المقابر الفنية

المقابر الفنية

وأنا في طريق عودتي للكتابة من المستشفى الفاشل للأمراض الفنية ، بعد وعكة (ميتاشعرية) دامت سبعة عشر طن من التراب المهيأ لدفن وقبر الأحاسيس الفنية ..
صادفني الفنان الرسام ( خالد جبر) وهو يحمل هودج مرسمه الصغير بعيدا عن اللكمات الموجهه من هذا وذاك ، والتي لاتأبه لخالد جبر ، ولا لمصطفى جواد ، ولا حتى اسماعيل ياسين !
صادفني خالد جبر على إحدى القنوات وهو يستعرض صور الأسى التي يمر بها حال الفنان والشاعر والعالم والأديب ، في ضحالة هذا العصر الذي لايعرف سوى عجرفة الماديات ، ففي هذه الأيام لاتجد الا القليلين ممن يعطر وجدانه برائحة قداح سلامة الذوق..
خالد جبر وما أدراك ماخالد جبر! ، اجتمع في مرسمه الصغير كل عباقرة الفن والرسم ، انه فنان عراقي أصيل يعاني اليوم من تفاقم اغتراب العملة الأصيلة في زمن الضحالة والتدني ، وهو مااسميه (اغتراب الجفاء) الذي يفرزه موروث الدول المتخلفة التي تقبر عملتها الذهبية في أماكن رمي النفايات ، ولا مانع لديها من أن ترمي النفايات على محيا الزهور من غير تردد أو استحياء فماذا تتوقع من خالد جبر ان يقوله، وماذا تتوقع مني أن اعلق به ازاء ماارى واسمع!
خالد جبر.. قضى سنوات طويلة وهو يداعب المشاعربمسحة الفرشاة ، وأنملة اللوحة ، ولألاة الزخرف ،، وصرخة اللون ، ووخزة الحرف ، وشذرة البيت الشعري المتجسدة في سحر اللوحة الجذابة تراه اليوم ينطق بلسان حال كل الفنانين الذين سحقتهم العجلة العمياء لهذا العصر الأرعن الأحمق المعيب المتخاذل الجبان النكد الذي يستحي من العلياء ، ويتبجح بالخزي والعار ، عصر تسابق فيه الوصوليون حتى وصلوا إلى نهاية سلمه وفي كل خطوة نحو الأعلى يداس التاريخ بقدم أسفل ، ويتراجع عن تقدم الجحفل! ، من يستمع إلى ألفاظ هذا الفنان لايفرق بين لوحة تنكسر ، وقصيدة تندثر ، وكتاب ينقبر ، وفرشاة تحتضر..الخ فكل أولئك يلقى مصيره الأسود اليوم ، في مرحلة استشرت فيها وحوشية الوحوش ، وتراجعت فيها تغاريد القصائد ، وابتسامات اللوحات الجميلة ، وزقزقة عصافير المقالات ، وتغريدات بلابل القصص ، وهديل حمائم الروايات .
خالد جبر يقف على حال لوحاته لحظات لوقدر لها أن تنطق ، للما وجدنا احد بعد اليوم يتجرأ ويستخدم ( لو) في حديثه بعدها حرف امتناع لامتناع ، كما صرح بذلك من ابن خروف ، وابن كيسان ، وابن كنغر، وابن خرتيت ، خالد جبر هدد بحرق لوحاته ، ولكن الفنان القدير مايكل انكلو ، قال له: لاتفعلها فتصبح على مافعلت نادما دع الانتحار وابدأ الأمل ، فلا بد من مروءة تنصف المغيبين ..
ويبدو أني لم اتعظ بكلام مايكل لذلك تراني أقول للفنان خالد : لاداعي للقلق راع لسانك فلو هتفت من الصباح إلى المساء إلى الصباح ، وانتفخت أوداجك لما أيقظت فينا شريك القصيدة وغريم اللوحة ، ، فكلهم نائمون ، وعندما تموت يستيقظون ، ويفتلون عضلاتهم وتصبح في قبرك مدلل الغيارى المتحمسين فطوبى لك ياخالد!.. وألف طوبى لأمثالك ، في بلدان سرقات المتاحف والمقابر الفنية!
رحيم الشاهر- كربلاء
AZPPPL