الحرية

الحرية
الحرية ضرورة اتفق البشر جميعا على الحاجة اليها على اختلاف ثقافاتهم ودرجات تقدمهم الحضاري بيد ان تعريفهم وفهمهم لها كان موضع اختلاف وذلك تبعا لاختلاف اجاباتهم عن سؤال قديم الا وهو (ايهما اولى مصلحة الفرد ام مصلحة المجتمع ؟ ).
اذ انقسم اصحاب القرار والفكر الى فريقين الاول الذي ساد منذ فجر التاريخ وحتى عصر النهضة في اوربا وكان هذا الاتجاه يرى ان الغلبة لمصلحة المجتمع وقد عم هذا الاتجاه مختلف ارجاء العالم وحجته ان الاخطار الخارجية تهدد حرية الجماعة ككل وبالتالي فان الحريات الفردية والشخصية تصبح ترفا قد يقود الى تهديد وحدة الجماعة وتماسكها فكانت الثقافة بما تشتمل عليه من لغة ودين وعادات وتقاليد وقيم هي الوسيلة التي اسهمت في تحقيق الوحدة وتعزيز الروابط بين ابناء المجتمع في وجه الاخطار والقوى التي تحاول ان تسلبه حريته ووجوده.
من المؤكد ان هذا الفهم للحرية قد اسهم بشكل كبير في خلق الانسجام والتوافق بين الافراد واتاح في بعض الاحيان بناء الدول والامبراطوريات وذلك عن طريق وجود سلطة مركزية قوية وسيادة ايديولوجية واحدة، ولكنه من جهة اخرى قاد الى انتهاك حرية الفرد الامر الذي سلبه القدرة على التفكير بشكل مستقل عن المؤسسات الرسمية السياسية منها والدينية كما اصبح مقيدا بسلسلة طويلة من المحظورات التي فرضتها السلطات فضلا عن الجهات المحافظة المختلفة ذات الطابع غير الرسمي بحجج متعددة تتراوح بين انتهاك المقدس وتعريض امن الجماعة للخطر.
وعلى هذا النحو فقد ادت التضحية بمصالح الفرد وحريته لحساب الجماعة التي ينتمي اليها لسيطرة التعصب والانغلاق ولكثير من القمع والانتهاكات كما اسفر ذلك عن ضياع وقت طويل كان يمكن للبشرية ان تستثمره في تحقيق النهضة العلمية وتحسين معيشة بني البشر.
لكن السلبيات التي ولدها هذا الفهم القاصر للحرية هي ذاتها التي قادت الى بزوغ عصر النهضة اذ جرى تبني الرأي الاخر والذي عد الفرد العنصر الاهم فكان ذلك ردا على تهميشه وعده مجرد اداة بيد المحيط الخارجي فكان الهدف الاول لحركة النهضة هو اعادة ثقة الانسان الفرد بقدرته على الابداع كما عملت على اشاعة التفكير النقدي ليس بين المثقفين فقط ولكن بين عامة الناس ايضاً وهكذا فقد اصبحت الحرية الشخصية وحرية الراي والابداع هي التفسير الحديث لكلمة (حرية) دون ان ينتقص من ذلك اهمية تحرر المجتمع من الهيمنة الخارجية والحفاظ على وحدته وتماسكه ولكن من غير ان يكون ذلك على حساب كرامة الفرد وحريته، وعلى هذا المنوال اتخذ مفهوم الحرية شكله الحديث المبني على اساس الاحترام المتبادل لحقوق الفرد من جهة واحترام حقوق المجتمع الذي ينتمي اليه من جهة اخرى.
ايمن المرزوك
AZPPPL