شهرزاد في أرض السواد (1)
نص مسرحي من فصل واحد .. الحوار افتراضي لان الزمن مختلف ، متعاكس يحاكي الواقع الذي يعيشه العراق الآن بمنظار نقدي وبحوار مسرحي وسردي.
شخوص المسرحية : الملك شهريار .. الراوية شهرزاد .
المكان : واجهة كبيرة يتوسطها سرير كبير ، الزينة والأبهة تبدو عليه وفي مقدمته أريكة يجلس عليها شهريار، يحيط بالملك الحرس والخدم والجواري يلبون له ما يحتاج في التو واللحظة .. تقف الى جانبه شهرزاد وهي طوع أمره أيضاً .. هناك حوار شعري ..
شهريار :(متمدد على الاريكة وهو يقضم الفاكهة في فمه) : ها .. ياشهرزاد ماذا عندك هذه الليلة من حكايا ..؟ فانا في شوق متجدد ولهفة وسأصغي لما تقولين ..
شهرزاد :(الليلة تبدو بابهى صورة وبدت جميلة جداً وهي تجذب ملكها وتأسره بنظرات ساحرة وهي تتقمص دورها بدقة وتجره الى ما تريد) ..!
شهريار :(في شوق) .. هيا دعيني أبحر في عالم حكاياتك المشوقة ..
شهرزاد :(حريصة على أن لا يمل الملك من حكاياها ويطلب المزيد) : على السمع والطاعة يا مولاي .. (بلغني ايها الملك الرشيد .. ذو الرأي السديد أن طائراً حملني بعيداً واخترق حاجز الزمن ..! وتقدم مئات الاعوام وحط بي في أرض السواد .. بلاد وادي الرافدين..
شهريار :(أعتدل في جلسته وتكلم بلغة ودودة) : كلامك ساحر ويشدني وأحسب أني أطير معك ..
شهرزاد :(تتابع) .. هذه البلاد يعتريها من الحزن الكثير ولا ينتهي الا بانتهاء الطغاة الطامعين الذين يضمرون لها الشر والحقد .. يبغون قطع جذورها .. وتستغيث وأحبابها لاهون عنها ..!
شهريار :(يهب واقفاً مستنكراً ما سمع) بغداد حاضرة الدنيا .. قبلة العلماء .. مستودع الفكر والأدب والحضارة ..
شهرزاد :(تستأذن وتسترسل في الحديث) .. ايها الملك الرشيد .. أن أقواماً يطلق علهم الهنود الحمر قد تسيدوا العالم واصبحت بلاد العرب مباحة لهم .. احتلوا بلاد وادي الرافدين .. وجاءوا بأناس يحكمون البلد ، لم يعرفهم أحد من قبل يقال أنهم يمثلون الطوائف والملل في العراق ..!
شهريار :(مقاطعاً .. ينهض مستنكراً ما سمع واستل سيفه ليقطع ما سمعه من كلام ويبعثر هذه المخاوف !
…(صوت بعيد ينادي) من خلف كواليس المسرح لشخص أومجموعة..
قطرات دجلة .. تناديني ..
اغتسل في ضوئها
علها يوماً .. ترويني ..
سحر .. بلور .. واشرعة
تلف روحي وتحييني …
انهض قبل فجري .. اوقظ النوم
مبتسماً .. لعل يوماً
يا قطرات نهري .. تواسيني …
استجمع الآهات والطين
أملاً بضوءٍ .. ينجيني …
قم واغترف .. ضوءاً
وسارية .. وأشرع
الى نجم سيهديني …
شهرزاد :(تتابع في خوف من قطع رأسها) .. أثناء ذلك ظهرت يا مولاي .. أمراض يطلقون عليها انفلونزا الطيور والخنازير وأحسب أن الهنود الحمر جاءوا بها .. ولكن برغم ذلك استطاع العلماء ايجاد مضاد للقضاء على هذا المرض ..
(أطرقت شهرزاد برأسها .. وهي تكمل حكايتها ..)
ولكن هناك امراضاً مستعصية انتشرت في الضمائر ويطلقون عليها آفة الفساد الاداري والمالي والكل ينادي بالقضاء عليها .. أما الحقيقة .. الكل يحتمي بها ليحقق مكاسب منها ولديمومة بقائه في التسلط ..
شهريار :(صاح محتجاً وغاضباً بلهجة الأسف) أين القضاء في ذلك ..؟
شهرزاد :(وهي تحاول الاجابة على سؤال الملك .. ولكنها تواصل) .. أيها الملك الرشيد .. الآفات كثيرة واكثرها فتكاً .. هناك الطائفية التي أكلت من الارواح الكثير وتستمر المعاناة حتى يقال أن بلاد الرافدين أصبحت في مقدمة البلدان التي توفر الاجواء المناسبة لهذه الافات الفتاكة لكي تتكاثر وهنا ارادت شهرزاد أن تهون على الملك هول ما سمع .. وارادت أن تلاطفه بعض الشئ باخبار مسلية وهي تقول :
يا مولاي (وهي تضحك) : لفت نظري وجود عبارة (نشوي الكباب للعوائل) وكذلك (نبيع الرقي على السكين) ..! خدمة متطورة للأهالي .. أحسب إنها تخفف من معاناتهم ..
شهريار :(يتسأل بحسرة) كيف يجري هذا.. هل أن أهل النهرين نائمين؟
شهرزاد :(تقاطعه بلطف): مولاي.. دعني أقص عليك ما رأيت أيضا الأهالي منقسمين فيما بينهم ليس في أمور السياسة وإنما عندهم رياضة يطلق عليها كرة القدم عبارة عن شيء مدور يركض وراءه شباب وهم يتقاذفونها يميناً وشمالاً والشعب يناصرهم والأدهى من ذلك هؤلاء الذين يلعبون الكرة ليسوا من أهل البلد وإنما هم من الافرنجة الأسبان من (ريال مدريد وبرشلونة) وشعب بلاد وادي النهرين يعادي احدهم الآخر حتى داخل البيت الواحد.!
(ظهرعلى الملك شهريار الامتعاض من سوء ما سمع من أخبار غير سارة عن بلد أحبه كثيراً .. كيف وصل الحال الى القطيعة بين أهله ويتخاصمون فيما بينهم) ـــ
شهرزاد :(قطعت على الملك حيرته وتساؤلاته وقد أحست بالتعب واستأذنت الملك باستراحة قصيرة .. أصوات تنادي شهرزاد وهي مستلقية قطرات من دجلة
ترقرق خديها
تلمس شفافها
وتنام في عينيها …
دجلة .. يسترق الأحرف
يشرب من كفيها …
يتلجلج الضوء
قوس قزح
شذرات شمس
قمر يلوح
نجم يبوح
اسراء عشق منها .. واليها
انهض يا مائي
ويا كفي .. ويا قزحي
فقد تكسر قوسي
وتبعثرت أشرعتي
(شهريار يقف متحيراً وينتظر الى ما تؤول إليه حكاية دجلة
ويأمر شهرزاد ان تكمل..
شهرزاد :(تنهض بتثاقل وتسير خطوات قصيرة وتقترب من الملك وتتابع)
مولاي أيها الملك الرشيد .. أما عن أحوال حاكمي البلد , فبأمكان الوزير أن يزعل على الحكومة ويترك منصبه تضامناً مع عشيرته أو كتلته ولا تهمه الرعية .. ولكن الحق يقال ..! يحق للوزير الزعلان الرجوع متى شاء وهو في اجازة مفتوحة ويفسرون ذلك بالديمقراطية وحرية التعبير.. إنهم أجسام غريبة لا تحس بمعاناة الناس ثعبث بالمال العام .. إنهم من عالم آخر ربما يوماً سيعودون الى كوكبهم الذي جاءوا منه..!
شهريار :(وقد بدأ اليأس يدب فيه ولا أمل في الإصلاح ابداً)
ويقول : الا من رجل يقول الحق بما يجري .. هل خلت البلد من رجالها ؟
شهرزاد :(وقد أحست بأنها قد عكرت مزاج ملكها.. ولكن لابد من التواصل) .
أيها الملك الرشيد بلغني إن قرية كانت تنعم بالأمن والأمان إلا أن جاءها (قدري) ومن معه وشاهد البقرة ومن هنا جاءت المقولة قدري يقود بقرتنا .. الطامعون بخيراتها يتنافسون فيما بينهم ليظفروا بها ويتمسك قدري بحبلها وهو اقوى المتخاصمين .. ولو استقرت هذه المسكينة على رجل يقودها ويرعاها فستعود بالنفع على أهل القرية جميعاً وهي المصدر الوحيد لميزانية القرية ..! يجرونها نحو مصير مجهول وهي مطيعة لهم لا حول لها ولا قوة ..
شهريار :(يسير بخطوات متثاقلة وهو يترقب بحذر الحوادث)
شهرزاد :(تتابع) وأصبح حال البقرة لا يسر عدو ولا صديق , فبعد أن كانت تأكل من حشائش قريتها وتشرب الماء العذب من نهرها .. أصبحت ألان تأكل القليل من المستورد من القرى المجاورة والبعيدة .. وأهل القرية المتخاصمون فيما بينهم تركوا النهر الذي يشربون منه فقد أصابه الجفاف بسبب الجيران الملاصقين للقرية..
واجبروا على شرب الماء بقناني (صحية ونقية) ومن الجيران الملاصقين !
شهريار :(ينظر الى شهرزاد وهي تنظر اليه وتواسيه) .
شهرزاد :(يبدو إنها قد عطشت أو اشتاقت لدجلة وأخذت شربة ماء من قدح موضوع على طاولة .. وهي تتابع) المتخاصمون يحلبون البقرة من دون عداد ..! لا يعلم أهلها بكم يباع حليبها ومشتقاته .. وصغار القرية جياع مشردون والأمراض قد نخرت أجسادهم لأنهم لا يشربون من حليب بقرتهم التي كانت تحميهم من الامراض التي تأتيهم من قرى مجاورة تريد الشر وتضمر الحقد .
شهريار :(ينظر الى ما تقوله شهرزاد بالم وحسرة لما آلت اليه الامور .
شهرزاد :(تحاول أن تهون عليه الامر .. وتعتذر منه بلطف ..)
شهريار : لا عليك ياجميلتي .. (يتمالك نفسه ويجدد الشوق والرغبة لسماع المزيد) تابعي ..
شهرزاد :(تتناول قدحاً من شراب تبل به ريقها …) الارض اصبحت جرداء والتصحر بدأ يزحف عليها بسرعة وما عادت أرض السواد ، بل اصبحت أرض الرايات السود التي تنعى ضحاياها كل يوم .. المتخاصمون طلبوا من قدري أن يقود البقرة .. لم يستجب لهم لانهم طامعين بخيراتها ويريدون تقسيمها والانتفاع من لحمها وجلدها وبيعه الى قرى الجوار ..! ولكن أين البقرة من ذلك فهي هزيلة والجروح تلف جسدها واصبحت جلد وعظم ..!
محمد بدر – بغداد
AZPPPL
























