من واقع حياتنا (2)

من واقع حياتنا (2)
يوم وليلة في مواجهة الموت
دخل عليّ شخص وكان حديثه معي سلسا وقال: أكيد انت بلا طعام هل تريد شيئا فقلت له: نعم ارجوك اريد شربة ماء.. فقال: ليس عندنا ماء هنا ولكن أحاول الحصول على شيء منه وخرج وعاد لي حاملا (دولكة) من الماء ما ان وضعتها بفمي حتى احسست انه ليس ماء وانما شيء غريب وطعمه غريب وليس به من البرودة شيئا فاوجست خوفا من شربه وكنت اعتقد ان به ما يجعلني افارق الحياة ثم دخل عليّ ثانية وناولني سندويتشا من لحم الدجاج وعليه سكائر وكنت بلا طعام من ظهر الامس فتناولت السندويتش ثم قالي لي: اعذرني هذه (الدولكة) كان بها بقايا من اللبن ووضعت لك بها بعض الماء فشكرته واطمأن قلبي وشربت منها ما يروي ضمأي ثم دخنت من السكائر ما يشفي غليلي وعاد الشخص نفسه ليقول لي: يجب ان لا يعلم احد بأنني قدمت لك طعاما او شرابا وعندما تسمع ان المسؤول قد جاء ما عليك الا ان تصرخ وتستغيث من شدة الضرب فهذا كان من واجبي ان افعله معك ثم ربط وثاقي وتركني لوحدي من جديد.
ان ذلك السكون الرهيب الذي كان يحيط بي جعلني اذهب بافكاري بعيدا الى ذكريات عشتها انا واطفالي وانا وزوجتي وكنت احاول ان ارى صورة كل منهم امامي وقلبي يعصره الالم حتى سمعت لغطا ووقع اقدام فاصبحت اصيح واستغيث ولم تكن اسغاثتي تمثيلا وانما كنت اظهر كل ما بداخلي من لوعة والم ودخلوا عليّ وقال احدهم وعلى ما اظن كبيرهم: هل اعترف بشيء؟ فاجابه الثاني: لا.. يقول ما عندي شيء لاعترف به، فقال كبيرهم: اسمع نحن لا نريد منك شيئا سوى ان تأتي برتل للأمريكان الى هنا. فاجبته: وكيف لي ذلك فعاد ليقول لي: انت على اتصال بهم وهذا بامكانك وان فعلت ذلك نطلق سراحك وأكدت لهم من جديد ان ذلك بعيد عن الصحة واني على استعداد لاكون معهم بمحاربة الامريكان وبامكانهم السؤال عني في المنطقة ليعرفوني حق المعرفة.. فعاد ليقول لي: لقد سألنا عنك وعرفنا كل شيء يخصك.. ولقد اقسمت لهم ان ما اقوله لهم هو الحقيقة.. الا انهم لم يصدقوا ما اقوله لهم.. وقال لي كبيرهم: الظاهر لا فائدة منك والحديث معك لا يجدي نفعا وانهالت علي السياط من كل جانب وصوب وتعاون ثلاثة اشخاص على ضربي بشكل وحشي وانا اتلوى من الالم واستغيث واستحلفهم بكل المقدسات الا انهم يستهزئون مني ويقولون ليأتي فلان لإنقاذك.. وما تركوني الا وانا على بعد خطوات من الموت.. ويأست تماما من الحياة وعاد ليقول كبيرهم: بالليل اعدموه على التلة.
وخرجوا.. وانا لازلت ممدا على ارضية الحمام وجسدي يئن من شدة الالم ولا اكاد احس بشيء من جسدي ومرت دقائق قاتلة والعرق يتصبب مني من شدة الحر مما زاد ذلك من شدة الالم من الجروح التي خلفتها السياط وحاولت ان اجمع افكاري فلم استطع ان افكر بأي شيء ومرت أكثر من ساعة وأنا على هذا الحال وبدأت الملم افكاري المشتتة واشد ما كان يؤلمني ويمزق قلبي اطفالي فكانوا هم شاغلي الوحيد.. وكان هناك ايمان عميق يدخل قلبي وسكينة ما احسست بها سابقا بان زوجتي واطفالي لهم خالق هو الكفيل بهم وادركت ان اليأس من الحياة ودنو الأجل هو سبب تلك السكينة التي دخلت قلبي وفوضت امري الى الله سبحانه وتعالى.
وكنت اترقب متى تفتح الباب ليأخذوني الى حيث الموت ومر وقت طويل وانا لا ادري هل انا في ليل او نهار.
ثم فجأة دوى صوت انفجارات وطلقات نارية كثيفة واصوات تتعالى لم اتبين ماذا كانوا يقولون الا اني اعتقد ان هناك مداهمات لاوكارهم.
وفتحت عليّ الباب وشخص يقول لي وكأنه على عجلة: انهض بسرعة وقمت واقفا رغم ما بي من آلام ومسكوا بيدي وهرولت معهم والرصاص لا يزال يتعالى وكانوا يقفون لحظات ويهرولون بعدها فاصعدوني بسيارة انطلقت بسرعة فائقة… وقال لي من يجلس بالمقعد الامامي: خذ هذه المستمسكات التي تخصك.. واننا سنتركك على ناصية الشارع وعليك ان تحسب من الواحد الى المئة وبعدها تفتح عينك وتذهب الى اهلك مفهوم.. فاجبته: مفهوم، وكان رأسي ايضا الى الاسفل وابتعدنا عن دوي الرصاص.. وعرفت اني ذاهب الى الموت والا لماذا يتركوني على ناصية الشارع وكيف يطلقون سراحي وقد قال لي: ان هناك سيارة ثانية خلفنا ان فتحت عصبة عيني فقبل انتهاء العد سيعملون على قتلي.. وتوقفت السيارة وطلبوا مني النزول وساعدني احدهم واجلسني على ناصية الشارع وسمعت اقسام الرشاشة قد سحبت وقلت ما ان يصعدوا الى السيارة حتى يقومون بقتلي فان الموت مقبل لا محالة وتحركت السيارة وانا بانتظار رصاصات الرحمة التي تخلصني مما انا به.. الا اني لم اسمع شيئا وابتعدت السيارة وبدأت اعد من الواحد الى المئة وجاءت سيارة اخرى ومرت من امامي وعرفت انها سيارتهم التي قالوا عنها.. وانهيت من العد المطلوب واعدت الكرة ثانية خوفا من ان اكون قد اخطأت في العد ثم رفعت العصبة من عيني لاجد نفسي في شارع ولقد لفه الظلام الدامس ولم اعرف اين انا بالضبط حتى وصلت الشارع العام وانا حافي القدمين وحالي يرثى لها وبالكاد استطيع المسير وعرفت اني قريب من اهلي ويمكن ان اصلهم سيرا على الاقدام وعرفت ان الوقت ما بين الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة ليلا وكان المارة ينظروني كلما مررت من امامهم لسوء حالتي وما ان وصلت الشارع الذي يقع فيه بيتنا حتى شاهدت سيارتي تقف امام بيتنا ودهشت لذلك وشاهدني الجيران حتى راحوا يتصايحون فرحين بعودتي بالسلامة وخرجت زوجتي والاولاد الى الشارع بعد ان نادوا عليها الجيران واعلامهم بعودتي وركض الاطفال نحوي وارتموا باحضاني فلم استطع ان اضمهم باحضاني فجلست على الارض والدموع تنهار من الجميع وتعالت زغاريد وكلمات الجيران التي خففت عني شدة الالم وتسابق الشباب الى حملي حتى البيت الذي غاص بالاهل والجيران حتى الصباح وكانت زوجته قد اعلمته انها وجدت السيارة هذا الصباح عند الباب ولا تعرف كيف جاءت ومن الذي جاء بها.
والى هنا وانتهى صديقي من سرد قصته وكانت الدموع تملأ عينيه فحقا لقد كتب له عمر جديد من اجل زوجته واطفاله وليتحقق حلمه في رعايتهم واكمال رسالته معهم.
وحتما هناك الكثير والكثير من هذه القصص التي تدمي القلوب والتي عشناها في مرحلة من الزمن اتمنى واياكم ان لا تعود ابدا.
محمد عباس اللامي – بغداد
AZPPPL