الراعي الصالح
قال تعالى في كتابه العزيز : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) (النساء / آية 59)
الآية واضحة في معانيها الظاهرة ولكن البعض يتساءل عن معنى أولي الأمر ؟ فيذكر الصحاح : (كل من ولي أمر واحد فهو (وليه) ويقرب لنا نبي الرحمة المعنى على أرض الواقع فيقول : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .) ويقول أيضا : (أيما راعي استرعى رعيته ولم يحطها بالأمان والنصيحة من ورائها إلا ضاقت عليه رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء).
يتضح لنا أن ولي الأمر والراعي مصطلحان لمعنى واحد وقد ألزم الراعي الاتصاف بالعدالة والإنصاف والمساواة بين رعيته والإيثار وأن يتسم بالشجاعة في اتخاذ القرارات ويضع مخافة الله أمامه . فالدين والملك أخوان كما قال أردشير لأبنه) يا بني الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر فالدين أسس والملك حارس وما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع .)
فمن حق الملك والسلطان (أن يفحص عن أسرار رعيته فحص المرضعة عن ابنها) فهو مسؤول أمام الله والناس ونفسه . وما أعظم قول إمام العدل علي (ع) : (لو فقدت شاة في الحجاز أو اليمامة لكنت مسؤولا عنها إلى يوم القيامة) يؤكد فيه أن الراعي حارس أمين حريص ومسؤول أمام الله ورعيته .
وهنا لا بد من القول أن الراعي ليس الحاكم فقط بل جميع المستويات الوظيفية .. ونزولا الى المعلم ورب الأسرة والعمل كلهم رعاة وعليهم ما على الحاكم من الرعاية الصالحة لمن يتولون .
ولكن اليوم تنظر الناس إلى الراعي الكبير الذي يتولى شؤون الأمة والوطن .. الراعي الصالح والذي يحرص على تغذيتها وإنمائها لأنها أولته أمرها وأسلمته زمامها والقت اليه مقاليدها .
ولعل السمات النبيلة والصفات الفاضلة والتي تنتظرها الأمة من راعيها كي توليه ثقتها وتعهد اليه بادارة شؤونها ليس في الحكم ذاته لأن الحكم هين وميسور بل بيقظة الشعور الفياض بحاجتها . وقوة المتابعة والملاحظة لأدواتها والتعرف الواعي إلى حقوقها في حياتها والرغبة المخلصة في إصلاحها الذي غدت ترنو إليه وامقة متلهفة . والتساؤل الحنون صباح مساء عنها وعم تبتغي ؟ وعم تريد ؟ وعليه مداراتها إقتداء برسولنا الكريم حيث يقول : (أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض .) وقوله : (بعثت بمداراة الناس .)
وروي عن الإمام الحسن (ع) : (مداراة الناس نصف الإيمان .) فالمداراة هي واحدة من الجسور التي يمكن عبرها التأثير في الناس . وهي تختلف عن المداهنة الذي يقول عنها الامام علي (ع) : (لا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا ولا تداهنوا في الحق فتخسروا .) فالمداهنة مذمومة . اما المداراة فهي من الدراية والعلم والمعرفة والتوسل بطرق الهداية لجلب الآخرين إلى الحق او إبقائهم عليه.
ويكون الموقف تجاه الناس موقفا يخدم في استقطاب الناس وصداقتهم بشتى السبل المشروعة الى الطريق القويم الذي يسلكونه بيسر نحو الخير والصلاح والعمل الهادف البناء المنتج بسلامة نية وصفاء قلب وطهارة نفس .
وبعد ان تمتعت الجماهير بحريتها وانزاح عنها الظالمون والمحتلون . تطالب أن تكون شيئا ذا قيمة في الحياة . تتمتع بحقوقها المشروعة وفق الدستور والقانون والأنظمة المرعية .. تريد تحقيق طموحاتها وآمالها لتنفض عنها غبار الشقاء والمعاناة .. تريد الاهتمام بشبابها وانتشالهم من البطالة والركود تريد توفير السكن اللائق والرعاية الصحية الجيدة تروم الاهتمام بمتقاعديها الذين أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن والارتقاء بمستوياتهم المعاشية تطالب بالتخلص من البيئة المتأخرة التي عانت منها طوال حياتها السابقة .. ترنوا إلى الاهتمام والرعاية بمفكريها وعلمائها لقيادة البلد إلى الأمام والمستقبل الزاهر مواكبين ركب الحضارة الصاعد ..
فيتحتم على الراعي الصالح إيقاظ شعبه من سباته وخموله وأن ينحيه عن فوضاه ويرده إلى نفسه من غفلته المؤلمة ويزيل عنه كابوس فقره وحاجته . بإمكان الراعي والقائد أن يفعل كل شيء فالأنظمة والقوانين والتشريعات هي من صنع البشر بإمكانه أن يغيرها ويعدلها بالتعاون والتشاور والتنسيق الديمقراطي الهادف والبناء مع الآخرين معه في السلطة والحكم وفق حاجة المواطنين وانتفاعهم بها . فإذا أحس الراعي الصالح بأمل شعبه وفرحهم وحزنهم ونعيمهم وشقائهم وسخطهم ورضاهم .. وعمل جادا مخلصا من اجل النفع العام الذي يفخر ويسمو به ..فإن ذلك مجلبة لرضاهم ومحبتهم وولائهم ..
حقا إن المواطن المخلص وصاحب القلم الحر عندما ينطلق قلمه عليه ان يكون مخلصا نزيها نظيف القلب حسن النية والسريرة لتكون كلمته نورا تضيء الدرب لا نارا تحرق وتدمر .. فأدعو مخلصا أن يعين الله وطني وقادته وأبناءه على النهوض والارتقاء إلى أعلى مستويات الحياة المدنية ونبذ الأحقاد والكراهية وعدم الاستماع إلى أعداء الوطن .. وأن ينصرف الجميع إلى العمل والبناء والابتعاد عن السجالات والمهاترات المثيرة .
وأن يمنحهم الله الصبر ليصلوا إلى طريق الخير والحق والجمال والاتحاد والوحدة الوطنية ويمكنهم من مواجهة أعداء الوطن وتفويت الفرصة عليهم و لينعم الجميع بخيرات الوطن الوفيرة ..وفي هذا يقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب(رض) : (إذا أراد الله بقوم سوءا كثر بينهم الجدل وقلل العمل .) فبعيدا عن الجدل واتجاها إلى العمل والبناء ورص الصفوف أدعو الله ان يهب قادتنا ورعاتنا من لدنه الحب للرعية والإخلاص لها ويمنحهم سعة الصدر فقلوب الأقوياء تتسع للخصوم والأعداء وتصلح وطنا للجميع وإن التوفيق حليف المخلصين ومن يؤدون أدوارهم ويملأون أماكنهم المناسبة بصرف النظر عن حجم المكان . وأسأله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن يصلح شأننا وأن يحقق مطالب شعبنا المشروعة على يد رعاتها الصالحين لتسعهم رحمة الله وبركاته إنه قريب مجيب .
محمد السيد ياسين الهاشمي – العمارة
AZPPPL
























