
المكوّن المسيحي ورئاساته تحت رحمة المنظومة السياسية – لويس إقليمس
سابقة خطيرة أن تقع رئاسة الجمهورية في عراق ما بعد الغزو الأمريكي الأهوج، تحت ضغوط من أطراف أو طرف من داخل المنظومة السياسية الحاكمة بمبدأ تقاسم المناصب والسلطة والمال والنفوذ عبر أدواتها المشكوك في إدراكها واستيعابها وفهمها الصحيح للوضع الدستوري والقانوني لتولية أصحاب الشأن في رئاسات الطوائف والكنائس. لم يحصل مثل هذا طيلة قرون سابقات حيث اعتاد رؤساء الطوائف المسيحية جميعًا في البلاد أن ينالوا البراءات السلطانية على توالي الحقب الزمنية السابقة منذ الخلافات العباسية بصيغة إجراءات رسمية. واستمرّ الوضع على ذات المنوال على عهد السلطة العثمانية بإصدار فرمانات التولية الشرعية والقانونية والدستورية بموجب عقد متعارف عليه. كما تواصل ذاتُ النهج في العهود الملكية والجمهورية ولغاية السنوات المنصرمة من حقبة الغزو الأمريكي. أمّا ما حصل من قرارٍ أخير مفاجئ صادر عن رئاسة الجمهورية بسحب المرسوم الجهوري ذي الرقم 147 لسنة 2013 بحق غبطة بطريرك الكلدان في العراق والعالم، نيافة الكاردينال لويس ساكو، فهو يستدعي وقفة وطنية ومسيحية ومكوّناتية جريئة أمام مثل هذا الانزلاق غير المدروس بروية، بل المشكوك في جوهره القضائي من كونه غير مبنيّ على أساس دستوريّ.
إنني أدعو مجلس شورى الدولة والحكماء في القضاء العراقي والمستشارين القانونيين وأصحاب الإرادات الطيبة والعقلاء من المثقفين وأصحاب الغيرة الوطنية لتدارك الولوج في هذه المنزلقات والمضي في هذه المنحدرات الخطيرة التي لا تبشر بخير، بل ستزيد من نقمة ومعاناة أتباع هذا المكوّن الأصيل الذي يدّعي الجميع تمسُّكَه به ويشيد بما لديه من طاقات وقدرات وإيمان في إبقاء انتمائه للوطن ولأرضه وسمائه ومياهه ضمن أجمل ما خلقه الباري من فسيفساء تُجمّلُ أرضَ الرافدين وترصّعُ ثقافة الوطن وتراثه ونمط حياته بأفضل ما حباه الله من صفات الإنسانية وروح الخدمة والعمل الجادّ والوفاء والأمانة والغيرة. وكما يبدو، فإنّ إذعان رئاسة الجمهورية لقرار قضائيّ بعدم دستورية المرسوم الجمهوري للبطريرك ساكو، جاء في هذا الوقت بالذات من دون شكّ بسبب بروز ضغوط خارجية وداخلية، سياسية أو غيرها، ممّا سيكون له تداعيات كبيرة وكثيرة، ليس على صعيد الكنيسة الكلدانية فحسب، بل على صعيد مجمل طوائف وكنائس العراق. أي بمعنى آخر، من الممكن أن تطال قرارات مشابهة غيره من الرئاسات الكنسية الباقية التابعة للمكوّن المسيحي أو غيره من المكوّنات الأخرى التي تخضع لذات المراسيم في التولية. وقد “يسمح مثل هذا القرار بالتلاعب بأوقاف الكنائس من قبل جهات متنفذة وفاسدة لها اطماعها الواضحة أو في إمكانية استكمال ابتلاع عقارات المسيحيين في بغداد ومناطق تواجدهم في المحافظات بغية الاستيلاء عليها بطرق ملتوية غير قانونية”، كما ترى أحزاب مسيحية عديدة.
في اعتقادي، يحتاج الموضوع أن ينال ما يستحقه من أهمية في إبراز شكل التداعيات المحتملة لهذه الحملة الجديدة غير المبرّرة ضدّ المكوّن المسيحي ورئاساته الكنسية بالذات التي نالت شرعيتها من السينهودسات الكنسية (المجامع) رسميًا على الصعيد الوطني والدولي، ولاسيّما ما يمسّ البراءة البابوية في سلطة الفاتيكان التي لها مسؤولية تثبيت قرارات المجامع الكنسية المختلفة التابعة للكنيسة الكاثوليكية حصرًا. أمّا تدخل الدولة وساستُها وأحزاب السلطة، في رفض أو تقاطع أو إلغاء مراسم خاصة تقليدية برئاسات هذا المكوّن لا لشيء إنّما بسبب تقاطعات فكرية ومبدئية ومصلحية خاصة في معظمها، أو لأجل الاختلاف في الرأي والرؤية والأحداث أو بسبب النقد الإيجابي للسلبيات القائمة في مجمل حكم المنظومة السياسية ما بعد الغزو الطائش، فهو سيبقى خارج السياقات لكون الرئاسات الكنسية تنال شرعيتَها من هذه المجامع التي وحدها لها الحق في تثبيت وتقييم عمل أية رئاسة كنسية، ولاسيّما ما يتعلّق منها بالمرجعية البابوية في الفاتيكان فيما يخص الكنائس الكاثوليكية بشأن موضوع الساعة الخطير.
ساكو جبل
لقد أبلغ المعاون البطريركي للكنيسة الكلدانية المطران باسيليوس يلدو في وصفه رأس كنيسته غبطة البطريرك ساكو بكون الأخير “جبلاً لا تهزّهُ الريح”، لأنه ببساطة شديدة، رجلُ المبادئ والنزاهة العامر قلبُه بحب الوطن والراعي الساهر على شؤون رعاياه والحامي لخرافه بعصا الراعي الصالح، لا بقبل بالخطأ ولا يسكتُ عن الفساد مهما كان شكلُه وحجمُه وطبيعتُه ومِن أيّ شخصٍ كان في الدولة أو في الكنيسة أو في الوطن أو في الرعية. فهو “عندما يتبنى قضيةً معينة يدافعُ عنها حتى الرمق الأخير”. وهذا ما أعرفُه عنه أنا ايضًا شخصيًا حيث عشتُ معه ست سنوات زميلاً وأخًا في ذات المعهد الذي نشأنا فيه بالموصل بداية السبعينات من القرن الماضي، ولازمتُ صداقته بعدها بسنوات ولغاية اليوم. ونحن مازلنا على ذات الخط الإصلاحي نتناقش ونتحاور ونتبادل الآراء والحوارات لأجل خدمة الكنيسة في العراق وما يخصّ مصلحة المكوّن المسيحي في عمومه. فهو حقًا صاحب مبادئ ولا تهزّه رياح النقد اللاّذع ولا آراء الأتباع الرافضين لأية مسحات أو أفكار تنويرية وتطويرية وتأوينية تخدم النفس والروح وتقرّب من خالق الكون ومن الإنسان، أيّ إنسان، باعتباره خليقة الله الحسنة التي تستحق الخدمة الطيبة والكلمة الحسنة والمشورة الصالحة. فالكاردينال البطريرك ساكو مرجعُه الديني هو الفاتيكان وليس رئاسة جمهورية العراق. ولا حقَّ لهذه الأخيرة على وضعه الديني على رأس كنيسته وطائفته لكونه الأكبر بين إخوة كثيرين من رئاسات كنائس شقيقة أخرى تخشى على نفسها ذات المصير في يومٍ من الأيام إذا ما تفاقمت مشاكل أو تصاعدت خلافات مع جهات سياسية أو أحزاب على راس السلطة في هذا البلد المتعب والمثقل بأشكال الفساد والمصاعب والأزمات والتناقضات والتقاطعات في المصالح والمكاسب والمغانم لأسباب باتت معروفة للجميع في الداخل والخارج. فمَن يحكم البلد تنسيقًاً وتأييدًا مِن ومع راعي العملية السياسية بصفة محتلّ مشكوكٍ في رعايته واهتماماته وتوجهاته، لا يمكن الوثوق به إزاء مثل هذا الإجراء المنفر الذي وجّه سهامَه الخبيثة مؤخرًا لرمزٍ من رموز الوطن الذي يعترف له الكثيرون في الداخل والخارج بالحكمة والدراية والوطنية والمعرفة والعلم وحسن الاطلاع على خفايا ومزايا وحنايا كثيرة لا يسعنا الولوج في أهميتها بسبب حراجتها وصعوبة غور أعماقها وفهم أبعادها.
شخصيات سياسية
وفي ذات السياق، لا يسعنا إلاّ أن نتشارك مع ما أدلت به شخصيات سياسية ودينية بارزة بدلوها في هذا الصخب غير المبرّر في أساسه، حيث أبرز السياسي المعروف والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري في تدوينة صارخة، “بعدم دستورية مثل هذا الإجراء وخطأَه، وبكونه علامة واضحة بالتجاوز على حق المكوّن المسيحي الأصيل ورمزه، و”إيغالاً بتهميشه من جانب حامي الدستور، مشدّدًا في الوقت ذاته على خطأ دستوري و اجتماعي سافر جسيم ارتكبته الرئاسة بإقحام نفسها في هذا النفق المظلم وبإمكانية خلقها ازمة مع مرجعية الڤاتيكان” التي ترى في شخص ساكو رمزًا وطنيًا وحاميًا ليس لأتباعه الكلدان فحسب بل لجميع المسيحيين في البلاد والمنطقة وبلدان الشتات، وباعتباره رجل دولة وكنيسة معًا، له مكانتُهُ وموقعُه العراقي والإقليمي والعالمي. وفي ذات السياق، لم تقف معظم الأحزاب المسيحية مكتوفة الأيدي، بل أصدرت بياناً تضامنيًا مع راس الكنيسة الكلدانية لاعتقادها الثابت بكون المسألة كيدية أكثر منها قانونية أو دستورية مشكوكٍ فيها. إنّ “البلاد ليست بحاجة الى هكذا قرارات ومراسم اعتباطية وغير مدروسة، ما يستوجبُ والحال هذه الركون إلى مراجعة جادة بحسب المنطق” كي تستقيم الأمور ويسترجع أبناء المكوّن المسيحي بعمومهم لحلقات الثقة الكثيرة التي أصبحت مفقودة بينهم وبين أدوات السلطة الرباعية الحاكمة وأدواتها في الرئاسات الأربع عندما ثلمت العلاقة بقطع حبل الصفة الرسمية التي طالت مرجعهم الكنسي الأعلى في البلاد، وذلك بسبب التداعيات الأخيرة وما شابها من تعقيدات وإجراءات كيدية لم يكن لها أن تقع أو تحصل بين طرفي القضية التي شابها أشكالٌ من تدخلات مشبوهة وضغوطات جانبية مشكوك في صحتها ولا تستقيم مع سيماء الوطنية واحترام التبعية الكنسية والمرجعية الدينية. وهذا ممّا حدا بتعبير الكثيرين عن شديد الاستغراب من مثل هذا التطور غير السارّ والناشز في العلاقة بين الدولة والكنيسة، ورئاستها الرمزية العليا تحديدًا. ولعلَّ جزءًا من شكل هذا الاستغراب في طريقة سحب المرسوم الجمهوري يكمن في عدم اعتراف الرئاسة العراقية بسنده القانوني والدستوري الذي تم إصداره في عام 2013 من قبل رئيس الدولة الأسبق بمراسم رسمية أمام الملأ. وأكثر ما نخشاه اليوم بعد هذا التطور غير السار وغير القويم من أن تتوجه النوايا غير الطيبة بين أحزاب السلطة وأدواتها وأذرعها لتقاسم ولاءات رئاسات الكنائس والطوائف أيضًا كما هي الحال في الصراع القائم إزاء المكوّنات الأخرى التي تخشى ما قد ينتظرها من تدخل سافر في شؤونها التنظيمية والدينية والإدارية وفي أملاكها ومقتنياتها في حالة انفراط عقد الثقة بين الأطراف جميعًا واتجاه الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه.
نحن إذ نرى كما يرى غيرنا ذات الخشية من تراجع الدولة العراقية وحكوماتها وساستها وأحزاب السلطة فيها وأدواتها من قلّة احترام أو تراجع شكل هذا الاحترام إزاء الرئاسات الكنسية الأخرى بسبب تداعيات الخلاف الأخير الذي جرّ أحد طرفي القضية من موقع سياسي بحت للجوء إلى القضاء الذي وقف لجانبه لأسباب قد تجهلُها العامة وبسطاءُ الشعب والأتباع. وهذا ممّا استدعى الطرف المتضرّر من القرار الأولي للقضاء أن يلجأ هو الآخر لهذا الأخير طعنًا بما يراه غير قانوني وغير دستوري وغير متوافق مع السياقات التاريخية والتقليدية التي سادت منذ قرونٍ في مسألة تولية رؤساء الكنائس والطوائف في عموم البلاد، وذلك في حالة عدم تراجع الرئاسة عن قرارها غير المدروس والخاضع لظروف غير مستقيمة وضبابية في مشورتها وتقييمها وإقرارها. ومن الملاحظ في الرسالة المفتوحة الأخيرة ضمن ثلاث رسائل بعث بها صاحب القضية رأس الكنيسة الكلدانية إلى فخامة رئيس الجمهورية في العراق، دبلوماسيتَه الهادئة والمؤدبة المجبولة بالعتاب والحسرة في توجيه الخطاب إلى مَن يصفه ب”حامي الدستور وضامن العدل والمساواة للجميع”، معاتبًا ومتسائلاً عمّا هو مقصود حقًا ب”عدم وجود سند قانوني أو دستوري لمرسوم التولية ” الصادر قبل أكثر من عشر سنوات خلت. وهل في إصدار هذا المرسوم خللٌ أو خطأٌ لا سمح الله لم ينتبه له الرئيس العراقي الراحل مام جلال ولا مستشاروه ولا ساسة البلاد؟ فهذه من النوادر التي قد تتندر بها الألسن وتتساءل العقول والنفوس عن فحوى هذا التفسير وهذا التبرير في هذا الوقت بالذات. وإلاّ، فلا الرئاسة ولا القضاء ولا السلطة التشريعية والتنفيذية ولا الساسة ولا أحزاب السلطة وأدواتُها يدركون خطورة مثل هذا الإجراء، ليس على صعيد الكنيسة الكلدانية وأتباعها بل على سائر أتباع الكنائس الأخرى وعلى الوطنيين الصادقين والمواطنين النزيهين في البلاد الذين لا يخشون في الحق لومة لائمٍ. فمثل هذا القرار قد يدخل ضمن الشكوك الدائرة حول جدّية احترام الحكومة والدولة لهذا المكوّن الأصيل وأتباعه ويقف حجر عثرة لعودة مَن يرغب جاهدًا من أبناء البلد المنتشرين في دول الشتات إلى البلاد في حالة عدم إرسال رسالة اطمئنان واضحة وصريحة في هذه القضية التي أخذت تنتشر آفاقُها وآثارُها وتداعياتُها مثل النار في الهشيم.
وكلّنا أملٌ ألاّ تكون هذه الوصمة غير السارة علامة واضحة وسلسلة أخرى القصدُ منها استهداف مَن تبقى من أبناء هذا المكوّن الذي يعاني أصلاً من تردي أوضاع مناطقه، ولاسيّما بالهجمات الشرسة القائمة والمخطَّط لها في إحداث التغيير الديمغرافي في مناطق تواجده الأصلية بسبب زحف جهات نافذة على أراضيه وممتلكاته بحجج وتبريرات غير منطقية بالرغم من صدور ما يضمن هذه المخاوف من جانب المحكمة الاتحادية منذ سنوات خلت. فهذه رسالة أخرى غير مطمئنة نخشى عواقبها!























