تاج وقلادة تزيّن المشهد الثقافي جائزة العنقاء
لا يزال الهم الثقافي يقض مضاجع كثير من المثقفين والمهتمين بهذا الشأن ، وهو رغم خصوصيته الذاتية على نطاق الفكرة إلّا أنه خضع رغم تحصنه لعوامل التأثير والتأثر . ونظراً لأنّ القضية تدور في محور الحراك والإبداع ، فإننا بإزاء مفهومين متقاربين دون تماهٍ ومتميزين دون تضاد في مقاربة أولية بأن الحراك والإبداع الثقافي هو تعدد الرؤى والأشكال والأنماط التعبيرية التي تسعى في سبيل إثراء المعرفة وتعدد روافدها .
وهذا مما حدا بلجنة جائزة العنقاء الذهبية الدولية في إطار ذكراها العاشرة أن تقيم احتفالية قُرّرلها منتصف آب/ أغسطس المقبل .
كانت البذرة الأولى في 15/6/ 2003م وهو العام الذي افتتحت فيه دار القصة العراقية (محج الأدباء العراقيين) والتي تأسست يوم الثلاثاء 2/11/ 1999م ، بعد أن أغلقت بقرار رسمي يوم الأحد 1/9/2002م من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وبأمر من الحكومة العراقية قبل سقوطها. وتضامناً مع دار القصة العراقية التي صمدت أمام التحديات تم تأسيس وتسمية جائزة العنقاء الذهبية الدولية ، لتكون مثل طائر العنقاء الذي يولد من رماده من جديد . كما أنّه في ذلك العام تم تكريم الروائي العالمي يشار كمال لتتوالى الجوائز ومهرجانات التكريم على مرّ تلك السنوات وتشمل مبدعين في مجالات ثقافية متعددة من شتى أنحاء العالم والوطن العربي .
وإلى هذا العام 2013م والذي تكون فيه العنقاء قد أكملت عقدها الأول ، والعنقاء الجائزة وذلك المهرجان الذي حمل الهمّ الثقافي ليحصد ابداعاً تشرق به وجه الجائزة التي تقدّم للمبدعين اسهاماً في تقدير وتقييم الإبداع ، في زمن تضاءل فيه الاحتفاء بالثقافة وانتاجها بل تحوّل الحال فيه إلى محاربة المبدعين ومحاولة تدجينهم للمصالح السياسية والفئوية والجهوية بمختلف أنواعها ولخدمة توجهات معينة .
وقد كان لنجاح الجائزة التي عمّت سيرتها الحسنة الآفاق ، ضريبة كبرى تمثلت في الاختراقات السلبية من أعداء النجاح ، ولكن واجهت أسرة العنقاء المترابطة والمكونة من شخصيات وطنية وثقافية مستقلة وغير حزبية أو فئوية ، كل ذلك بثقة كبيرة لتعكس أحد أوجه التعامل الإنساني الشفيف . كانت وما زالت لجنة أسرة العنقاء تعمل دون منّ ولا أذى باذلة في سبيل الارتقاء بالثقافة أحد نماذج الإيثار والإخلاص وحب العمل ، منتصرة للحضارة الإنسانية في أفولها بانتصارات جديدة .
ليس المطلوب هو أحد المستحيلات ، فقد أوضح الأستاذ الأديب محمد رشيد مؤسس الجائزة في مقالته الافتتاحية لهذا السِفر أنّه “وبعد هذا الزخم من النشاطات المثمرة التي صبت جميعها في رفد هوية العراق الثقافية والإنسانية وسعة المنجز الإبداعي الفكري بجميع البلدان وشعوبها نتمنى مخلصين من كل مبدعة ومبدع اقترن اسمه بالعنقاء فضلاً عن دور مؤسستنا في تحقيق ما سنشير إليه هنا اسهاماتهم بالطريقة التي يرونها مناسبة في تحقيق الآتي من التطلعات والأماني :
(أولاً) الاستمرار على هذه المحبة والتآزر وتقوية أواصر أسرتنا (أسرة العنقاء) بالتواصل الثقافي والاجتماعي .
(ثانياً) حمل هويات العنقاء وجوائزها من كل المبدعات والمبدعين الذين منحوا جائزة العنقاء منذ تأسيسها عام 2003 (ثالثاً) إبداء الاسهام التي يرونها مناسبة من أجل طبع كتب المكرمين بتخفيض من خلال تعاون مبرم مع (دار الفارابي للنشر) في بيروت .
(رابعاً) التضامن الاجتماعي لتأسيس صندوق لمؤازرة أعضاء العنقاء في محنهم يكون تحت إشراف شخصيات ثقاة مثل الكاتب جاسم المطير وعبد الواحد محمد قاسم حسين صالح والشاعر عيسى الياسري .
(خامساً) تكليف عدد من المحامين من أسرتنا للوقوف والدفاع عن أعضاء العنقاء في حل قضاياهم .
(سادساً) احترام الرأي الآخر غير المتفق مع العنقاء من كل من عارض نشاطاتنا وربما هاجمنا سواء لسبب مقبول سهونا فيه أو أخطأنا عن غير قصد أو بدونه والاستمرار بأرشفة ودراسة كل ما وردنا منهم سواء عن طريق النشر أو ما قدم بحقنا (كتقارير مضللة) من شكاوى أو غير ذلك منذ عام 1999 إذ نسعى بذلك من أجل تصحيح مسيرتنا الثقافية والإنسانية إيماناً منا بـ(احترام الرأي الآخر) كيفما كان ومن أي جهة صدر .
(سابعاً) التعاون معاً لتسهيل مهمة الحضور والاحتفال بهذه المناسبة (إطفاء الشمعة العاشرة لجائزة العنقاء الدولية) في منتصف شهر آب المقبل في مدينة العمارة ضمن كرنفال مهيب يليق بأسرة العنقاء لتحقيق برنامج ثقافي متميز وتكريم رموز ثقافية أخرى .
وهذه البنود المذكورة هي تذكير لأنّها من أساسيات ما تعمل به أسرة العنقاء بالأساس . ويشمل ذلك ضرورة الاهتمام بالواقع الثقافي ، ولأنّه لن ينفع التأسي على حال الثقافة ، فالواجب إذن رعايتها ورعاية المبدعين كي تعمل منتجاتهم الإبداعية كموصل وناقل معافى ووسيلة خطاب راقية للثقافة وكل ما يرتبط بها . فنحن أمة كثر نعيها لحضارتها ومنجزاتها الآفلة في ذاتها والتي تم بها تدوين التاريخ العربي قديمه وحديثه ، درره وانتصاراته وانتكاساته . فقد جاء الوقت الآن للاحتفاء بالانجازات وإضاءة شموع كثيرة بدلاً عن لعن الظلام .
وهذه الشموع العشرة من أجل أن تبرز مظاهر الثقافة بمعناها الإنساني لأنّ سقوطها اليوم بين أيدينا يُعد فشلاً ذريعاً لنا وللثقافة الجامعة التي شكّلت الوجدان الإنساني لكل من اختلطت أعراقه واندمج مجتمعه في مجتمعات أخرى مغايرة ومختلفة في خصائصها الثقافية الأخرى .
هذا العقد من الزمان هو ما قوّى الجائزة ضد التخاذل والاستسلام عندما استسلم جزء من مجتمعنا لثقافة التسطيح والإبهار الفارغ ، والجزء الآخر استسلم لأهداف الإعلام الموجه الذي أخذ يشكّل المتلقي كما يريد فيصوغ أفكاره ويوجّه رأيه ويدفعه لتبني آراء لا تمت إلى واقعه بصلة . وهي حافز ومشجع للانفتاح على الآخر بالشكل الذي يصوغ ثقافة الإنسان ويسهم في تقبل الآخر المختلف ، وذلك باحترام ما لدينا والاحتفاء به .
إنّ الاعتزاز بعمل كهذا دون تشدد ومغالاة يعيد الاعتبار للمكونات الثقافية في خصوصيتها كما في انفتاحها على الآخر . كما أنّ مهرجان العنقاء وجوائزها المختلفة تضع أبطال الحراك الإبداعي والمستحقين لأن يذكر الناس ما قدموه ، في مكانهم اللائق . ونظراً للمتغيرات المحلية والعالمية التي تحتّم على الإنسان أن يسايرها دون انجراف إيماناً منه بسنّة التطور فإنّ هذا النوع من الاحتفاء يسهم في الانفتاح على ثقافة كونية أكثر تأثيراً وتصالحاً مع الذات بالتصالح مع الآخر .
منى عبد الفتاح – السودان
AZPPPL
























