

روجيه غارودي.. ذاكرة لقاء ومحطة تجلّي – عادل سعد
يظل ما رواه لي الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي عن قلقه الدائم الذي زيّنَ اجتهاداته الفلسفية ، أستحقاقاً لابد منه ،لأنه مشروع من الزاوية التي يرى فيه مصدراً مهما للحوار الذاتي والمراجعة والتقييم والوصول الى نتائج. قد تقود الى التغيير في القناعات ،او تقوية ما أنت فيه
لقد التقيته في بغداد عندما حل ضيفا على العاصمة العراقية قبل ثلاثة وثلاثين سنة ،وبالتحديد في كانون الاول من عام 1990 وكنت حينها رئيسا للقسم السياسي في مجلة (الف باء) وامتد بنا الحوار الى اكثر من ساعتين مستعينا بمترجم كريم من وزارة الثقافة والاعلام ابدى المزيد من التفهم لمهمتي وكان سخياً معي في الصبر على الوقت الذي امضاه .
لقد نشرت اللقاء في عدد المجلة الصادر يوم الاربعاء ، 12 كانون الاول ، بالرقم 1159
كان اللقاء ذات طبيعة سياسية وركزت في الاسئلة على تأشير العداء الذي كانت تختزنه ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش للعراق ، لكنني استثمرت فرصة الحوار لأساله عن المتغيرات الشخصية التي حصلت له بإصرار ذاتي ، من مسيحي مؤمن الى ماركسي يضع بروتستانيته جانباً الى اشهار اسلامه الى تبنيه الحازم للقضية الفلسطينية والقضايا العربية الاخرى بأصرار منقطع النظير جسّدهٌ في كتابه الأشهر (الاساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية )الذي اثار عليه اوربيين مروجين للصهيونية واحيل الى القضاء الفرنسي بتهمة معاداة السامية ، وتم الحكم عليه بالسجن تسعة اشهر مع وقف التنفيذ ، وسدد غرامة مقدارها 240 الف فرنك فرنسي ، وسٌحبت بعض كتبه من المكتبات وهو الاستاذ المتمرس الذي كان احد أعمدة جامعة السوربون
شخصيات قلقة
لقد تطرقت خلال اللقاء الى الشخصيات الثلاث سلمان الفارسي والحلاج والسهروردي ، تلك الشخصيات التي صنفها الفيلسوف العربي عبد الرحمن بدوي انها شخصيات قلقة وصدرت في كتاب له يحمل عنوان (شخصيات قلقة في الاسلام ) الصادر عام 1946 ?وأٌعيد طبعه عدة مرات.لقد قال لي ، (القلق بأسئلة مشروعة قلق مشروع ، وانا مصاب بحالة مزمنة من القلق المشروع الذي هداني للاسلام عندما نجوت باعجوبة ربانية من تنفيذ اعدام ) ، فقد أمرَقائد فرنسي جنوده الجزائريين اطلاق النار عليه ، كان ذلك اثناء حكومة فيشي الفرنسية الموالية للمحتلين الالمان ، كان حينها منفيا مع مناضلين فرنسيين الى الجزائر واقيم لهم معسكر بمنطقة الجلفة في الصحراء الجزائرية .لقد رفض الجنود الجزائريين تنفيذ حكم الاعدام اذ ألقوا اسلحتم جميعا على الارض وتشاء الاقدار ان يلتقي جارودي بأحد اولئك الجنود ليساله عن سبب امتناعه من اطلاق النار فقال (كنت اسير عندنا ،وانا مسلم والاسلام يحرم قتل الاسرى ).جارودي قال لي ايضاً ان الولايات المتحدة الامريكية أخطر محرك للاحداث الدموية في العالم ، وهي مسؤولة مسؤولية مباشرة وغير مباشرة عن اغلب النزاعات والحروب التي جرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وحتى الان ، وان ستين مليون انسان يموتون سنوياً بسبب الاوضاع الاقتصادية غير العادلة التي تسود العالم بفعل السياسات الامبريالية ،وسألته كيف ينظر الى مستقبل الخرائط السياسية في العالم فقال ان العالم بحاجة ماسة واساسية الى اعادة توزيع الثروة بشكل عادل وتصحيح الاخطاء الاقتصادية وهذا ما لا تقبل به الولايات المتحدة الامريكية التي اقامت قوتها على تكريس هذه الاخطاء القاتلة ، واذا اضفنا الى ذلك ،ان كل ماتحصل عليه الولايات المتحدة الامريكية لا يسد حاجاتها الى الاستقرار الاجتماعي والاخلاقي ، فأنها تدفع الامور دائما الى الحروب لتحاشي حصول ازمة اقتصادية حادة داخلها ،بمعنى تصدير ازماتها ،وكشف لي عن لقاءات أجراها مع ياسرعرفات واحمد بن بله لتكوين جبهة عالمية لفضح الاهداف العنصرية لكن الامر لم يكتب له النجاح كما كان مخطط له . في عام 1980 ألتقى روجيه غارودي الفلسطينية سلمى الفاروقي على هامش مؤتمر أكاديمي عقد في جنيف وتوثقت بينهما العلاقة التي قادت الى الزواج.
توفي غارودي في الثالث عشر من حزيران عام 2012 ? وهو من مواليد 1913في المدينة الفرنسية مرسيليا ، ومن اغنى كتبه أجتهاداً فلسفياً ، ( جولتي وحيدا عبر هذا القرن) ، تناول فيه سيرته الذاتية .
























