لماذا نحن متشابهون؟

لماذا نحن متشابهون؟
ان تبني الطفل لثقافة مجتمعه هو امر مفروغ منه فهو كل ما اقترب من سن النضج من النواحي البدنية والفكرية والعاطفية اتضحت معالم التشابه بينه وبين إفراد المجتمع الذي ينتمي إليه من حيث القيم والأيدلوجيات والعادات والتقاليد وطرق التعبير عن الانفعالات كما يبرز اختلافه عن الإفراد الذين ينتمون الى ثقافات أخرى ويتضح ذلك في تعامل الأشخاص من مجتمعات مختلفة مع الموقف الواحد بأساليب متباينة مبدين سلوكا يختلف تبعا لاختلاف الثقافات التي ينتمون لها. ولمرحلة الطفولة اهمية بالغة في بناء شخصية الفرد وقد اكد ذلك المختصون من علماء النفس وفي طليعتهم سيجموند فرويد صاحب نظرية التحليل النفسي، فضلا عن ذلك فان الكثير من عامة الناس وبعض الأدباء قد أدركوا من خلال ملاحظاتهم العرضية أهمية هذه المرحلة في حياة الانسان وفي تكوين أفكاره وميوله حيث انعكس ذلك في الكثير من الأمثال والحكم والنتاجات الادبية . اما عن الكيفية التي يكتسب من خلالها الطفل مفردات الثقافة التي ينتمي اليها فان ذلك يتم من خلال مجموعة من العوامل التي تتضافر سويا فتؤدي في المحصلة النهائية الى اكتسابه لثقافة مجتمعه . حيث يظل الطفل حتى مرحلة المراهقة في حال من الاعتماد التام على ما توفره الاسرة من اسباب الحياة المادية من غذاء ومأوى كما توفر له الإحساس بالامن والاحتضان الاسري لذلك فهو يخاف فقدان هذا الدعم اذا ما حاول التمرد او الخروج على توجيهات الوالدين فيتلقى التوجيهات والايحاءات من افراد الاسرة وفي ذهنه الخشية من فقدان تلك الحاجات الأساسية ،وهي خشية قد تكون واعية او غير واعية الامر الذي يشعر الطفل بالعجز التام ازاء السلطة التي يمتلكها الوالدان علية فهو يرى انهما قادران على توفير اسباب السعادة والامن والعطف الأبوي له او حرمانه من ذلك كله ، الامر الذي يدفعه الى ان يتشرب نضرة الوالدين والأسرة للعالم فيحب ما يحبون ويبغض ما يبغضون فيؤمن بالصحة المطلقة للافكار التي يحملها الوالدين. والوالدان هما الشخصان الاكثر تاثيرا في تكوين شخصية الطفل وذلك لما يتمتعان به من نفوذ عليه ولأنهما الأكثر احتكاكاً به. ويتعرض الفرد طوال فترة الطفولة الى الايحاءات الأسرية المتواصلة بان قيم وعادات وتقاليد مجتمعه هي الأصح وانها الاكثر سموا ورقيا ، ويتم ذلك بشكل مقصود احيانا وغير مقصود احيانا اخرى ولا يقتصر امر التنشئة على دور الاسرة بل يمتد ايضا الى تاثير الاقران ورفاق العب ، كما ان للمؤسسات المجتمعية مثل المدرسة ودور العبادة وغيرها دورا مهما في غرس قيم المجتمع في نفوس النشء الجديد. وان عدم اكتمال نمو الجهاز العصبي لدى الاطفال وعدم امتلاكهم القدر الكافي من المعرفة الموضوعية عن انفسهم وعن العالم المحيط بهم يجعل قدرتهم على تقييم ومناقشة الافكار التي يطرحها الكبار ومنهم افراد الاسرة امر بالغ الصعوبة ، فيقودهم ذلك لقبول تلك الافكار بسلاسة ومن دون عقبات او تحفظ. والطفل خلال مرحلة نموه يظل ملاحظا سلوك الكبار بما يشتمل عليه من افعال واقوال وانفعالات ثم يحاول تقليدها. وهذه العوامل مجتمعة تجعل تبني الطفل لقيم مجتمعه وعاداته وتقاليده ومقدساته الروحية امرا حتميا ، وبذلك يصبح حاملا لثقافة مجتمعه عند الكبر فيدافع عنها ويجسدها في سلوكه اليومي ، حيث تغدو ممثلا لهويته التي يعتز بها وعينيه اللتان يرى العالم من خلالهما وبذلك يحمل السمات التي تميز ابناء مجتمعه وتجعلهم متشابهين .
ايمن المرزوك – بغداد
الساخرون هل هم مهنيون؟
السخرية ليست سذجاً وليست هجاءً وليست عداءً ضدَ احد وليست همجيةً في خلق الأحداث والمواقف لتكون ساخرة من شخص أو نظام معين كما تراها نضرة من يكتبها ومن يرى انه يجيد هذا الفن أو ألون من ألوان الصحافة .وهي ليست أيضا بالخوض والغمار السهل والمتاح للجميع والذي يستطيع أي فرد الإبحار فيه ليكون نجما من أنجمه البارزة .كون السخرية مصنع شهرة الأسماء بمرحلة قياسية قصيرة قد تكون بمقال أو كتاب أو ورقة صغيرة يسخر فيها الكاتب من شيء ما فتجعل منه اسما لامعا ومعروفا قد لا يستطيع مؤلف كتب عدة الحصول على هذه الشهرة التي حصل عليها ذلك الساخر .
إن السخرية فن من فنون الأدب الحديث له أسبابهُ وأهدافهُ وقواعدهُ وأنظمتهُ الخاصة به والتي يعرفها كبار الكتاب الساخرون في العالم الغربي والعربي الذين وضعوا تلك القواعد وحددوها لمن يريد الدخول إلى هذا العالم الكبير والواسع والشامل وهذه القواعد والأهداف تُدرس اليوم في الجامعات والكليات المتخصصة بدراسة الأدب والإعلام والصحافة وفنونها.
والسخرية أيضا لها مواقفها وحوادثها الخاصة بها حيث لا يستطيع أي كاتب أن يخلق حادث لا يتحمل أن يكون ساخرا ليسخر به ذلك الكاتب ممن يرد هو أن يسخر منهم بقصد أو بدون قصد وبغاية أو بدون غاية. و ما نراه اليوم في اغلب كتاب المقال والأحداث الساخرون من الجيل الناشئ أنهم يصنعون أحداثا لا يمكن لها أن تكون ساخرةً أبدا ويبدؤون بالتعليق عليها بما يشاءون ويشتهون بدوافع أو بدون دوافع تاركين وراءهم أخلاقيات وقواعد وأهداف هذا القسم و الفن من فنون الأدب والصحافة..
وهنا يمكن القول أن اغلب من يمتهن هذا الفن اليوم لم يطلع أصلا على تلك القواعد والأهداف والغرض منها .. بل ظنهم أن السخرية هي أن تجلب التسلية والإمتاع للقارئ بأي سبب وحدث كان وان تعجل في شهرة اسم من يكتبها (وهذا الأهم لكاتبها) ليصبح اسمه معروف لدى الأغلب ومتناول على شفاه الأكثرية .نعم إن واحدة من أهداف السخرية هي التسلية والإمتاع للقارئ ولكن ليست على حساب جوهر المضمون أي الحدث الذي يمكن أن يكون ساخرا والذي يفتح هو لنفسه أبوابا تدعوا كتاب هذا الفن للدخول والولوج فيه وهنا نستطيع أن نسميه حدثا ساخرا .ولكن أن يصنع الكاتب من حدث لا يمكن أن يفتح لنفسه أبوابا ساخرة ليُسلي ويمتع القراء به .هنا نستطيع أن نطلق عليه سذجا وليس سخريةً ..
أتساءل مع نفسي لما أراه واقرأه اليوم في الصحف والمجلات وعلى صفحات التواصل هل إن اغلب من يكتُب السخرية هم مهنيون فعلا ؟ إذن لماذا انحدر هذا الفن وأصبح لا يُمتع ولا يعالج ولا يُسلي ولا يشد الانتباه سوى عنوانه الجاذب إن وجدت الجاذبية فيه أو قد يفتقد حتى إلى العنوان وأصوله. ام أن كتاب المقال الساخر اليوم باتوا يهدفون إلى الشهرة التي يجلبها هذا الفن لمن يتقن استخدامه بصوره وأسبابه وأساليبه الصحيحة التي يعتقدون إنهم ملمون بها. بل راح بعضهم إلى تحويل هذا اللون الجميل من ألوان الصحافة إلى سذاجةً لا معنى له أبدا.
حسين محمد الفيحان – كربلاء
AZPPPL