

عالية طالب بين نواح الآلهة والسقوط في بحر اللؤلؤ – ايناس البدران
يعدّ الاديب في اي زمان ومكان مرآة للواقع ولسان حال الوجدان الجمعي المعبر عنه وإن كتب بذاتية خالصة.لاشك ان هناك تجربة حياة معاشة تشمل كل افراد المجتمع وهناك وعي لهذه التجربة من خلال الرصد والتحليل ،وهي تقتصر على فئة محدودة نسبيا ،هي فئة النخبة المثقفة الانتلجنسيا،اذ تقوم هذه الفئة بعقلنة مفردات الوعي الجمعي واضفاء معنى عليه عبر استغوار الواقع المعاش وتجريده وترميزه وصهره في بودقة واحدة تسبر اغوار النفس معبرة عن تجلياتها بمستوى اعلى من المستوى الدارج ،فالكاتب مثله مثل اي فرد بالمجتمع ممكن ان يخضع لنوع من المؤثرات والتدجين الاجتماعي ويتأثر بسلطة الخطاب العام الذي يتألف من منظومة مفاهيم تتداخل فيها مكونات عدة كالموروث واللغة والعرق..الخ. ناهيك عن الاحداث الجسام التي يمر بها المجتمع وكلها تترسب في اللاوعي لتصبح موجهة للسلوك والتفكير .على الرغم من ذلك يظل للكاتب الواعي صوته المتفرد الذي يبث غبار الاسئلة ويلقي حجرا في قلب البحيرة الراكدة معبرا عن حاجات ومتطلبات عصره بروح حرة شجاعة تستقريء الحاضر وتستشرف المستقبل لتتنبأ بعالم سيولد.
قاصة مبدعة
عالية طالب قاصة مبدعة مستوعبة للسرد وأثبتت عبر قصصها ولاسيما ضمن مجموعتها الاخيرة “نواح الالهة “انها تمتلك موهبة معززة بالوعي المتأتي من متابعة واطلاع ولعل لعملها ردحا في مجال الثقافة دورا واضحا. ما يميز اسلوبها تكثيف الوقائع والمفارقات وحسن توظيفها في سياق السرد عبر تمكنها من ترحيل الاحداث باطار الزمكان بنمط متسلسل مع توظيف الدلالات اللغوية للشخوص بما يفضي الى براعة في تقصي ومعالجة الهدف العام للقصة.
مازلت مؤمنة ان خير من يكتب عن المرأة المرأة ذاتها اذ ترجمت القاصة في اغلب قصصها المشاعر والمعاناة والمكابرة لبطلاتها ازاء المصادرة والاهمال او الزهو الذكوري حين تتصاعد الروح المتمردة المختلفة ما يمثل صرخة احتجاج مؤثرة،يتجلى هذا في قصة”ظلال امرأة”حينما تقول على لسان بطلتها” – : يومها رأيت في عينيك التماعة تشبه صوت مفاجأة السقوط ببحر اللؤلؤ وقلت بتمهل ونظراتك تتفحص وجهي: – نحن متفقان اذن
هي:- ابدا ..لقد تعودت ان احارب رغباتي
هو:- لكنك ستخسرين
هي:- مطلقا سأربح المي
او وهي تعبر عن المها لفراقه اذ تقول “كيف استطيع ان اغادر ذلك الصمت الذي يكبل صوتي حين اراك والذي يعذبني حين تبتعد ويجعل الارصفة تلاحقني بسخرية وهي تراقب بحثي عن بصماتك التي ربما تركتها بين ازقتها وأنا اردد بكل هدوء وصمت وخشوع:- “جئتك منذ زمن لكنك لم تنتظرني”
كذلك نلمس توظيفا واعيا للتفاصيل الدقيقة تماما كوعي الرسام بأهمية ال باك-غراوند التي يرسمها وراء شخصيته في لوحة بورتريه.مثلا حين تحاصر بطلتها الشيخوخة ويهزها الحنين للطفولة وبواكير الصبا في قصة “مساحة بلا ضوء”اذ تقول:-تستقبلني امكنتي باذرع متهالكة تشوبها الشيخوخة، تتناثر الشوارع التي كنت اعرفها وتتداخل الارصفة معها فتضيع مسافاتي ولا اجد منعطفا اسلكه..تقول: – بل اكاد ارى اصابع يدي وهي تمسح الغبار عن عنقود حبات الكالبتوس الصغيرة قبل ان نتبارى على وضعها من ساقها قرطا في اذاننا،امسك اذني الصغيرة واتحسس مكان القرط الكالبتوس وأشعر بالالم ينغرس في عنقي الذي يسأل اين اختفت اقراطنا؟”.
ثيمة الحرب
ونتلمس ثيمة الحرب واضحة في العديد من القصص كجحيم ارضي بما ينوء به من الوان الرعب والفقد والاستلاب اذ تقول على لسان بطلتها: – اسمع ضحكتي تاتيني من السماء وتفتح ثغرات الارض المنبجسة بثقوب المفخخات التي مرت على ارصفتي وأرى ظلال الارواح التي مرت من هنا وهي تلملم بقايا اجسادها التي نسيها عمال التنظيف…الململم معهم ظل روحي فمازال جسدي معي لكن اشلاء روحي تناثرت فوق كل ارصفة المفخخات “.
او حين تقول البطلة في قصة”اجراس ثيابي”:اقف وسط منطقتي واحصي اصوات الصراخ المتعالي المختلط بلهاث مناطق اخرى،اخوض بوحل الدم والغبار والاشلاء ولا ارفع طرف ثوبي المنسدل طويلا وراء خطواتي المنكسرة وامسك هاتفي اللئيم وهو يرن ويرن ليجعل كل الامكنة تحتوي اشلاء مبعثرة”
اذ يتحول هاتفها الشخصي الى ناقوس خطر يقض مضجعها حين تقول لصاحبتها:-اقسم لك انني اتصل بنفسي قبل اي دمار وموت يطوف ببلدي”.
يقول جلال الدين الرومي :مع الزمن يتحول الالم لحزن ويتحول الحزن لصمت ويتحول الصمت لوحدة ضخمة شاسعة كالمحيطات المظلمة.
نعم هذا حال النساء الوحيدات اللائي يفترشن الصمت ويلتحفن الحزن في عالم يمضي سراعا ليخلفهن في وحدة قاتلة.في قصة”الليالي” تستحضر الكاتبة حزن الام قائلة على لسان البطلة: -” يندلق وجه امي حزينا وهو يحتل مساحة شاسعة امام عيني المغلقتين…اسمع صوتها يتهدج عشقا حين ترسم مسار نظراتهما كلما التقيا وسط تيار جارف من رعشة لا تدري كيف غادرتها لتبقى تعيش على رنين ضجتها داخل صدر علمني كيف امجّ على سجائري بعمق يشابه ما فعلته باختناق الهواء لديها”.
تشبه القاصة عالية طالب حياة البطلة والام والاخوات بمملكة اموات فتقول:- “مملكة اموات اعيش فيها ببراعة من يتخذ التذكر طريقا لايقاف فكرة الرحيل عن تنفيذ مبتغاها.امسح على دمعة “نادية” وأربت على شبابها واعرف ان جسدها الذي اختفى من ثيابها كان شفيفا لدرجة لم اعد اراه جيدا بين ثنية واخرى فيما “بدور”تلملم لوعتها وهي تتمتم بعبارات غير مفهومة وكأنها طفل تخونه كلمات غريبة”
وفي قصة “الوجوه” تتطرق القاصة الى موضوعة حساسة في حياة اي زوجين الا وهو الروتين القاتل او الطلاق الصامت الذي يلقي بظلاله اللامبالية على كل المرئيات وتفاصيل الحياة ليكسوها بلون الرماد.حين تصف مشاعر البطل الزوج وهو يحاول قتل هذه الرتابة ولو بنزوة عابرة: – انحدرت السيارة بطريق بلا حاجة الى رسم مسارها داخل افكار باتت تعرف مسارها بلا ارشاد منه…وجوه مألوفة يعرفها جيدا كل يوم يمر بها وفي التوقيت ذاته…عند الظهيرة كان قد بدأ يغلق كل افكاره باستثناء طريقة يفتش عنها لمحادثتها اي الشابة التي اثارت انتباهه ويتساءل هل يتوقف ويعرض توصيلها؟هل يترك سيارته ويقف قربها محاولا القاء التحية؟.اما الزوجة فقد بات عملها اهم ما يشغلها والنضوب يتكاثر بينهما من دون ان تهتم لاحصائه، ازدادت القوالب المرصوفة بعناية بينهما في غير محاولة منها لتهشيمها،كل شيء وضع بترتيب ووقت محدد فيما يقبع درج العواطف مسترخيا لاغلاقه الذي غطته الاتربة بمنظر يصيبه بجرح عميق كلما حاول ازاحة الذرات المتلاحقة “.
وعلى الرغم من الوحشة والخذلان هنالك دائما فجوة وكوة ضوء يتسلل منها الامل كنبوءة فجر تتراءى لنا في قصة “هو من يسألني” حين تقول البطلة :- تتسلل من ستارة الساتان السوداء التي استبدلتها بالاخرى التي اصر على اقتنائها من متجر “الزهور بالسيدية” ستارة زاهية بالوان فاتحة تشبه الغيوم وتتداخل فيها تشكيلات غرائبية عجيبة تجعلني اتخيل الجدار اشبه بالسقف المفتوح على سماء متراقصة”.وهكذا فالقاصة بلغتها الموحية المتوهّجة لم تلجأ الى ابعاد المفردات عن دلالاتها اللغوية وعن دلالاتها في ذهن القاريء وانما حافظت على هذه الدلالات بما يعزز من ثرائها وقدراتها على استيعاب الواقع ويجعل من قصصها مادة ابداعية جديرة بالاهتمام .
























