من ذاكرة مهرجان المِربد – عــلاء لازم العيـسى

 لقطات متفرّقة

من ذاكرة مهرجان المِربد – عــلاء لازم العيـسى

في مدينة البصرة ؛ وبين الجمال الفني للشعر والتفكير الرصين المتمثّل بالنقد الأدبي ولد مهرجان المربد الشعري ، وقد عُقدت أولى دوراته   في نيسان سنة 1971   أي قبل نصف قرن من الزمان بالتمام والكمال ، بحضور نخبة من كبار شعراء ونقّاد العراق والوطن العربيّ كالجواهري والبيّاتي وسعدي يوسف وأدونيس وأحمد عبدالمعطي حجازي ، وغيرهم ، وقد أصدرت وزارة الإعلام ـــ في حينها ـــ كتابًا توثيقيًّا بـ ( 237 ص ) أعدّه وأشرف على طبعه الأديب والناقد عبدالجبار داود البصري ، وثّق فيه للجلسات الشعريّة والنشاطات الفنيّة التي تخلّلت أيّام المهرجان ،  ثمّ صار مهرجان المربد تقليدًا راسخًا ينتظره أكثر الشعراء العراقيين والعرب من سنة إلى أخرى .

قصّة حُبّ مربديّة

ومن الشعراء العرب الذين حضروا إلى العراق للمشاركة في مهرجان المربد الأول الشاعر السوداني محمّد الفيتوري ، الذي كان على موعد مع الحُبّ مع العراقيّة آسيا الطّريحي المترجمة في وزارة الإعلام ، ثمّ في وكالة الأنباء العراقيّة ، ومن أعضاء اللجنة التنظيميّة لمعظم المهرجانات التي أقامتها وزارة الإعلام العراقيّة . وقد نشرت الآنسة آسيا الطريحي رسائل الفيتوري إليها بخطّ يده في كتاب خاص ، وفي مقدّمتها للكتاب كتبت تقول : (( التقيتُ بالمرحوم الشاعر محمّد الفيتوري في مهرجان المربد الأوّل ، وكنّا نجلس على ضفاف شطّ العرب وقت الغروب ، وبقينا على اتّصال حتى وفاته )) . بلغ عدد الرسائل المنشورة في الكتاب سبعًا وعشرين رسالة ، لكن علاقة الحبّ هذه لم تنته إلى الزواج ، لقد بقيت أسيرة الورق وطيّ القلوب .

   محطّة قطار المعقل

   وفي المربد الثالث الذي عُقد في البصرة سنة 1974   بعد أن حالت ظروف حرب السادس من تشرين سنة 1973  دون عقده في موعده المقرّر ، دعي ما يقرب من 250 من الشعراء والنقّاد والمهتمّين بالأدب في العراق والوطن العربيّ والعالم ، كالناقد المصري عزّ الدين إسماعيل ، وسهيل إدريس صاحب مجلّة الآداب البيروتيّة ، ونازك الملائكة ، وعبدالله البردوني ، وكاظم نعمة التميمي ، وسليمان العيسى ، وممدوح عدوان ، وعناد غزوان ، وعبدالواحد لؤلؤة ، وعلي جواد الطاهر ، وجبرا إبراهيم جبرا ، والروائي الطاهر وطّار ، وغيرهم . وقد كان وصول الوفود من بغداد إلى محطّة قطار المعقل في البصرة صباح يوم الثلاثاء الأوّل من نيسان ، وفي المساء عُقدت جلسة الافتتاح في قاعة بهو الإدارة المحليّة في الجبيلة ( بناية تايم سكوير الحاليّة )، وقد ألقى سكرتير عام اتّحاد الكتّاب السوفيات كلمة الوفود غير العربيّة ، وألقى بعدها عزّالدّين إسماعيل من مصر كلمة الوفود العربيّة ، أمّا كلمة اتّحاد أدباء العراق فقد ألقاها الشاعر محمّد مهدي الجواهري . وفي اليوم الخامس من نيسان ، وبعد القاء الشعراء قصائدهم في الأمسية الشعريّة الرابعة والأخيرة ، ألقى الناقد علي الجندي البيان الختامي للمهرجان ، ثمّ توجّه المشتركون إلى محطّة قطار المعقل قاصدين العاصمة بغداد .

جلسات نقديّة

   وممّا تختزن ذاكرة المِربَد في دورته الثالثة الجلسات النقديّة الرصينة التي تمثّلت بآراء الدكتور علي جواد الطّاهر ، وذلك من خلال اشارته في الجلسة النقديّة للأمسية الشعريّة الأولى بأنّ القاعة التي أقيمت فيها الأمسية لم تكن شعريّة ، كما تطرّق إلى أنّ قسمًا من مجموع ما ألقي ينهج نهج الروّاد ، والآخر ينهج نهج المعاصرين ، وإجمال ما سمعناه من الطّرفين كان ضعيفًا هزيلًا . أمّا الناقد اللبناني عاصم الجندي فقد كان قاسيًا مع الشعراء حينما وصف المربد الثالث بأنّه مجزرة حقيقيّة للشعر ، كما أنّ اختيار نوعيّات الشعراء والنقّاد لم يكن مدروسًا . أمّا الدكتورة بدور مارتينث رئيسة الوفد الاسباني المدعو إلى المهرجان فبعد أن قدّمت تشكراتها للقائمين على المهرجان ، كتبت تقول : المطلوب من النقد الأدبيّ أن يكون موضوعيًّا قبل كلّ شيء ، وأن لا يضيع بالتعبيرات العامة السطحيّة وبعرض مشاكل كبيرة أصلها بالغالب اختلافات شخصيّة أو عاطفيّة أو تجاريّة بعيدة كلّ البعد عن القضايا الأدبيّة والفكريّة الصحيحة .

المهرجان من جديد

   وبعد انتهاء فعّاليّات المربد الثالث في الخامس من نيسان سنة 1974  أوقف المهرجان لمدّة ثلاث سنوات ، ثمّ استأنف حياته من جديد في دورته الرابعة في 15 / 2 / 1978  وقد عُقد في بغداد والبصرة ، واستمرّ لمدّة خمسة أيّام تحت شعار ((الأدب ووحدة الثقافة العربيّة )) ، وشارك فيه عدد كبير من الشّعراء والباحثين والنقّاد كالشاعر شفيق الكمالي الذي ألقى كلمة اتّحاد الأدباء ، ونازك الملائكة ، وحسب الشيخ جعفر ، وسعدي يوسف ، وسلمى الجيوسي ، ومريد البرغوثي ، والناقد محمّد النويهي ، وسهيل إدريس الذي ألقى كلمة الوفود العربيّة . وقد اشتمل المهرجان على ثلاث أماسي شعريّة وعلى حلقتين دراسيّتين ، وأصدرت مجلّة الأقلام العراقيّة عددًا خاصًا بالمناسبة ، وإن رأى بعض النقّاد العراقيين ، كالناقد ماجد صالح السّامرائي ، أنّ المهرجان لم يكن بالمستوى المطلوب ، فقد كتب السامرائي مقالة في مجلّة الآداب اللبنانيّة تحت عنوان : ( رأي في مهرجان المربد الرابع ) جاء فيها  (( كان الواحد منّا يصغي ويصغي حتى تأخذه غفوة ذهنيّة لا توقظه فيها سوى رعدة كلمة أزبدت في فم شاعر، ويتنبّه فيصغي ثمّ لا يجد سوى نفخ هواء وكأنّ القوم في موكب جنائزيّ ألفه الناس لا شيء فيه جديد ، ولا شيء يثير الانتباه)

 وبسبب ظروف الحرب مع إيران نُقل مهرجان المربد سنة 1985  من مدينته الأمّ البصرة إلى محافظة بغداد وفيها عُقد مهرجان المربد الخامس ، وكان من المشاركين فيه الشاعر نزار قبّاني الذي ألقى قصيدةً طويلة بعنوان (( مسافر )) وقد أحدثت ضجّة كبيرة داخل الأوساط الأدبيّة في بغداد لجرأتها فتمّ التعتيم والتشويش عليها ، ولم يروّج لها في وسائل الإعلام المسموعة أو المقروءة آنذاك ، قال في مطلعها : (مواطنونَ دونَما وطن / مطاردون كالعصافيرِ على خرائطِ الزمن / مسافرون دون أوراقٍ / وموتى دونما كفن / نحنُ بقايا العصر / كلّ حاكمٍ يبيعنا ويقبض الثمن).

 مهرجان المِربد السادس وفي سنة 1986  عقد مهرجان المربد السادس في بغداد أيضًا وكان  من المدعوّين الشعراء والنقّاد محمود درويش، ونزار قبّاني ، وشربل داغر ، وجابر عصفور ،  ورفعت سلام الشاعر والمترجم المعروف ، وعبدالملك مرتاض، وخالد الكركي، والشاعرة الكويتيّة سعاد الصّباح ، التي ألقت  في افتتاح الجلسة الأولى من المهرجان في قاعة المؤتمرات قصيدة بعنوان (( قصيدة حُبٍّ إلى سيف عراقيّ )) ، وقد أعيدت القصيدة ثلاث مرّات من خلال شاشة تلفزيون بغداد، قالت في أبياتها الأولى : ( أنا امرأةٌ قرّرَتْ أن تُحبَّ العراق / وأن تتزوّج منهُ أمامَ عيونِ القبيلةِ / فمنذُ الطفولةِ كنتُ أكحّل عينيّ بليلِ العراق / وكنتُ أحنّي يديّ بطينِ العراق / وأتركُ شعري طويلًا / ليُشبِهَ نخلَ العراق ).

أمّا  مجيء الشاعر محمود درويش إلى مهرجان المربد المذكور فقد أثار زوبعة هائلة، وردود فعل من بعض العراقيين المعارضين الذين يقيمون خارج العراق في ذلك الوقت ، بسبب برقيّة التبريكات التي أرسلها درويش بالاشتراك مع أربعة من الأدباء العرب إلى رأس السلطة العراقيّة آنذاك بسبب ضرباته الموجعة للأكراد، ولعلّ أشهر وأشدّ ردود الأفعال تلك هي الرسالة التي كتبها الباحث هادي العلويّ لدرويش وقد اتّهمه فيها اتّهامات أخلاقيّة .

   واستمر مهرجان المربد الشعري في دوراته حتى سنة 1991  إذ قاطعته بعض الدول العربيّة بسبب أحداث الكويت ، ثمّ استأنف حياته من جديد ،  وكانت دورته الثامنة عشر التي عُقدت في بغداد سنة 2002  هي آخر الدورات بسبب الاحتلال الأمريكي للعراق ، ثمّ بُعث من جديد فكانت أوّل دورة للمِربَد الجديد في مدينته الأم البصرة في سنة 2004  تلتها دورات ، وهذا ما سنعود إلى ذكره في مقالة أخرى .

عدد خاص بمهرجان المِربَد الثالث.

.