صورة متخيّلة عن السيدة زينب ليلة 11 محرم: – ناجحة كاظم

صورة متخيّلة عن السيدة زينب ليلة 11 محرم: – ناجحة كاظم

أول وزير إعلام في تاريخ الإسلام ينقل صوت الثورة الحسينية

عمان

لا يمكن لأي وصف ان يضاهي ماكتبه الشاعر النجفي مهدي المرشد في تصوير وضع السيدة زينب في صحراء كربلاء ليلة الحادي عشر من محرم الحرام التي حملت عنوان: ليل وخوف وأخطار. يصور المرشد وعلى لسان عقيلة الهاشميين الموقف، وهي تنتخي بأبيها الامام علي، الذي يصفه المشركون بانه قتّال العرب  بالقول:

ليل وخوف واخطار يابوية خيل ونار

الخيل تسحّ? بالخدّر وبنار خيامك تسعر

ليل وخوف واخطار وينك ياحامي الجار

ولهذا لاتُذكر واقعة الطف إلا واقترن ذلك بذكر السيدة زينب عقيلة الهاشميين، فهي وقائد الثورة الامام الحسين، صنوان وشريكان في قصة انتصار الدم على السيف، فاذا كان الامام الحسين يوم الطفوف النجم اللامع، فقد تجلى في السيدة العظيمة زهو الحكمة ويراع الثورة، وجبل الصبر، وبسالة لا تُضاهى ضد الظلم والظلمة.

وزير إعلام

ولولا السيدة زينب التي كانت بمنزلة وزير اعلام الثورة لما وصل إلينا صوت الثورة الحسينية، اذ استطاعت ببلاغتها وفصاحتها وحكمتها فضح الحكم الأموي الذي حاول ايهام الناس بان ركب السبايا هذا هم من الخوارج.

ويرى الدكتور احمد محمود صبحي في كتابه “نظرية الإمامة” إنّ من ألمع الأسباب في استمرار خلود نهضة الحسين واستمرار فعّالياتها في نشر الإصلاح الاجتماعي هو حمل عقيلة الوحي وبنات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الإمام الحسين، فقد نهضنَ ببَلورة الرأي العام، ونَشَرن مبادئ الإمام الحسين وأسباب نهضته الكبرى، ودمرت السيدة زينب عليها السلام ما أحرزه يزيد من الإنتصارات، وألحقت به الهزيمة والعار.

قد يقول قائل لماذا حمل الامام الحسين معه اهله ونسائه، وهو ذات الاعتراض الذي ابداه اخيه محمد بن الحنفية، فرد عليه السلام بحزم: شاء الله ان يراهن سبايا. فهل كن سبايا حقاً، يقول د. صبحي في ص 343 من كتابه نظرية الامامة: ” ماذا كان يكون الحال لو قُتل الحسين ومَن معه جميعاً من الرجال إلا أن يُسجّل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه، فيَضيع كلّ أثر لقضيّته .. مع دمه المسفوك في الصحراء “.    من هنا يتجسد دور بطولي وأساس في ثورة كربلاء للسيدة زينب، ذلك أنها قادت مسيرة الثورة بعد استشهاد أخيها وكان لها دور إعلامي مهم، اذ أوضحت للعالم حقيقة الثورة، وأبعادها وأهدافها، برغم انها رأت بعينيها يومَ عاشوراءَ كلَّ أحبتها يسيرونَ إلى المعركة ويستشهدون، حيث قُتل أبناؤها وأخوتها وبنو هاشم أمام عينيها. وبعد انتهاء المعركة رأت اجسادهم من دون رؤوس وأجسامهم ممزقة بالسيوف. و?انت النساء الأرامل من حولها، أحرقوا الخيام، واعتدوا على حرمات النساء والأطفال. وقابلت هذه المصائب العظام بشجاعة فائقة.

زينب صاحبة قضية وموقف.. وقضيتها قضية الحسين، قضية الاسلام المحمدي الاصيل وانطلاقها مع الحسين لم يكن عاطفياً، فحالة زينب كانت مختلفة، ليكون وجودها في موكب الحسين وجوداً حركياً رسالياً.  ولكن كل ما نهضت به من اعمال عظيمة قبل الطف شيء وثورتها الاعلامية بعد ذلك شيء اخر. لم تكن الانسانة الكسيرة التي فقدت الاحبة قريباً، كما يصورها بعضهم استدراراً للدموع، وانما كانت الصوت الاعلى في الكوفة والشام… فزينب لم تكن ضعيفة، لم تنهر، ولم تتزلزل.

واذا كان التماسك عند المصائب ميزة وعنصر من عناصر قوة الشخصية، فان السيدة زينب المرأة، تجاوزت مرحلة التماسك والصبر والجلد لتنتقل بعدها الى مرحلة التحدي والمواجهة واعلان الصيحة والصرخة بوجه الطغاة والتي سمع ويسمع التاريخ صداها على مر القرون.

زينب تعلم إنها امرأة، وانها لا تستطيع القتال ولو كان كذلك لهان عليها تحمل المأساة والصبر على الفواجع منتظرة الشهادة والخلاص لتستريح من همها وغمها، ولكن زينب العظيمة تتحمل المأساة، لان دورها الحقيقي هو ما بعد حادثة الطف فهي حتى لا تستطيع ان تتألم وتحزن كما يحزن الناس على مصائبهم لأنها مكلفة لتكون سفيرة الحسين من كربلاء الى الكوفة والشام وعليها ان تتصدى لنشر رسالة الحسين مباشرة.

ومن يتعمق ويغوص في الحوارات التي دارت بين زينب والحسين عليه السلام في كربلاء، يُدرك بوضوح ان الحسين يخاطب زينب لا كأخت وامرأة عليه أن يراعي مشاعرها وعاطفتها فقط، ولكن حواراته معها، حوارات مع زينب الواعية وريثة المشروع الرسالي والحركة الاصلاحية، التي عليها ان تحمل راية الحسين بعد مقتله وتنهض بمهمة اكمال الرسالة الحسينية واستمرارية المشروع لكي لا يموت بكربلاء ويدفن هناك.

مراقبة ميدانية

راقبت السيدة زينب احداث الطف مراقبة ميدانية من دون اغماض عين ولا أدارت بوجهها كما تفعل النساء وهي تشهد مقتل ولدها واهل بيتها واصحاب الحسين وتشهد قتل الحسين ورض جسده بحوافر الخيل وتشهد قطع رأس الحسين واهل بيته واصحابه. انها واقفة قرب ساحة المعركة تقدم كل ما تستطيع تقديمه انذاك وهي تصرخ بوجه تلك الوحوش البشرية لعلهم يرتدعون. تنادى عمر بن سعد مرة: ويلك أيـُقتل أبوعبد الله وأنت تنظر اليه، وتصرخ بوجه الزمرة الباغية مرة اخرى: ويحكم أما فيكم مسلم، وتصيح مرة أخرى: يا جداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الاعضاء مسلوب العمامة والرداء وبناتك سبايا فالى الله المشتكى.

في كل هذه المواقف كانت تنظر ولكنها صامدة وهي وفية لوعدها للامام الحسين: اني اقسمت عليك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيباً ولا تخمشي علي وجهاً ولا تدعي علي بالويل والثبور ان انا هلكت. ان بر السيدة زينب بقسمها للامام الحسين يُفنّد تلك الخزعبلات جميعها التي يحاول من يطلقون على أنفسهم (خدام المنبر الحسيني)، الترويج بأن السيدة زينب شقت جبيها ولطمت وجهها وضربت مقدم رأسها بمحملها، بل ان بعضهم يتذرع باباحة مراسيم التطبير يوم العاشر من محرم الحرام، استناداً إلى هذه الحادثة الوهمية. في احدى المجالس الحسينية، بمدينة البصرة في محرم 2013  زل لسان الخطيب جعفر الابراهيمي وهو يتحدث عن السيدة زينب، فقال ما مفاده “لا تصدق ان السيدة زينب شقت جيباً أو خمشت وجهها او ضربت رأسها… زينب جبل الصبر لم تفعل شيئاً من هذا”.. لم ينصف السيدة زينب ووقفتها البطولية في ثورة الامام الحسين سوى عميد المنبر الحسيني الدكتور أحمد الوائلي (رحمه الله)، وعلى مستوى القصائد الحسينية (اللطميات) لا توجد سوى قصيدة حسينية فريدة وربما تكون قصيدة يتيمة كتبها شاعر يدعى وسام الشويلي، تُجسد وقفة السيدة زينب في ثورة الحسين حين يقول على لسان الحوراء وهي تخاطب يزيد: “آنه بنت الفتح مكة وانت ابن الطلقاء”.

في كل مشاهد واقعة الطف الأليمة التي ارتجت لها الأرض والسماء، كانت السيدة زينب امرأة ليست ككل النساء، امرأة حملت سمو وعلو الرجال، وصارعت من اجل قيم الرجولة، التي ماتت في رجال عصرها، فكانت ذلك الصوت المدوي الذي ينعى الرجولة، ويرن في آذان الرجال، ما بقيت الأرض وبقى الإنسان، هزأت من الظالم ودكت عروشه.. أرعبت الرجال، حتى تمنى من ظلت فيه بقية من رجولة، أن تنشق الأرض لتبتلعه كي لا يرى حقيقته، أمام شموخ الرجولة وعلوها وسموها في أقوال السيدة العظيمة وأفعالها.

لم تكن الحوراء أول وزير اعلام، بالمفهوم السياسي الحديث، في التاريخ الاسلامي فقط، وانما كانت بحق أشجع من فرسان العرب في عصرها وحتى الآن، فهي المرأة التي لاذ منها الفحول، والقلعة التي أرعبت الانكسار والهزيمة الآنية، وتجاوزت العاطفة، ولولا وقفتها ما كان للدم أن ينتصر على السيف.

قائد سياسي

قد يتساءل بعض الناس ما إذا كان اختيار الامام الحسين لاخته زينب لتكون شريكة ثورته والقائد السياسي لها بعده قد جاء من قبيل المصادفة او انه كان وليد ساعته؟.. والجواب الذي يتبادر الى الذهن فوراً هو: ان الامام الحسين كان يرى فى الحوراء زينب القدرات والكفاءات الكاملة التي تستطيع ان تضطلع بهذا الدور العظيم الذى انيط بها وهذه المسؤولية الثقيلة التي ضعف عن ادائها كبار الرجال.

وحين سقط الحسين صريعاً وأحرق الامويون مخيم النساء، كانت السيدة العظيمة رابطة الجأش، لم تنهر ولم تذرف دمعة واحدة، في ذلك المشهد المروع.. تذكرت وصية اخيها الحسين فاخفت عبرتها وسكنت دمعتها واستعدت لدورها الذى ابتدأ للتو، بعد أن هدأ هدير الحرب وسكنت الانفاس واغمدت السيوف وطرزت ارض كربلاء بجثث الطيبين من آل الرسول، عندها حملت لبوة حيدر، السيدة زينب راية الثورة.

فى تلك اللحظات الرهيبة العصيبة التى تزلزل الشجعان، لم يفت في عضد زينب، ولم تهن عزيمتها قط، إذ استطاعت زينب الكبرى، من احداث اول هزة نفسية فى صفوف الجيش الاموى فكبتت? آلامها وكفكفت دموعها وخرجت? بكل ثبات ورباطة جاش، وهي التي فقدت سبعة وعشرون من اخوتها وابناء اخوتها وابناء عمومتها، تقصد جسد اخيها الحسين وهي تقول: ليت السماء اطبقت على الارض، ثم اخترقت الصفوف فانفرج لها الجيش سماطين، ووقفت? بجانب الجسد وقلبها المحطم بعظم المصيبة لا يقوى على تحمل هذا الموقف الذى تزلزلت له السماوات والارضون و لكنها تسلحت? بقوة الله وعزمه ونادت جدها: يا جداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الاعضاء مسلوب العمامة والرداء وبناتك سبايا فالى الله المشتكى. ثم تقدمت نحو الجسد الطاهر الذي كان جثة بلا رأس، ووضعت يدها تحت كتفه ورفعته قليلا الى السماء ثم قالت: “اللهم تقبل منا هذا القربان” وعادت ادراجها صوب الخيام.

كلمة قصيرة احدثت انقلابا عظيما في صفوف الجيش الأموي، لاسيما قادته الذين كانوا يتوقعون أن يروا على زينب آثار الانكسار، او انها عندما ترى اخاها على هذه الحالة سوف تمزق ثيابها وتلطم وجهها وتنوح شأنها شأن كل امرأة ثكلى، لكنهم صدموا حينما رأوا ثبات موقفها ورباطة جاشها، التي اذهبت نشوة النصر من رؤوسهم، وأشعرتهم بضآلتهم. وبذا ابتدأت زينب الكبرى مرحلة جديدة فى الجهاد، وهو الجهاد بالكلمة، وكانت قولتها تلك بجانب الجسد الطاهر (اللهم تقبل منا هذا القربان) فاتحة لعهد جديد فى الثورة وفاتحة لاقوى سلاح اعلامى سوف يبدد احلام الطغاة ويهز اركان عروشهم، وينهي الى الأبد اسطورة آل ابي سفيان في الحكم والسلطة.