أسماء في القرآن الكريم

أسماء في القرآن الكريم
بابــل في اللغة والتاريخ ومدين أكبر من تبوك
محمّد رجب السامرّائي
بسبب ورود بابل في حادثة السحر والملكين وسليمان عليه السلام وبسبب الأخذ من روايات بني إسرائيل والقصص الأولى وبسبب ما يحكيه الناس من أساطير حول السحر والسحرة وأعمالهم المخيفة وبسبب النقل أيضاً من مؤلفات اليونانيين والرومان الذين كانوا يجمعون أعاجيب الشرق وقصصه، أصبح لبابل ذكرا كثيرا في كتب التفسير والتاريخ والجغرافية اختلطت فيه الحقائق بالأباطيل وتغيرت فيه الثوابت وأضيف إلى وصف بابل العديد من الخيالات لدرجة تبعد عن الواقع التاريخي الذي تأكد بمرور الزمن نتيجة للتطور في الاستكشافات الآثارية وظهور العديد من النقوش والكتابات البابلية التي أماطت اللثام عن الواقع التاريخي للمدينة العظيمة. وقبل الخوض في حقيقة بابل وباطلها سوف نفسر الآية حسب الرأي الراجح البعيد عن الأساطير والحكايات، يقول تعالى في سورة البقرة»102 واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر .
لقد تباينت روايات وآراء وأقوال المفسرين والرواة والمؤرخين والجغرافيين في تحديد موقع بابل ودورها السياسي والعسكري والديني ومعناها اللغوي. وسوف نتطرق إلى تلك الأقوال محاولين نقدها وتقويمها ثم سوف نتحدث عن تاريخ بابل ومعنى الاسم اللغوي لبابل كما هو معروف من المصادر والسجلّات القديمة سواء كانت في بلاد الرافدين أو خارجها.
وذكر كثير من المؤرخين أن بابل المعنية في الآية قد تكون في العراق أو هي نهاوند أو هي نصيبين بل وضعها البعض في بلاد المغرب. وبلا شك إن كل التحديدات التي تخرج ببابل خارج بلاد الرافدين هي تحديدات غير صحيحة ولا توجد في بلاد المغرب أو المشرق مدينة مشهورة ببابل سوى بابل بلاد الرافدين. بل اسم بابل يعني منطقة أكبر من مدينة بابل نفسها، تحتوي على عدد من البلدات والقرى.
كذلك أرجع عدد من الرواة المسلمين تسمية بابل إلى رواية مفادها انه بعد أن توقفت سفينة نوح على الجودي خرج منها نوح وأتباعه وابتنوا ثمانين بيتا، فلما كثروا ابتنوا بابل، فكثروا فيها حتى بلغوا مائة ألف، وملكهم نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح، فردهم عن الإسلام، فأمسوا وكلامهم السريانية، وأصبحوا وليس منهم مخلوق يعرف كلام صاحبه، فتبلبلت ألسنتهم وهذه الرواية يبدو عليها الانتحال نظرا لأن راويها ابن الكلبي وهو ضعيف، بل متهم بالكذب. وفي رواية مشابهة رواها داود بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أن نوحاً عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودي ابتنى قرية سماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربي.
ومدينة بابل، مدينة عريقة تقع على نهر الفرات، وتبعد عن بغداد90 كم جنوبا، وهذه المدينة تقع بالقرب من أضيق منطقة يتقارب فيها نهرا دجلّة والفرات. ولموقعها أهمية كبيرة فهي في وسط بلاد الرافدين بصورة عامة، وتقع في مناطق يتركز فيها العمران والسكان والزراعية، ولها مناعة جغرافية وطبيعية.
ونشأت في المدينة أسرة عرفت بالأسرة البابلية الأولى، أسسها الملك سمو ـ أبوم1894 ـ 1881 ق . م، ويعدّ حمورابي 1792 ـ 1750 أو 1728 ـ 1686 ق. م من أشهر ملوك الدولة البابلية الأولى، وهو كذلك من أشهر الحكام في التاريخ القديم. ونالت مدينة بابل حظا وافرا من الاهتمام حتى فاقت كل عواصم بلاد الشرق المعاصرة لها، وأصبحت محط إعجاب الجميع ومرتعا خصبا للأساطير والقصص والحكايات. وقد سقطت الدولة البابلية الأولى على يد مورسيليس الأول 1620ـ 1590 ق.م أحد أشهر ملوك الحثيين. ثم نشأت في بابل الدولة الكاشية أو أسرة بابل الثالثة 1595 ـ 1157ق. م، والكاشيون في الأصل من قبائل هندو ـ أوروبية، جبلية، سكنت شرق بلاد الرافدين. تمكنوا من فرض نفوذهم على بلاد الرافدين مدة حوالي 576 سنة.
وقد أخذ اليهود تعاليم السحر والشعوذة من بابل التي اشتهرت بهذا في عصورها المختلفة، ووضع البابليون قوانين لعلم السحر والشعوذة الذي كانت له مكانة عالية في النفسية والعقلية البابلية والشرقية في العصور القديمة، كذلك عرف البابليون السحر البيض النافع والسحر الأسود الضار، وعبدوا آلهة مخصصة للسحر لدفع الضرر وجلّب الخير ومقاومة الأرواح الشريرة مثل الربة أيا وابنها الإله مردوخ. وكان السحر يتمتع في المجتمع البابلي باحترام لم يكن يخلو من الخوف والحذر. وكان رجال الكهنوت من المرتبة الأولى لرجال الدين يقيمون طقوسا خاصة بذلك وتؤدي كذلك صلوات وتراتيل. ويلعب الشياطين دورا بارزا في السحر، وكان الساحر يقارع الشياطين الشريرة الضارة، بدعم من الإله مردوخ، وقد استخدم البابليون السحر في الطب وشفاء الأمراض.
أرض مدين
مدن في اللغة تعني الإقامة بالمكان، ومدين اسم أعجمي، وإن اشتق من العربية فمعنى ذلك أن الياء زائدة وهم ولد مدين أو مديان بن إبراهيم من امرأته قطورا، وكان قد اتخذها لنفسه مسكنا فنسبت إليه. وقد عاش مدين عمراً طويلاً، وتزوج امرأة من العمالقة فولدت له أربعين بنين، ونسلوا، فكثر عددهم في حياة مدين نفسه. ويرى أنه أمرهم ببناء مدينة حصينة سموها مدين.
وتقع أرض مدين في الشام تلقاء غزة، ليست بعيدة عن ارض معان، وهي قريبة من بحر القلزم ــ الأحمر ــ على بعد 73 كم. وكان بينها وبين مصر ثمانية أيام، كما بين الكوفة والبصرة. ويمتد ساحل مدين على طول خليج العقبة لمسافة حوالي 200 ميل إلى الجنوب، ومن رأس الخليج إلى الشمال نحو 36 ميلاً، وهو ساحل متعرج. وعلى هذا الساحل تقع المدينة القديمة لمدين، والتي سماها بطليموس ويوسيبيوس موديانا ومودونا ولعلها هي مودين الواردة في سفر المكابيين الأول.
ومدين أكبر من تبوك، وتبعد عنها 220 كم، وهي على العموم تقع على تخوم الحجاز الشمالية مع بلاد الشام. أما المقريزي فيجعل مدين من أرض مصر وليس من أرض الشام. والبعض جعل مدين تقع بين منطقة شاسعة تمتد بين طور سيناء ونهر الفرات. واعتبر البعض أن مدين من أعمال المدينة المنورة، وتابعة لها. وعلى حسب تحديد العهد القديم فإنّ المديانيين قد بنوا مستوطناتهم إلى الشرق من الحافة الشمالية للبحر الأحمر على طول خليج العقبة. وقيل إنّ مدين اسم عربي لما كانوا عليه.
كذلك قيل اسم بلد وجعل أسماء للقبيلة، وهو الأرجح. وقال البعض إنهم هم أصحاب الأيكة ويقال إن بلدة البدع الحالية تشغل ما كان يعرف بمدين. وهذه البلدة تقع إلى الغرب من تبوك، على بعد 220 إلى 250كم، وتقع إلى الشرق من خليج العقبة، على بعد 70 كم ، وبها مكان يعرف بمصلى شعيب، وآثار نبي الله شعيب المعروفة بمغاير شعيب، وهو موضح فيه آثار ومجموعة من القبور القديمة.
ويروى بأنّ مدين هي قرية كفر مندة الواقعة بين طبرية وعكا، وبها البئر الذي استقى منه موسى عليه السلام، ويقال بأن بها قبر صفورة زوج موسى، وفيها ولد ولدان ليعقوب، يقال لهما أشير ونفتالي. ويقال إنّ في بادية طبرية عدد من قبور الأنبياء كشعيب عليه السلام ولا شك هذا التحديد بعيد عن الواقع التاريخي، نظرا لأنه يجعل مدين في أرض الشام بعيدة عن سيناء حيث لجأ موسى فارا من فرعون وحيث وصل وقومه بعد ذلك، وتاهوا في الصحرّاء.
وذكر البعض أن ملوك مدين الذين هلكوا يوم الظلة هم أبجد أو أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت. وإن أخت كلمن قالت شعرا ترثي أخاها. وقد كان أبجد يحكم مكة وما ولاها من أرض الحجاز، وهوز وحطي بأرض الطائف، وكلمن وسعفص وقرشت بأرض مصر أما بخصوص الشعر لا ندري كيف وصل إلى الرواة مع الفارق الزمني الشاسع بين مدين وبين فترة رواية الشعر، كما أن الشعر مروي بكلمات عربية فصيحة،ربما لا نعرف الصلة بين لغة مدين واللغة العربية المعروفة إضافة إلى أن أسماء الملوك هي عبارة عن حروف الهجاء في عدد من اللغات السامية كالعبرية والسريانية. ولقد كان المديانيون قوما تجارا، يتاجرون بالذهب والبخور مع اليمن، وبعضهم كانوا بدوا قاموا بمهاجمة بني إسرائيل في فلسطين في عصر القضاة.وسكن فرع من المديانيين بالقرب من جبل سيناء.
وقد أطلق عليهم بعض المؤلفين أرومان واليونانيين لفظة أي عرب أو بمعنى ىخر بدو على سكان مدين من الإسماعيليين والمديانيين ولهذا قال البعض إن المديانيين عرب. وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم سرية إلى مدين أميرهم زيد بن حارثة فأصاب سبياً منهم. وقد استقرت قبيلة جذام في أرض مدين ولذلك يقال إن شعيباً عليه السلام أحد بني وائل من جذام. ويذكر بعض النسابة أن جذام من ولد يعفر بن مدين بن إبراهيم، ويوردون حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه لوفد جذام مرحبا بقوم شعيب وأصهار موسى ولا تقوم الساعة حتى يتزوج فيكم المسيح ويولد له والوضع في هذا الحديث ظاهر بين، خاصة أنه من مرويات ابن الكلبي، وهو تالف، ولا تقبل رواياته. كما أنه يتعارض مع الحديث الحسن الذي يرويه الترمذي عن فروة بن مسيك المرادي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن جذام من نسل سبأ، الذين هاجروا من اليمن واستقروا في الشام كما أنه في السيرة لم يرد ضمن الوفود ذكر وفد قبيلة جذام، سوى قدوم شخصين أحدهما وفادة رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامي الذي ذكر بأنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عبدا والثاني فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي الذي بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وأهدى إليه بغلة بيضاء وفي الروايتين علل الانقطاع وضعف الإسناد، فبالتالي فالروايتان ضعيفتان إذن فإننا لا نرى نسبة أو علاقة بين جذام ومدين خاصة أن السابين والرواة ذكروا أن مدين من نسل إبراهيم عليه السلام، وليس من نسل سبا وقد نسب الرواة جذام إلى جذام عمرو بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن غريب زيد كهلان بن يشجب ويقول المقريزي إنّ مالك بن دعر بن حجر بن جديلة بن لخم كان له 24 ولدا ذكرا، كثرت أولادهم حتى بنوا المدائن والقرى والحصون وعمروا بلاد مدين كلها وغلبوا على بلاد الشام ومصر والحجاز وغيرها 500 سنة وإن ملوك مدين استولوا على مصر مدة 500 سنة بعد غرق فرعون موسى وهلاك دلوكة بنت زفان حتى أخرجهم منها سليمان عليه السلام وبالتأكيد أن هذه القصة تناقض حقائق ووقائع التاريخ.
كما أشار المقريزي أيضا أنه كان بأرض مدين عدة مدائن قد باد أهلها وخربت وبقي منها إلى أيامه حوالي عام 825هـ نحو الأربعين مدينة قائمة، منها ما يعرف اسمه ومنها ما قد جهل اسمه.
وفي موضع مدين اليوم العديد من الخرائب وإلى والآثار الدالة على ازدهار المنطقة في عصور سابقة، وتشهد على ما مرت به من أحداث وتطورات وتشمل الآثار مبان وبقايا قصور ومعابد وقبور وأدوات فخارية ومعدنية وحجرية. ويقال إن في أرض مدين كهف كان يأوي إليه شعيب عليه السلام، وفيها جبال كثيرة وفيها كهوف ومغارات تحت الأرض، فيها عظام بالية عليها رواسخ مبنية، وهم قوم شعيب عليه السلام الذين أهلكهم الله تعالى. كما أن مدين شهدت عددا من الدول والممالك والأحداث التاريخية، وقال تعالى في سورة الأعراف»85 وإلى مدين أخاهم شعيبا .
AZP09