هموم في كهف

في صباح يوم الجمعة، جاء أحد المنتسبين ونادى بأسمي، فتح الباب، قيدوني وشدت عيناي ، اركبوني في سيارة لا اعرف أين وجهتها ، استمرت السيارة بالسير وبعد حوالي ثلاث ساعات توقفت ، تكلم معي أحد الموجودين عرفت فيما بعد أنه سائق الدائرة بعد نزول المعتمد والحارس المكلف بحراستي، والظاهر انه يعرفني ويعرف عائلتي…

وقال:

–           اذا ما عندك أي شي لا تعترف ، مهما تعرضت الى اساليب التعذيب ، الان ماخذينك للأمن العامة!!!

رفع عصاب عيني قليلاً واعطاني الأمر الذي انا مرسل بموجبه..

 وقال:

– انا نازل الى المطعم وأنت أقرأ هذا الامر !!.

اطلعت على مضمون الامر وفيه…

” نرسل اليكم المتهم (…) والذي يدعي ان مسؤوله فلان(….) حسب التقرير الصادر الينا من احد وكلاءنا  راجين مقابلته مع مسؤوله في التنظيم المنتمي اليه..”.

فهمت الحالة وتهيأت لكل طارئ مستحضراً الاجابة المناسبة . أدخلوني الى التحقيق بعد ان جردوني من كل ملابسي وأنا معصوب العينين قال لي المحقق:

–           لماذا أحضروك الى هنا؟!!

–           لا أدري.

قال لي بعد ان اطلع على مضمون الكتاب المرسل معي:

–           ان الذي تدعي مسؤولك قد اطلق سراحه!!.

–           ما دام الامر هكذا ، اذن هو بريء وانا كذلك ، وان صاحب التقرير هو انسان كاذب!!.

زمجر وصاح بصوت اهتزت له اثاث الغرفة:

– اين معتمد أمن العمارة ، خذوه معكم ، بعدها لكمني على وجهي وأسقط اسناني في فمي ، وبعد انتظار  طويل طبع الامر الذي بموجبه تم اعادتي ، اذ اعطوني ملابسي، أرتديتها وصعدت في السيارة، لكن هذه المرة لم تعصب عيناي انما البسوني نظارة لا ارى من خلالها ، وبنفس الطريقة بعد ان قطعت السيارة ما يقارب الثلاث ساعات نزل المعتمد والحارس الى المطعم، اعطاني السائق الكتاب وقال اطلع عليه وضعه في مكانه وكان المظروف غير مغلق ، رفعت النظارة السوداء وقرأت :

” نرسل اليكم المتهم(…) مع اوراقه التحقيقية ومدة الموقوفية ، والذي يدعي ان مسؤوله (فلان) قد اطلق سراحه ، عليه يعاد الى التحقيق”.

عندما ادخلوني الى التحقيق قال لي ضابط الشعبة السياسية:

–           لماذا تعترف في بغداد ولم تعترف هنا!!

تقابل عليَّ أربعة رجال بالهراوات والعصي الكهربائية حتى اغمي عليَّ.

عدت الى الموقف، همس في اذني أحد المعتقلين وكان حاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية(( ارجعوك للتحقيق لأن مسؤولك معدوم وما دام الامر كذلك انت بنظرهم مدان)) هذا بعد ان استمع الى قصة اعتقالي.

بقيت تحت طائلة التحقيق والتعذيب لمدة خمسة أشهر، ثم وضعونا في سيارة أنا ومن معي بعد ان قيدونا الواحد للآخر، وكانت سيارة ذو ثلاجة كبيرة لبيع المرطبات لغرض التمويه ولا يوجد فيها مفرغة هواء او أي منفذ يدخل منه الهواء وكان عدد المعتقلين كبير اكبر مما يستوعبه المكان، وبعد مرور مدة قصيرة على حركة السيارة شعرنا بضيق التنفس، وبدأنا بضرب رؤوسنا في جدران الثلاجة وارتفع الصراخ بعد ان توفي اثنان ممن معنا بعدها توقفت السيارة فتح لنا الباب واستنشقنا الهواء ثم وصلنا الى الامن العامة، استقبلونا بالضرب المبرح، اودعت بعدها في الزنزانة رقم(29) من مجموعة الزنزانات البالغ عددها(33) مساحة كل منها 2م2 والعدد في كل واحدة منها 30 نزيل تحتوي على بوابة صغيرة في الاعلى تفتح فقط اثناء اعطاء الواجبات، لم يتكلم أي احد مع أي نزيل جديد خوفاً من ان يكون هذا النزيل مخبراً سريا لدائرته او احد ازلام السلطة ، حتى بعد مرور مدة معينة من الزمن، وكان النزلاء معظمهم اصحاب شهادة عليا متفاوتة بين الماجستير والدكتوراه لمختلف الاختصاصات، بعد مضي مدة قليلة قادوني الى ما يسمى بمحكمة (امن اللاثورة) تتكون من ثلاثة اشخاص، رئيس المحكمة ومدعي عام ومحامي صوري، سألني القاضي:

–           هل انت متهم ام بريء !!؟

–           بريء سيدي.

صرخ في وجهي بعد ان رشقني بكلمات بذيئة يندى لها الجبين :

–           اذا كنت بريئاً، فما هذا الكلام الذي في افادتك ؟؟!!.

–           لم ادون أي كلام ، ولم أدل بأي افادة، وان مسؤولي (فلان) كما تدعون. قد اطلق سراحه بموجب الكتاب المرقم( كذا) الصادر من لجنة السلامة الوطنية وما على الحاكم الا النطق بالحكم العادل !! قال:

–           اين رأيت ذلك الكتاب ؟

لم اجبه -اشتد غضباً وقال:

–           حكمت المحكمة على المتهم(…) بالسجن المؤبد الشديد !!! وفق المادة( 156ب) من قانون العقوبات بدلالة المادة(208/2) والمادة (175)!!.

أودعوني في سجن ابو غريب في محجر، سألت أحد السجناء: ما هذا المحجر اجابني (تنتظر فيه الى ان يأتي قرار التجريم وبدون مواجهة )).

بعد مرور خمسة عشر يوماً نادوا باسمي، اقتادوني الى (ق) رقم (1) المغلق وقبل دخولي الباب قرأت لافتة على الباب مكتوب عليها (مخزن بطانيات) وعند دخولي وجدت قاعة فيها عشرين زنزانة مرقمة طول الواحدة (5 امتار) وعرضها (1 متر) وفيها(40) سجيناً، لم يواجهنا احد لأن الحكم الصادر المؤبد الشديد أي لا يسمح بالمواجهة نهائياً، أما الاكل فقليل جداً ماعون بحجم الوسط يملأ بالرز لكل أربعة سجناء وخبزة واحدة مســـــتوردة من الاردن لثلاث وجبات، في كل زنزانــــــــة سماعة يذاع منها كلام رمز السلطة ولا يسمح لأحد بالأكل عند حلول وجبة الطعام الا ان ينهي حديثه حتى ان استمر للصباح، اما نومنا يكون الواحد عكس الاخر هو ما يسمى ( رأس ورجل) وذلك لضيق المكان.

اذا حصل هجوم ايراني يقومون باخراجنا من الزنزانات اثناء الليل وننال العقاب البدني بالسياط وكذلك في المناسبات الدينية، علماً ان باب الزنزانة لا يفتح الا في حالة اخراج متوفي او للتعذيب، استمريت على هذه الحالة لمدة(7) سنوات ، لا أرى النور مع صيف حار جداً وشتاء بارد جداً، اما علاج الجوع فهو الصوم، وتسلحت بمعرفة العلوم الاسلامية ولاسيما الفقه الاسلامي واللغة العربية على يد الاساتذة وأصحاب الشهادات المعتقلين. بعد توقف الحرب مع ايران، سمح لأهلنا بالمواجهة، وأول من واجهني والدتي، سألتها عن والدي وتبين انه أسير عندما الحقوه لما يسمى ب (الجيش الشعبي!!) اما اخي البالغ سبعة عشر عاماً فقد غرق في نهر دجلة، مصدر رزقنا الوحيد هو ما تحصل عليه والدتي من بيع الخبز ، ثم جاء والدي لمواجهتي بعد ان اطلق سراحه من الاسر، اطلق سراحي في العام 1991 عند صدور العفو العام بعد ان قضينا في المعتقل ما يقارب احد عشر سنة وها أنا امامك.

 مسحت الدموع من وجهه الخالي من أي تعبير وقلت له:

–           هل تغيرت مشاعرك تماماً ، اثناء التعذيب ، بحيث تقول افعلوه لشخص غيري ولا تفعلوا لي؟

–           ابداً.

–           هل هددوك بشيء لا تستطيع الوقوف بوجهه اثناء التعذيب؟

–           نعم ، لا استطيع الادلاء به الان !!، اصبح كرهي للحياة يزداد مع كل مدة تعذيب، لأنني اموت فيه ، ثم ابعث من جديد مستيقظاً بظهر محطم، انظر الى من حولي بعيون هامدة فأرى الوجوه قد انطفأت فيها الحياة، مثل اشباح تتلاشى مع حلول الفجر، ذات يوم وبعد مدة تعذيب جالت في رأسي ، من غير دعوة، ذكرى قديمة ، لبيتنا الصغير وانا طفل ابن العاشرة، كنت اجلس على الارضية واطلب الحلوى قبل الفطور بعكس الأطفال اللذين يطلبونها أثناء النهار، وعندما احصل عليها أضحك باهتياج، انها لحظة استرخاء فارقة، فيها الاحساس المزعج  للأكل بشراهة، تذكرت ذلك اليوم جيداً كنا سعداء رغم العوز المادي ، الا أن لقمة العيش التي نتناولها حلال، من كد أبي ، كنت العب مع اخوتي الصغار نجلس على الارض لنلعب من دون الاهتمام الى ما يحيط بنا، نلعب ونضحك، إلا أني كنت متهوراً، أصرخ واضحك في ان واحد واندلعت الحرب وانتشرت الاخبار في الشارع كالسحر، إذ كانت هجوماً مفاجئاً للدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي، في الداخل تم القاء القبض على معظم الشباب الذين يدينون بالولاء للدين وفي الخارج هجوم مفاجئ على المنشآت الحيوية للطرف الآخر وتحطيم مؤخرة جيشه، عندها أدركت ان كل شيء جرى كما كان مخطط له.

نهض من مكانه بعد ان اتكأ على كتفي..

 ثم ودعني قائلاً :

–           لم نعرف فيما بعد .. ماذا تكون اخبار حياتنا، هل هو نصر أم هزيمة؟؟!!.

 رحيم حمد علي – العمارة