب‭ ‬صدقي،وحسين‭ ‬رياض،وأنور‭ ‬وجدي،وماري‭ ‬منيب،وليلى‭ ‬مراد،وفريد‭ ‬شوقي،ومديحة‭ ‬يسري،وليلى‭ ‬فوزي،وجميل‭ ‬راتب،ورشدي‭ ‬أباظة،وعادل‭ ‬أدهم،وهند‭ ‬رستم،وشادية،وعمر‭ ‬الشريف،ومريم‭ ‬فخر‭ ‬الدين،‭ ‬وشويكار،وسهير‭ ‬البابلي،ونادية‭ ‬لطفي،وليلى‭ ‬طاهر،ونجوى‭ ‬فؤاد،وحسين‭ ‬ومصطفى‭ ‬فهمي،وميمي‭ ‬جمال،‭ ‬وسعاد‭ ‬حسني‭ ‬ونجاة‭ ‬الصغيرة،ولبلبة،وشمس‭ ‬البارودي،وميرفت‭ ‬أمين،وصفية‭ ‬العمري،ونيللي،وعمرو‭ ‬دياب،وهالة‭ ‬صدقي،وليلى‭ ‬علوي،وغيرهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية‭ ‬أبرزهم‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش،ووردة،وما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استعراضهم‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭.. ‬

لكن‭ ‬وماذا‭ ‬بعد؟‭ ‬

وما‭ ‬الذي‭ ‬أريد‭ ‬قوله‭ ‬هنا؟‭ ‬

في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لستُ‭ ‬معنياً‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفنانيين‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وذابوا‭ ‬عشقاً‭ ‬بأرضها‭ ‬وسماها،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬منحتهم‭ ‬الجنسية،والانتماء‭ ‬دون‭ ‬منية،أو‭ ‬تذكير‭ ‬بأصولهم‭ ‬بين‭ ‬مدة‭ ‬وأخرى؛‭ ‬إذ‭ ‬شمس‭ ‬مصر‭ ‬مصرتهم‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬ذلك‭ ‬إبراهيم‭ ‬ابن‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬قبلهم‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬ونصف‭.. ‬

لكننا‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مشغولين‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬نبش‭ ‬تاريخ‭ ‬وأصول،وانتماء،وطائفة،ودين‭ ‬آخر‭ ‬الراحلين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العراق‭: ‬الشاعر‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬تفضل‭ ‬علينا‭ ‬البعض‭ ‬لتنبيهنا‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الأصل‭( ‬كريم‭ ‬عودة‭) ‬وأن‭ ‬لقب‭ ‬العراقي‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬لصقه‭ ‬به‭ ‬لاحقاً‭ ‬بسبب‭ ‬ما،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬يعيشون‭ ‬اليوم‭ ‬فوق‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭- ‬أنا‭ ‬من‭ ‬بينهم‭- ‬يميزون‭ ‬

  ‬الخاصة‭ ‬بهم‭ ‬بالعراقي‭ ‬حسب‭ ‬جواز‭ ‬سفرهم،أو‭ ‬البطاقة‭ ‬الوطنية‭ ‬لهم‭. ‬

أما‭ ‬المطرب‭ ‬ياس‭ ‬خضر‭ ‬فقد‭ ‬ذهبَ‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬التنابز‭ ‬بالألقاب‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬فقالوا‭( ‬يابه‭ ‬تره‭ ‬هو‭ ‬قزويني‭)‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬رمزية‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬غير‭ ‬عراقية،‭ ‬وكأن‭ ‬العراقي‭ ‬إنسان‭ ‬خاص‭ ‬خلقه‭ ‬الله‭ ‬خصيصاً‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬ناسين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬عارفين‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬أن‭ ‬جغرافية‭ ‬وطوبوغرافية‭ ‬العراق‭ ‬كانت‭ ‬تجذب‭ ‬إليها‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تجدب‭ ‬بهم‭ ‬الأرض،‭ ‬ميَّممين‭ ‬وجوههم‭ ‬شطر‭ ‬هذا‭ ‬الوادي‭ ‬الدافئ‭ ‬الخصيب‭ ‬ذو‭ ‬المياه‭ ‬العذبة،‭ ‬والخيرات‭ ‬الوفيرة،‭ ‬قادمين‭ ‬إليه‭ ‬شرقا‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬سلسلة‭ ‬تلال‭ ‬حمرين،‭ ‬أو‭ ‬شمالاً‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬سلسلة‭ ‬جبال‭ ‬زاكروس،‭ ‬أو‭ ‬غرباً‭ ‬من‭ ‬بادية‭ ‬الشام،‭ ‬أو‭ ‬جنوباً‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬أطلقوا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬أرض‭ ‬السواد‭ ‬حيث‭ ‬الأسودين‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬التمر‭ ‬والماء،‭ ‬وحيث‭ ‬يتراءى‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬أسوداً‭ ‬بفعل‭ ‬تشابك‭ ‬غابات‭ ‬النخيل‭ ‬والحمضيات‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬سامراء‭ ‬والبصرة،‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬لدى‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تاريخ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭. ‬

لستُ‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬جلد‭ ‬الذات،‭ ‬أو‭ ‬الإساءة‭ ‬للشخصية‭ ‬العراقية‭ ‬معاذ‭ ‬الله،‭ ‬وأنما‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬تفسيرات‭ ‬علمية‭ ‬لظواهر‭ ‬التطرف‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬والبغض،‭ ‬وفي‭ ‬السخاء‭ ‬والشح،وفي‭ ‬الخوف‭ ‬والطمأنينة،‭ ‬وفي‭ ‬المنح‭ ‬والمنع،وربما‭ ‬هو‭ ‬تطرف‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المناخ‭ ‬لدينا‭.. ‬

لقد‭ ‬تناول‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬العراقيين‭ ‬موضوعة‭ ‬الشخصية‭ ‬العراقية؛‭ ‬الوردي‭ ‬والطاهر‭ ‬ومتعب‭ ‬السامرائي،‭ ‬وسوف‭ ‬أتناول‭ ‬هنا‭ ‬فرضية‭ ‬الثالث‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أنها‭ ‬ظهرت‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬فكر‭ ‬بشكل‭ ‬مغاير‭ ‬عن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬فكر‭ ‬بها‭ ‬السابقين‭ ‬له‭. ‬

يذهب‭ ‬السامرائي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشخصية‭ ‬العراقية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ثنائية‭ (‬الاستنفار‭- ‬الاستفزاز‭)‬؛‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬حسب‭ ‬رأيه‭ ‬مُستنفرة‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬وعلى‭ ‬أهبة‭ ‬الاستعداد‭ ‬لملاقاة‭ (‬الغريب‭- ‬الغريم‭) ‬غير‭ ‬المرئي‭ ‬وغير‭ ‬المعروف‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬بها‭  ‬السوء،‭ ‬ثم‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاستنفار‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬السهولة‭ ‬بمكان‭ ‬استفزازهم‭ ‬وجرهم‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬منازلة‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يختارها‭ ‬وليسوا‭ ‬هم‭.. ‬

المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬حسب‭ ‬رأي‭ ‬صاحب‭ ‬الفرضية،‭ ‬بل‭ ‬أنها‭ ‬تتعقد‭ ‬وتصبح‭ ‬أزمة‭ ‬مجتمعية‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭( ‬الغريب‭ ‬الغريم‭) ‬من‭ ‬العدو‭ ‬الخارجي‭ ‬إلى‭ ‬العدو‭ ‬الداخلي‭( ‬عرقياً‭- ‬إثنياً‭- ‬دينياً‭- ‬طائفياً‭- ‬مناطقياً‭- ‬حزبياً‭- ‬قبلياً،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬عائلياً‭)‬،‭ ‬ليصبح‭ ‬الاستنفار‭ ‬داخلياً،‭ ‬حيث‭ ‬هذا‭ ‬المختلف‭ ‬عني‭ ‬بأمر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بالضرورة‭ ‬عدو‭ ‬لي‭ ‬حتى‭ ‬يثبت‭ ‬العكس‭. ‬

لكنني‭ ‬أعتقد‭ ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرضيات‭ ‬الازدواجية‭ ‬لدى‭ ‬الوردي،والقوقعة‭ ‬والقلق‭ ‬لدى‭ ‬عبد‭ ‬الجليل‭ ‬الطاهر،‭ ‬والاستنفار‭- ‬الاستفزاز‭ ‬لدى‭ ‬متعب‭ ‬مناف،‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إغفاله،أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬عدم‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬بشكل‭ ‬صريح؛‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭( ‬الثقافة‭ ‬التقليدية‭) ‬التي‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬تُلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬الداعين‭ ‬للحداثة‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬بيننا،‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬طوال‭ ‬المائة‭ ‬عام‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬الفشل‭ ‬ببناء‭ ‬دولة‭ ‬مواطنة،‭ ‬وفي‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬مغادرة‭ ‬الماضي،‭ ‬وعلى‭ ‬المصالحة‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬مع‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬وهكذا‭ ‬ذهبت‭ ‬تلك‭ ‬المائة‭ ‬أدراج‭ ‬الرياح،‭ ‬تسربت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬مثلما‭ ‬تقول‭ ‬الأغنية‭ ‬العراقية‭( ‬مثل‭ ‬اليلم‭ ‬الماي‭ ‬يرد‭ ‬كفه‭ ‬خالي‭).. ‬

وأخيراً،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬آخر‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬على‭ ‬خاطري‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬خاتمة‭ ‬للمقال‭ ‬هي‭ ‬كلمات‭ ‬إحدى‭ ‬أغاني‭ ‬ياس‭ ‬خضر‭( ‬عمري‭ ‬بردية‭ ‬شتا‭ ‬وبكاع‭ ‬هيمة،‭ ‬عمري‭ ‬سباحة‭ ‬جرف‭ ‬عاشت‭ ‬يتيمة‭) ‬وهي‭ ‬كلمات‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الاغتراب،والعدمية‭ ‬والتشاؤم،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬متفائل‭ ‬جداً‭ ‬بيوم‭ ‬قريب‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬بحب‭ ‬وسلام‭. ‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هنالكَ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬63‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الفنانيين‭ ‬والفنانات‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬غير‭ ‬مصرية،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬أو‭ ‬نقرأ‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬النيل‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬طريقتنا‭ ‬المتطرفة‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬والتنكيل‭. ‬تشتمل‭ ‬هذه‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬أبرز‭ ‬نجوم‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثيرهم‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬لوحدها،‭ ‬بل‭ ‬تعداها‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬كافة،‭ ‬بل‭ ‬وإلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬بالعربية‭ ‬ويستمتع‭ ‬بفنونها،‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬النجوم‭: ‬نجيب‭ ‬الريحاني،‭ ‬وعبد‭ ‬السلام‭ ‬النابلسي،وزينب‭ ‬صدقي،وحسين‭ ‬رياض،وأنور‭ ‬وجدي،وماري‭ ‬منيب،وليلى‭ ‬مراد،وفريد‭ ‬شوقي،ومديحة‭ ‬يسري،وليلى‭ ‬فوزي،وجميل‭ ‬راتب،ورشدي‭ ‬أباظة،وعادل‭ ‬أدهم،وهند‭ ‬رستم،وشادية،وعمر‭ ‬الشريف،ومريم‭ ‬فخر‭ ‬الدين،‭ ‬وشويكار،وسهير‭ ‬البابلي،ونادية‭ ‬لطفي،وليلى‭ ‬طاهر،ونجوى‭ ‬فؤاد،وحسين‭ ‬ومصطفى‭ ‬فهمي،وميمي‭ ‬جمال،‭ ‬وسعاد‭ ‬حسني‭ ‬ونجاة‭ ‬الصغيرة،ولبلبة،وشمس‭ ‬البارودي،وميرفت‭ ‬أمين،وصفية‭ ‬العمري،ونيللي،وعمرو‭ ‬دياب،وهالة‭ ‬صدقي،وليلى‭ ‬علوي،وغيرهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية‭ ‬أبرزهم‭ ‬فريد‭ ‬الأطرش،ووردة،وما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استعراضهم‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭.. ‬

لكن‭ ‬وماذا‭ ‬بعد؟‭ ‬

وما‭ ‬الذي‭ ‬أريد‭ ‬قوله‭ ‬هنا؟‭ ‬

في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لستُ‭ ‬معنياً‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفنانيين‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وذابو‭ ‬عشقاً‭ ‬بأرضها‭ ‬وسماها،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬منحتهم‭ ‬الجنسية،والانتماء‭ ‬دون‭ ‬منية،أو‭ ‬تذكير‭ ‬بأصولهم‭ ‬بين‭ ‬مدة‭ ‬وأخرى؛‭ ‬إذ‭ ‬شمس‭ ‬مصر‭ ‬مصرتهم‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬ذلك‭ ‬إبراهيم‭ ‬ابن‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬قبلهم‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬ونصف‭.. ‬

لكننا‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مشغولين‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬نبش‭ ‬تاريخ‭ ‬وأصول،وانتماء،وطائفة،ودين‭ ‬آخر‭ ‬الراحلين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العراق‭: ‬الشاعر‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬تفضل‭ ‬علينا‭ ‬البعض‭ ‬لتنبيهنا‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الأصل‭( ‬كريم‭ ‬عودة‭) ‬وأن‭ ‬لقب‭ ‬العراقي‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬لصقه‭ ‬به‭ ‬لاحقاً‭ ‬بسبب‭ ‬ما،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬يعيشون‭ ‬اليوم‭ ‬فوق‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭- ‬أنا‭ ‬من‭ ‬بينهم‭- ‬يميزون‭ ‬

‭ ‬الخاصة‭ ‬بهم‭ ‬بالعراقي‭ ‬حسب‭ ‬جواز‭ ‬سفرهم،أو‭ ‬البطاقة‭ ‬الوطنية‭ ‬لهم‭. ‬

أما‭ ‬المطرب‭ ‬ياس‭ ‬خضر‭ ‬فقد‭ ‬ذهبَ‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬التنابز‭ ‬بالألقاب‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬فقالوا‭( ‬يابه‭ ‬تره‭ ‬هو‭ ‬قزويني‭)‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬رمزية‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬غير‭ ‬عراقية،‭ ‬وكأن‭ ‬العراقي‭ ‬إنسان‭ ‬خاص‭ ‬خلقه‭ ‬الله‭ ‬خصيصاً‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬ناسين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬عارفين‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬أن‭ ‬جغرافية‭ ‬وطوبوغرافية‭ ‬العراق‭ ‬كانت‭ ‬تجذب‭ ‬إليها‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تجدب‭ ‬بهم‭ ‬الأرض،‭ ‬ميَّممين‭ ‬وجوههم‭ ‬شطر‭ ‬هذا‭ ‬الوادي‭ ‬الدافئ‭ ‬الخصيب‭ ‬ذو‭ ‬المياه‭ ‬العذبة،‭ ‬والخيرات‭ ‬الوفيرة،‭ ‬قادمين‭ ‬إليه‭ ‬شرقا‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬سلسلة‭ ‬تلال‭ ‬حمرين،‭ ‬أو‭ ‬شمالاً‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬سلسلة‭ ‬جبال‭ ‬زاكروس،‭ ‬أو‭ ‬غرباً‭ ‬من‭ ‬بادية‭ ‬الشام،‭ ‬أو‭ ‬جنوباً‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬أطلقوا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬أرض‭ ‬السواد‭ ‬حيث‭ ‬الأسودين‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬التمر‭ ‬والماء،‭ ‬وحيث‭ ‬يتراءى‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬أسوداً‭ ‬بفعل‭ ‬تشابك‭ ‬غابات‭ ‬النخيل‭ ‬والحمضيات‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬سامراء‭ ‬والبصرة،‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬لدى‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تاريخ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭. ‬

لستُ‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬جلد‭ ‬الذات،‭ ‬أو‭ ‬الإساءة‭ ‬للشخصية‭ ‬العراقية‭ ‬معاذ‭ ‬الله،‭ ‬وأنما‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬تفسيرات‭ ‬علمية‭ ‬لظواهر‭ ‬التطرف‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬والبغض،‭ ‬وفي‭ ‬السخاء‭ ‬والشح،وفي‭ ‬الخوف‭ ‬والطمأنينة،‭ ‬وفي‭ ‬المنح‭ ‬والمنع،وربما‭ ‬هو‭ ‬تطرف‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المناخ‭ ‬لدينا‭.. ‬

لقد‭ ‬تناول‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬العراقيين‭ ‬موضوعة‭ ‬الشخصية‭ ‬العراقية؛‭ ‬الوردي‭ ‬والطاهر‭ ‬ومتعب‭ ‬السامرائي،‭ ‬وسوف‭ ‬أتناول‭ ‬هنا‭ ‬فرضية‭ ‬الثالث‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أنها‭ ‬ظهرت‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬فكر‭ ‬بشكل‭ ‬مغاير‭ ‬عن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬فكر‭ ‬بها‭ ‬السابقين‭ ‬له‭. ‬

يذهب‭ ‬السامرائي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشخصية‭ ‬العراقية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ثنائية‭ (‬الاستنفار‭- ‬الاستفزاز‭)‬؛‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬حسب‭ ‬رأيه‭ ‬مُستنفرة‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬وعلى‭ ‬أهبة‭ ‬الاستعداد‭ ‬لملاقاة‭ (‬الغريب‭- ‬الغريم‭) ‬غير‭ ‬المرئي‭ ‬وغير‭ ‬المعروف‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬بها‭  ‬السوء،‭ ‬ثم‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاستنفار‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬السهولة‭ ‬بمكان‭ ‬استفزازهم‭ ‬وجرهم‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬منازلة‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يختارها‭ ‬وليسوا‭ ‬هم‭.. ‬

المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬حسب‭ ‬رأي‭ ‬صاحب‭ ‬الفرضية،‭ ‬بل‭ ‬أنها‭ ‬تتعقد‭ ‬وتصبح‭ ‬أزمة‭ ‬مجتمعية‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭( ‬الغريب‭ ‬الغريم‭) ‬من‭ ‬العدو‭ ‬الخارجي‭ ‬إلى‭ ‬العدو‭ ‬الداخلي‭( ‬عرقياً‭- ‬إثنياً‭- ‬دينياً‭- ‬طائفياً‭- ‬مناطقياً‭- ‬حزبياً‭- ‬قبلياً،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬عائلياً‭)‬،‭ ‬ليصبح‭ ‬الاستنفار‭ ‬داخلياً،‭ ‬حيث‭ ‬هذا‭ ‬المختلف‭ ‬عني‭ ‬بأمر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بالضرورة‭ ‬عدو‭ ‬لي‭ ‬حتى‭ ‬يثبت‭ ‬العكس‭. ‬

لكنني‭ ‬أعتقد‭ ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرضيات‭ ‬الازدواجية‭ ‬لدى‭ ‬الوردي،والقوقعة‭ ‬والقلق‭ ‬لدى‭ ‬عبد‭ ‬الجليل‭ ‬الطاهر،‭ ‬والاستنفار‭- ‬الاستفزاز‭ ‬لدى‭ ‬متعب‭ ‬مناف،‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إغفاله،أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬عدم‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬بشكل‭ ‬صريح؛‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭( ‬الثقافة‭ ‬التقليدية‭) ‬التي‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬تُلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬الداعين‭ ‬للحداثة‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬بيننا،‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬طوال‭ ‬المائة‭ ‬عام‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬الفشل‭ ‬ببناء‭ ‬دولة‭ ‬مواطنة،‭ ‬وفي‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬مغادرة‭ ‬الماضي،‭ ‬وعلى‭ ‬المصالحة‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬مع‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬وهكذا‭ ‬ذهبت‭ ‬تلك‭ ‬المائة‭ ‬أدراج‭ ‬الرياح،‭ ‬تسربت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬مثلما‭ ‬تقول‭ ‬الأغنية‭ ‬العراقية‭( ‬مثل‭ ‬اليلم‭ ‬الماي‭ ‬يرد‭ ‬كفه‭ ‬خالي‭).. ‬

وأخيراً،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬آخر‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬على‭ ‬خاطري‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬خاتمة‭ ‬للمقال‭ ‬هي‭ ‬كلمات‭ ‬إحدى‭ ‬أغاني‭ ‬ياس‭ ‬خضر‭( ‬عمري‭ ‬بردية‭ ‬شتا‭ ‬وبكاع‭ ‬هيمة،‭ ‬عمري‭ ‬سباحة‭ ‬جرف‭ ‬عاشت‭ ‬يتيمة‭) ‬وهي‭ ‬كلمات‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الاغتراب،والعدمية‭ ‬والتشاؤم،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬متفائل‭ ‬جداً‭ ‬بيوم‭ ‬قريب‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬بحب‭ ‬وسلام‭. ‬