حافظ الشيرازي..متاهات الحيرة واشراقات اليقين

د. جاسم محمد صالح الدليمي

حافظ الشيرازي..متاهات الحيرة واشراقات اليقين.. قراءة في العرفان الشعري

وجودنا يا حافظ لغز كبير الإجابات عبث والحلول أساطير

تأخذه متاهات الحيرة الى اودية عمياء مظلمة يتيه في ضيقها تسد عليه مساحات الحياة ومسماتها وتنغلق في عينه رؤى الاحلام وانوار النجاة وتأتيه اشراقات اليقين لتضع بين جنبيه سر المعرفة وضياء العرفان وراحة النفس وسكينة الروح وبهجة الطمأنينة وتنجيه من ظلال الحيرة وضلالها وتقيه هواجس الشك والريب وتنقي عنده فطرة الايمان والتوحيد. شمس الدين محمد حافظ الشيرازي عاش بين (٧٢٥ هـ – ٧٩٢ هـ) الملقب ب(خواجه حافظ الشيرازي) والشهير ب(لسان الغيب وترجمان الاسرار، لسان الغيب يعني شاعرٌ يُفهم و يُشعر و يُفصح للسالك بعض الاسرار الحكمية و العرفانية من العالم الغيبي بواسطة لسانه بحيث غزلياته و اشعاره) من أشهر الشعراء الايرانيين مولده ووفاته في شيراز.

أنتج شعره بالفارسية والعربية وتُرجمت آثاره إلى كثير من لغات العالم وشعره يتسم بالفصاحة والبيان ورقة العبارة، ويتوافر على مزيج من معاني العشق الالهي والحب والجمال والرحمة والطبيعة فضلا عن المضامين الاخلاقية والاجتماعية التي تعمل على اصلاح الانسان والمجتمع. وللحافظ الشيرازي تأملات عميقة في الحرف والكلمة والعبارة والإشارة وسائر الملفوظات اللسانية يتجاوز بها القضايا التقليدية التي يقف عندها رجال النحو أو رعاة البلاغة وأنظمتها الجمالية وأساليبها التعبيرية للتفكير من داخل اللغة أو خارجها. وعندما أصبحت اللغة – والشعر أرقى مستوى جمالي تعبيري في اللغة – تجربة شعرية عرفانية خضعت بين يديه للتأمل الخالص والبحث عن الأسرار الخفية التي تقف وراء الحروف المعجزة المعبرة عن المعاني والممتلئة بقدرة تعبيرية فائقة لا يمكن الاستغناء عنها أبدا.

ان المجرى الشعري الصوفي عند حافظ يتوحد في رؤية وجدانية للكون والانسان والطبيعة والخالق جَلَّ ثَناؤه ويستند الى فلسفة حافظ في الوجود الإنساني المتصل بالإيمان بالله الواحد الاحد والشوق اليه حبا وعبادة. عندما يحمل الشعر رسالة الانسان الى الرحمن يزداد جمالا ويزدان بهاء ويترقى في مدارج الروح الأسمى وينال فضائل المعنى ويدرك سحر الكلمة ويكتشف سر الوجود الإنساني المكرم، الشعر ليس تجربة إنسانية عابرة تتوسل باللغة وانظمتها البلاغية لتعلن عن ذاتها انما هي وجود انساني يتحقق باللغة معنى وهاجسا وبالشعر شكلا وايقاعا، إن اللغة في وعي الشاعر الصوفي او المتصوف هي وجوده المتحقق لحظة التأمل الإنساني للحياة والطبيعة والكون وصولا الى مستوى الادراك العرفاني للجليل في بهاء عظمته وجلال قدسيته.

وتبدو اللغة في المدرك (الوعي) الصوفي للأشياء وتعبيراته عنها ليست وسيلة ابلاغ وتوصيل انما هي كيان ووجود لذات الصوفي تشكلت وفق معارفه وتأملاته للجمال والجلال والحب والعشق والكأس والخمرة والشوق والوجد والوصال والحضور والغياب والشهود والفناء والكشف والغطاء الى غير ذلك مما توافر في المعجم الاصطلاحي للتصوف ومن هنا جعل ابن عطاء الله السكندري وجود العبارة من أجلّ عطاء مواهب الله لأوليائه حيث يقول ( سمعت شيخنا أبا العباس يقول : الولي يكون مشحونا بالمعارف والعلوم والحقائق لديه مشهورة حتى إذا أعطي العبارة كان ذلك كالإذن من الله في الكلام ) ( ابن عطاء الله السكندري : لطائف المنن، دار الكتب العلمية، بيروت (د. ت)، ص 259). فاللغة هنا صارت تجربة وليست مجرد وسيلة إبلاغ فقط ولو كانت وسيلة للحقت بسائر الوسائل التي تؤدي المعنى كالموسيقى والرقص أثناء السماع والوجد والصمت والبكاء وغيرها من السلوكيات الممكنة التي تمكن الصوفي من المعنى . وفي اطار التناول الشعري/ الوعي الشعري المعبر عن تجارب إنسانية في الحياة ليس من الضروري ان يعيش الشاعر التجربة الإنسانية على مستوى الواقع – تجارب الحب والكره والحرب والسلام والغربة والشوق والحبس والثأر والخيانة والوفاء ….الخ – انما من المهم جدا ان يعيش التجربة الإنسانية على مستوى الوجدان والشعور والاحساس العميق بها كي يصل الى مرحلة الصدق الشعوري او الفني في التعبير عن تلك التجارب.

أما في مجال الشعرية الصوفية وتجربتها فمن المهم جدا والضروري ان يعيش الشاعر هذه التجربة على مستوى الواقع المعاش سلوكا وممارسة نوعية تفصيلية وينجزها في أداء عبادات – صلاة وصيام ودعاء وابتهال وأوراد خاصة – مفروضة ونوافل يجتهد فيها كثيرا كي يترقى في مدارج الزهد والايمان والمعارف والعرفان وصولا الى حالات من الكشف والشهود وفق المصطلح الصوفي . ان تجربة الوجد الصوفي غائرة في أعماق المتصوف ينفعل بها ويتفاعل معها ليس بجوارحه فقط انما بوجدانه الحاد وشعوره الحارق لمادية جسده الساعي الى الفناء بين معطيات التجربة الصوفية عاجزا عن الإعلان عنها – بكفاءة ودقة – بلغة الحرف والكلمة فيستعين بالإشارة والايحاء والايماء فضاءا تعبيريا مفتوحا لينهض حالُهُ في وقته وصفته في الكشف عن جوانب من تلك التجربة ومعانيها في الوجد والشوق والكشف والمشاهدة الخ…

من هنا احتاجت هذه التجربة الخاصة إلى لغة خاصة فاللغة الصوفية هي لغة تأويلية سيميائية تواضع متداولوها على مصطلحات خاصة ، فهي تحتاج إلى تأويل وتفسير في اطار دلالات المصطلح الصوفي مع مصاحباته وقرائنه في حاله وآنه ، ولعل من أبرز مفردات اللغة الصوفية وتحولاتها الى رموز في الخطاب الصوفي هي المرأة وأوصافها في التأنيث ( وليس انوثتها ، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله (ابن عربي ) ، والخمرة وتوابعها ، الكأس ، الساقي ، النديم ، الحانة ، الشراب ، اللذة ، النشوة ، والغزال وتنوعاته ، الشمس ، القمر. وغيرها بما تحمل من إشارات، وما تختزل من معاني ذوقية عرفانية ّوظفها المتصوفة ليرمزوا بها الى العديد من القضايا الروحية والفكرية. ان التجربة الإبداعية في اطار التفاعل أو الوعي الصوفي المدرك لحقائق الوجود – انسانا وطبيعة – تقوم على مسارين اثنين هما المسار الجمالي والمسار الروحي ، وتجمع بينهما في التعبير عنها جماليا وروحيا لتؤسس شعرية صوفية أصيلة خالصة . حيث يعنى المسار الأول في إقامة الحرف والكلمة والعبارة بموضعها من التجربة جماليا وينهض الثاني بعبء المعنى عرفانيا ليتم تكوينها نصا جماليا في الوجود الروحي للشاعر صاحب التجربة.

ان التجربة الجمالية الصوفية – نصا وسلوكا – تسعى الى الارتقاء بالإنسان وجدانا وشعورا ووعيا نحو السمو الروحي المقدس المتصل بالسماء والخلاص من المادي المدنس المرتبط بالأرض وفي اطار هذا المسعى تحاول هذه التجربة الخلاص او التحرر من الزمان بوصفه ميقاتا لحياة فانية ومن المكان بوصفه موضعا جغرافيا محددا او مقيدا لحركة الانسان وموجها لها . وإن رؤية الشاعر الصوفي للعالم مغايرة لرؤية الشاعر لاختلاف قواعد الرؤيا ومنطلقاتها.

وان بنية التجربة الصوفية العرفانية قائمة على جدلية حركية بين عالمي (الحس والمعنى)، و(الملك والملكوت)، و (الجسم والروح) و(العبارة والإشارة)، و(الشريعة والحقيقة)… وغيرها، وعلاقة الصوفي بالعالم تتميز بنوع من الخصوصية تجعله مختلفا عن الشاعر في الرؤيا والأداء فاذا كان الشاعر يعترف بوجود عالم منفصل عن ذاته يدخل معه في علاقة تأثر وتاثير ساعيا وراء ذلك الى محاكاته او إعادة خلقه او تغيير الوعي به فان الصوفي في تعامله مع عالمه يعطل كل تلك الحواس للكشف عن دقائقه واسراره لأنها تنتمي الى البشرية وبقاء البشرية غير وحينما لا يرى الانسان الغير لا يرى نفسه (محمد يعيش : شعرية الخطاب الصوفي، الرمز الخمري عند ابن الفارض نموذجا، ص127 ) ولأجل قراءة نقدية موضوعية واعية للنص الشعري الشيرازي لنا ان نعلق تأثير الذائقة الشعرية العربية عامة والصوفية خاصة وحضورها في تلقي النص الصوفي الشيرازي لتباين التجربة الصوفية العربية عن التجربة الصوفية الفارسية بظروفها الذاتية وشروطها التاريخية وخصوصية الشخصية الفارسية وبنائها الفكري وانتمائها التاريخي – فضلا عن التباين بين تجارب المتصوفة على المستوى الفردي – على الرغم من ان التجربتين تنتميان الى مصدر اعتقادي واحد وتصدران عن ثقافة إسلامية واحدة.