الثقافة بين الثبات والتغير

من المعروف ان الثقافة تتسم بالميل الى الثبات وعدم التغير فهي تنحو الى مقاومة اي شكل من اشكال التبدل فكل مجتمعات الارض ترى ان عاداتها وتقاليدها ومقدساتها هي الاكثر نبلا والاكثر صدقاً ومنطقية، وتستوي في ذلك الامم المتقدمة مع تلك التي تصنف على انها بدائية، ونتيجة لهذه النظرة النرجسية للذات فان اي دعوة لاحداث تغيير ثقافي تصبح دعوة الى الخطيئة ومساً بهوية الامة والتخلي  عن الثوابت.

وهذه النزعة التي تبديها المجتمعات للحفاظ على ثقافتها  هي امراً طبيعياً فثقافة اي مجموعة بشرية هي مرادف لهويتها وتعريفها لذاتها، لذلك نحن نجدها تعد السعي الى احداث تحول في اي مفردة من مفردات ثقافتها يعد مسا بكيانها ووجودها ولا تقتصر اليات الدفاع عن ثقافة المجتمع على المؤسسات الثقافية والدينية وغيرها من المؤسسات المجتمعية المنظمة  بل تشمل ايضاً الافراد العاديين وذلك عن طريق سلوكهم اليومي الذي يعكس قيم مجتمعهم ويستنكر اي خروج على هذه القيم، والفرد حين يفعل ذلك فأنه يتصرف بشكل تلقائي يكاد لا يكون واعيا فتلك القيم قد اصبحت جزاء من لا شعوره وانفعالاته.

وفي بلد مثل العراق يبدو ذلك واضحا في ردود فعل المؤسسات الاجتماعية والشعبية المختلفة ضد كل ما تعده دخيلا او غير ذي صلة بثقافة المجتمع.

ولا شك ان للثقافة دوراً حاسماً لا يمكن الاستغناء عنه لضبط العلاقة بين افراد المجتمع فالقيم الاجتماعية التي تغرس في النفس منذ مرحلة الطفولة تحكم السلوك عند الكبر. وللثقافة اهمية كبيرة في تشكيل نظرة الفرد للعالم المحيط به كما انها توفر له الامن النفسي وذلك عن طريق شعوره بالانتماء الى جماعة يتفق معها في الافكار والمصالح ولكن على الجانب الاخر فان جميع الثقافات تشهد تغيراً مستمراً تتفاوت سرعته بين  مجتمع واخر فالثقافة في حالة تشكل وصيرورة دائمة وهكذا فان للثقافة وجهان يكمل احدهما الاخر الاول هو الميل الى الثبات والجمود والاخر هو التطور والتكيف مع المستجدات  التي تحصل على ار ض الواقع وتشمل هذه المستجدات التقنيات والتاثر بالثقافات الاخرى، فضلا عن التحديات الجديدة التي يواجهها المجتمع والتي تتطلب انماطا جديدة في السلوك والتفكير والتحولات الثقافية على الرغم من بطئها النسبي فانها تشمل جميع العناصر التي تشكل ثقافة مجتمع ما بما في ذلك الدين واللغة وهما العنصرات الاكثر حيوية وحساسية في تكوين هوية المجتمع. فعلى الرغم من ثبات النص الديني وقدسيته الا انه يخضع وبشكل مستمر الى اعادة قراءة وتفسير من المجتهدين من رجال الدين، وهو امر تمليه مستجدات الحياة وتغير الظروف، كما تطرأ ايضاً تغيرات على اللغة ويتجلى ذلك في استعارة المفردات من لغات اخرى او سك مفردات جديدة، بل ان التغيرات اللغوية قد يصل على المدى البعيد الى تغيير البناء القواعدي للغة، والتحولات الثقافية هي امر حتمي ولكن عند التعامل معها فان الفارق بين مجتمع حديث واخر متخلف او اقل تقدما هو ان المجتمعات الحديثة تكون على وعي ورغبة في حصول تلك التحولات فهي لا تقاومها لمجرد انها غير معتادة او لكونها مقتبسة من مجتمعات اخرى، وهي بدلا عن ذلك تعمل على ترشيدها وتهذيبها مما يجعلها جزءاً من نسيجها الثقافي. في حين ان المجتمعات  الاقل تقدما تعوزها الثقة بالنفس ويحكمها الشعور بالخوف من كل ما هو جديد.

فضلا عن الشك غير المسوغ وغير المعقول بالاخر. ومن المعروف ان الفئات الاكثر ليبرالية والاكثر ميلاً الى التجديد عادة ما ترفع لواء التغيير، في حين تقود التيارات المحافظة الاتجاه الداعي الى الحفاظ على  القديم والموروث.

ولكي  ينجح اي مجتمع في تحقيق التقدم واللحاق بركب المدنية من جهة والحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع من جهة اخرى فيجب ان تتسم العلاقة بين التيارين التجديدي والمحافظ بالتكامل المبني على اساس اقتناع كل منهما بضرورة وجود الاخر. فحين يدرك المحافظون ان التحديث وضخ الدماء الجديدة في عروق الثقافة المحلية هو الطرق الامثل للحفاظ على الهوية، ويفهم الدعاة الى التجديد ان الكثير مما هو قديم  جدير بالبقاء عند ذلك تتوافر شروط النهضة ويحصل التغيير بسلاسة ومن دون اضطراب مجتمعي او ثقافي.

ايمن المرزوك – بغداد