

أ.د. هشام محمد عبدالله
عندما كانت أمي رحمها الله محدّثة عن أبي أنه كان يرعانا حق الرعاية، كنت أفهم واستوعب دلالة وسعة المحتوى الذي يتزاحم ما بين أول حرف وآخر حرف من الكلمة، كان حاضراً صورة وجوهراً، وحتى في غيابه كان حاضراً بالسؤال عن كلّ ما فاته في غيابه، حتى يطمئن على سير الأمور بشكل يرتضيه بوصفه راعياً (حقيقياً) عن هذه الأسرة التي لن تتجاوز أصابع اليد العشرة في كثير ومعظم الأحوال، كانت رعايته مسؤولية أخلاقية يراها واجبة عليه، و لا يرتضي أن تدّعي له أمي أمراً، وتزعم أن له أثراً في كلّ تفاصيل سردية الحياة في البيت الذي نعيش في كنفه، ومع كل ذلك الجهد العظيم المتفرّد الذي مارسه آلاف من الآباء كان أحدهم لا يرتضي أن يكون الوحيد المتفرّد في ساحة الثناء والمديح، وأن الأضواء تتركّز عليه وحده تاركاً للآخرين ظلالاً باهتة يختصمون عليها، لنترك أبي في مثواه وأمي معه في نقلة نحو الواقع وكيف تغيّرت دلالة الرعاية لتتحول إلى تملّق سمجٍ ومباهاة شكلية تغزو صفحات الإعلام الرسمية والاجتماعية.
تتسابق عدد من المرافق التعليمية على ضرورة عمل مؤتمرات (دولية) اسماً لا حقيقة، فالمشاركون لا يعدون أن يكونوا مستشارين أو شخصيات علمية تريد تغيير الجوّ والقيام برحلة تجمع بين المتعة والرجوع بورقة مشاركة، مع جهدٍ مبالغٍ فيه من كمّ الصور واللقطات على صفحات التواصل الاجتماعي، هذا التسابق له بداية ولا نقطة نهاية لها، له مقدمات وإعلانات ولكن لا مخرجات له، اللهم إلا هذا الصخب الإعلامي وحفلات الختام التي تعجّ بالشهادات والدروع التذكارية، حتى لتكاد تسأل: من بقي ولم يأخذ شهادة أو درعاً؟
ما الذي ستخرج به هذه المؤتمرات على مستوى التغيير المنشود المنتظر داخل المؤسسات العلمية الرسمية، أو على مستوى التغيير الذي ينبغي أن تُحدثُه أعلى وأرفع مؤسسة تعليمية في المجتمع؟ ثمة تركيز وصورة فاقعة على (ماقبل) وعلى (مابعد)، أما ما بينهما فلا وجود له ولا اهتمام، وكأنه تفاصيل لا قيمة لها، الحقيقة أنها فعلاً لا قيمة لها، لأن المعنيين بها مغيّبون عنها، والمعنيّ الأهم في معظم هذه الفعاليات هو هذا (الذباب الالكتروني) الذي يحوّل الظاهرة العابرة إلى إنجاز تأريخي، والشخصيات السطحية إلى محور اهتمام، وأيضاً باستطاعتها تحويل الشخصية الرصينة (أو ينبغي أن تكون رصينة) إلى شخصية مهرّج يلوّث الفضاء الأزرق بكثرة ما ينشره من لقطات في هذا (الحدث الأعظم)، ويستمتع بكثرة الإعجابات على ما ينشره وكأنه طفلٌ صغير يريد استثارة الانتباه ويقول لمن حوله: أنا موجود.
(برعاية) كلمة مغازلة لصاحب الرعاية أكثر مما هي توصيف حقيقي للمشروع أو المؤتمر أو الندوة لما ينبغي أن يتم تنفيذه وإنجازه، الرعاية مستخدمة في اللغة العربية وتحمل من الدلالات ما يجعل إطلاقها عشوائياً وبمناسبة ومن دون مناسبة أمراً معيباً، أمراً سيكون معيباً على من يستعملها في غير موضعها متناسباً مناسبها وخطورة ما تحتويه من معانٍ.
تنتهي كثير من المؤتمرات والندوات بالاستمتاع بتقليب الصور واللقطات، ولم نسمع إلا نادراً جداً عن تشكيل لجانٍ لمتابعة المخرجات وتحويلها إلى برامج عمل جادة، وتزمين المهام وتحديد الموكّل بها، فهل نحن أمام مؤسسات جادة تهدف إلى الارتقاء الجاد بمدخلاتها ومخرجاتها، أم نحن أمام احتفال كرنفالي واستعراض تُنمّق له التقارير وتزّين فيه الصور واللقطات، في حين تأخذ (المخرجات) صفحة واحدة، في كثيرٍ من الأحيان لا تعرف طريقاً للتنفيذ ولا مساحة للتطبيق، فهل الخلل في ذلك غياب جهاز المتابعة والتدقيق أم أن هذه المؤتمرات لا مخرجات حقيقة لها، أم أنها مؤتمرات (برعاية) ويكفي.
























