من ذاكرة الحبرالطباعي  العراقي – عادل سعد

من ذاكرة الحبرالطباعي  العراقي – عادل سعد

 مازال في ذهني تفاصيل  اليوم الاول لدخولي مطبعة عندما توليت مسؤولية مدير تحرير مجلة (صوت الطلبة), وكان العراقي النبيل محمد دبدب رئيس تحريرها  والمصمم الذكي ضياء الراوي التشكيلي البارع مسؤولاً عن أخراجها ثم توالى تواجدي في الميدان الطباعي خلال مسؤوليتي سكرتيراً فنياً لمجلة (الف باء) ، اضافة الى مسؤولياتي الاخرى في المجلة .

في هذه المرحلة تعلمت المزيد من الخبرة المتعلقة باجواء المطابع وانجازاتها  ،وكيف ينبغي ان تكون هناك قيم واساسيات عمل بين العقل الصحفي وحبر المطابع ، وأي منطق عائلي متماسك ينبغي ان يسود بين الطرفين .

لقد أسعفني الحظ  انني اكتسبت خبرةً وازنة خلال تواجدي في دار الحرية للطباعة التي كان  الاستاذ عبد الحسين فرحان مديراً عاماً  لها كان الرجل يجمع بين الادارة الميدانية الناجحة والفهم المتميز للعملية الطباعية وحضور الخبرة ، ومن الانصاف القول  ان مفهومه للأدارة أنسيابي بأمتياز مع توقع الازمة في آنٍ واحدٍ ، وتطويع  المتناقضات بمنهجح  يقوم على استنفار التقدير لأحترام الزمن والحرص على الالتزامات الطباعية لمهمات متعددة اضطلعت بها الدار .

 لم يكن هناك فائض  من الوقت  لصدور المجلة صباح كل يوم أربعاء ، ومع ذلك لم تتأخر قط عن موعدها .

 كان ( أبومعتز) يعمل على اساس فرضية الاحتمالات بكل ماتتطلب من اجراء احتياطي يتم الاستعانة به حين يحصل خلل  ما ، بل اجزم انه كان يعمل برؤية الادارة الابوية ،ذلك النسق الاداري الذي يعود الفضل في ترسيمه الى اليابانيين  حصريا . لقد اضطلع به عن دراية ذاتية تتوخى تكوين مضافات بنيوية تحرص على مفهوم حسن التدبير ، احد المعارف العلمية للادارة الحديثة .

هامش الجودة

يبدأ دوامه الساعة الثامنة صباحا بجولة تفقدية تشمل  مطابع الدار وهي في أماكن متباعدة ،يعطي الاهتمام الأكبر للمطبوعات المحكومة بزمن قصير مع توظيف دقيق لهامش الجودة إلى حد كان يشاطر مدراء المطابع في الاطلاع الميداني المبرمج لنوعية الطبع ومدى التوظيف الناجح للالوان  ،وعندما يعود الى مقره المكتبي يظل باب ادارته مفتوحا لأية  اشكالية تقع  .

 كان يتحمل الأخطاء التي نرتكبها في اعداد ماكيت( الف باء) في ظروف امنية وسياسية يسودها الحذر الشديد  ، وللتاريخ اذكر حادثة ان احدى الشركات دفعت  اعلاناً جاهزاً كان بحتوي على خطأ  سيثير السخرية حتماً   ولم اتمكن من الاطلاع عليه مسبقا  وبعد فحص الملزمة لأعطي قراري الاستمرار بالطبع أكتشفت الخطأ بعد ان تم طبع نصف الكمية  المطلوبة  فاوقفت الطبع  وسارعت الى تعديل الاعلان ومن ثم تصويره اربعة الوان (سكنر)  واخبرت بما جرى  وكان السؤال( من يتحمل كمية  الورق المطبوع والافلام  التي ينبغي اتلافها )فعالج أبو معتز الامر بحنكة ادارية من محتوى (حصل سهوا) وصدرت الف باء في موعدها الاسبوعي دون ان يجرنا الخطأ الى تبادل الاتهامات في المجلة ، وما يترتب على ذلك من مساءلة

 للرجل العديد من المواقف المسؤولة في الحرص على المفهوم الاداري المتحرك الذي يرفض القناعة  الجاهزة ، لم يحتكر معرفته الادارية بل كان يغدق بها على كل مدراء المطابع وأمتدت نصائحه وارشاداته الى جميع العاملين فيها  ،ومن اولوياته معالجة الإخفاقات الطارئة قبل تعقدها كما كان يعتمد المداورة في الخبرات التقنية لأكساب الجميع هذه المسؤولية

لاشك ان دار الحرية للطباعة كانت معلماً للنشر يستحق الاشادة  عندما كان الاستاذ عبد الحسين فرحان يتولى مسؤوليتها

كان المستوى يضاهي الخبرات الطباعية في الاردن ولبنان وسوريا إن لم يكن يتفوق عليها، وهو ما نفتقده الان في اغلب المطابع الحكومية العراقية التي تسلل لها الفساد ونقص الخبرة .