قبل وقوع الفأس بالرأس – باسل الخطيب

قبل وقوع الفأس بالرأس – باسل الخطيب

وجد المهندس المدني ميران نفسه مضطرا للاستقالة من ثاني شركة مقاولات كبرى يعمل فيها من جراء الضغوط الكبيرة التي مورست عليه للقبول بمواد إنشائية وحديد تسليح خارج المواصفات المطلوبة لبناء المجمع السكني الذي يشرف عليه، برغم الراتب المغري الذي يتقاضاه والوعود المعسولة التي قدمت له، وذلك مرعاة لضميره والمبادئ السامية التي تربى عليها وقبلها خشية تحمل ما لا يحمد عقباه مستقبلا.لكن حالة المهندس المدني ميران تشكل استثناء في عالم المقاولات والأعمال المليء بحيتان الفساد ودهاقنة السوق السوداء  وغسيل الأموال، لاسيما مع النمو الأميبي المطرد لتشييد العمارات والمجمعات السكنية والتجارية في عموم العراق بما في ذلك إقليم كردستان، لتلبية متطلبات النمو والحاجة المتزايدة لتأمين السكن أو المكاتب والمحال التجارية، على غرار ما هو معمول به في مختلف أنحاء العالم.ويتطلب بناء العمارات أو المجمعات السكنية، كما ينبغي وهو مفترض، توافر حزمة اشتراطات مهمة، منها ما يتعلق بالجودة والسلامة، وما يتعلق بالاستجابة لواقع الظروف الجوية وملائمة مناخ العراق وراحة المستفيدين من المواطنين.وقدر تعلق الأمر بالسلامة والجودة، فإن الكثير، إن لم يكن غالبية، تلك العمارات أو المجمعات، تقام بنحو لا يلبي المعايير أو المواصفات القياسية العراقية، التي تؤمن سلامة جوانب التصميم والتشييد ومواد البناء وإشغال المباني وتعديلها ضمانا لسلامة البشر ورفاهم.من جانب آخر تتطلب المجمعات والعمارات بعامة، توافر إجراءات سلامة وأمان خاصة لاسيما تلك المتعلقة بمكافحة الحريق ومقاومة الزلازل والمناطق الخضراء، على سبيل المثال لا الحصر، وهو ما لا يتوافر في العديد منها.. ناهيكم عن  أهمية مراعاة التصاميم المعتمدة  لطبيعة الظروف المناخية في البلد وضرورة وجود العوازل الحرارية.

 كما الصوتية، في المباني المشيدة  لضمان راحة السكان وتوفير الطاقة.ولعل المشكلة الأساس التي تواجه الجهات الرقابية المعنية بالسلامة الإنشائية أو الدفاع المدني كما الدوائر البلدية، تكمن في كون غالبية مشاريع المجمعات أو العمارات الجديدة مملوكة من قبل جهات متنفذة، أو أخرى تابعة لها، ترى نفسها فوق القانون!!! ولا يمكن، أو يصعب، اخضاعها للاشتراطات أو المعايير المعتمدة، ما يضطر الموظفين المعنيين الموافقة عليها سواء كانوا مجبرين أم مكرهين، وما خفي أدهى وأمر!!!

إن الحوادث المؤسفة التي وقعت حتى الآن، وهي قليلة بحمد الله ولطفه سبحانه وتعالى، من جانب، ولحداثة معظم تلك المشاريع من جانب آخر، تؤشر خللا كبيرا ومخالفات صارخة سواء في تطبيق التصماميم الأساس التي تمت المصادقة عليها، فضلا عن رداءة مواد البناء وحديد التسليح، وعدم توافر متطلبات السلامة والأمان وأمور أخرى كالمساحات الخضراء وأماكن وقوف السيارات وغيرها، ما ينذر بإمكانية وقوع الأسوأ لاسيما مع تقادم الأبنية، وعلى غرار ما يقع من كوارث في بلدان أخرى ومنها مصر.

إن التشدد في إجراءات السلامة ومراعاة المعايير والمواصفات القياسية المعتمدة من قبل الجهاز المركزي للتقييس  والسيطرة النوعية أو المركز الوطني للمختبرات الإنشائية أو الدفاع المدني أو الجهات البلدية المعنية، بات يشكل ضرورة ملحة لحماية أمن المواطنين وسلامتهم، لاسيما مع التوسع الأميبي المطرد للعمارات والمجمعات السكنية والتجارية في عموم العراق، قبل وقوع الفأس بالرأس حيث لا ينفع الندم ولا التبريرات الساذجة إياها التي تسوقها الجهات المعنية لإخلاء مسؤوليتها في أعقاب الحوادث المؤسفة.. فهل من متعظ؟!