بين الواقع والطموح – علاء لازم العيـسى

الأدباء العرب وجائزة نوبل

بين الواقع والطموح – علاء لازم العيـسى

في مثل هذه الأيام من كلّ عام ، يحتدم الجدل بين النقّاد العرب وفي الصالونات الأدبيّة حول جائزة نوبل ، ويبدأ الترقّب والانتظار ، مع ما يرافقها من حملات الترويج أوالاتّهامات والتسقيط للأديب العربي الذي يحتمل أن ينالها ، ثم تهدأ العاصفة لتعود من جديد في سنة قادمة . ومع أنّ الجوائز الأدبيّة العالميّة والعربيّة التي يصبو إليها الأدباء وفرسان الكلمة في العراق وفي الوطن العربي كثيرة والحمد لله ، مثل : غونكور ، وبوليتزر ، وجائزة البوكر ، وسرفانتس ، والبابطين ، والسلطان عويس ، وجائزة النيل ، وكتارا القطريّة ، ولكن تبقى جائزة نوبل التي أسّست سنة 1895 هي الحلم الأكبر والأعظم قياسًا إلى بقيّة الجوائز ماديًّا ومعنويًّا ، والغريب أنّ الجوائز الأدبيّة العربيّة الممنوحة من الأشخاص والمؤسّسات غير الرسميّة كانت أكثر من التي تمنحها الحكومات .

   ومنذ أن فاز الروائي الفرنسي ( سوللي برودم  سنة 1901 بأول جائزة نوبل للآداب أي قبل قرن وربع القرن إلّا قليلًا ، توالى فوز الأدباء فكانوا 29 أديبًا يكتب بالإنكليزيّة ، و 15 أديبًا بالفرنسيّة ، و 11 بالإسبانيّة ، ونالها شاعر الهند طاغور سنة 1913 فأصبح أول أديب في آسيا يحصل على هذه الجائزة ، أمّا الكتّاب العرب فقد جاء نصيبهم مرّة واحدة فقط حينما نالها الأديب والروائي المصري نجيب محفوظ في سنة 1988 ? وقد تباينت ردود الأفعال بشأن فوز نجيب محفوظ بين ترحيب وتكفير ، ففي الوقت الذي عدّها بعض الكتّاب تكريمًا للأدب العربي المعاصر كلّه ، ربط آخرون بين موقف محفوظ المؤيّد لاتفاقيّة كامب ديفيد وبين فوزه بها .   ومع السعي الحثيث ، في السرّ والعلن ، لبعض الأدباء ومن يرتبط بهم من أصحاب دور النشر ، لترشيح أسمائهم لهذه الجائزة ، فإنّ هناك من الأدباء العالميين المشهورين من جاءته مهرولة لكنه رفضها لعدم قناعته بأهمّيتها ، أو لأسباب أخرى بقيت في قلب الأديب ، ولعلّ أشهر من رفض هذه الجائزة هو الشاعر السويدي ( أريك كارلفلت  الذي رُشح اسمه للجائزة ، ولكنه طلب من اللجنة أن تزيل اسمه من قائمة المرشّحين وبالفعل تمّت إزالته ، ثمّ مُنحت له بعد وفاته سنة 1931 . وتكرّر الأمر سنة 1925 من قبل فيلسوف الفابية الساخر والأديب ( برناردشو  الذي رفض الجائزة الماديّة وقبل التكريم فقط ، وكانت حجّته في رفضها أنّه في غنًى عنها ، لأنّه وصل إلى برّ الأمان فلا حاجة به إلى عوّامة نجاة . وفي سنة 1964 فاز فيلسوف الوجوديّة سارتر بها لكنه رفض قبولها ، ومن المفيد أن نذكر أن جان بول سارتر أرسل خطابًا إلى الأكاديميّة السويديّة يعلمهم بعدم ترشيح اسمه في الجائزة ، لكن الخطاب وصل متأخرًا وكان اسمه هو الفائز .    أمّا أروع كرنفال لاستلام الجائزة فكان سنة 1950 حينما اعتلى المنصّة بيرتراند راسل وكان في الثامنة والسبعين من عمره ، لتلقّي جائزة نوبل للآداب ، فألقى خطابًا في الدوافع الرئيسة المحرّكة للسلوك البشري فكان من أحسن الرسائل في الفكر الإنساني ، وممّا جاء :  إنّ حبّ الظهور دافع ذو قوّة هائلة ، أيّ أحد تعامل مع الأطفال كثيرًا سيلاحظ أنّهم دائمًا ما يمارسون تصرّفات غريبة ليقولوا انظروا إليّ . انظر إليّ هي واحدة من أكثر الرغبات الجوهريّة للقلب البشري والتي تأخذ أشكالًا لا حصر لها ، ابتداء من تعمّد التهريج إلى السعي وراء الشهرة بعد الموت . من الممكن المبالغة في تأثير حبّ الظهور على جميع مراحل حياة الإنسان ، من الطفل ذي السنوات الثلاث وحتى الزعيم الذي يرتجف العالم لغضبه .   ولم تقتصر جائزة نوبل على الرجال ، فقد كانت الروائيّة السويديّة سلمى لاجيرلوف ( 1858 ـــ 1940  أول كاتبة تنضمّ إلى قائمة الفائزين بنوبل ، وقد حصلت عليها سنة 1909 . أصيبت في طفولتها بشلل في الساقين أقعدها عن الحركة واللعب وأبعدها عن المدرسة ، فساعدها ذلك على الانغماس أكثر في عالم القراءة ، ابتدأت الكتابة بقرض الشعر ثمّ اتّجهت إلى كتابة قصص الأطفال وكان كتابها (( الرحلة العجيبة لنيلز  من أجمل قصص الأطفال المكتوبة في شمال أوروبا ، ثمّ توالى النشر فنشرت سلسلة من الروايات والقصص القصيرة التي تُرجمت إلى اللغات العالميّة ، وقد عُرفت في عالم الأدب بعد نشر روايتها (( ملحمة جوستا  سنة 1891 التي أذنت بالنهضة الرومانتيكيّة في الأدب السويدي ، ولهذا قالت اللجنة في شهادتها التي تذكر فيها أسباب استحقاق الجائزة أنّها منحتها إيّاها تقديرًا للنزعة المثاليّة الرفيعة ، وملكة الخيال الحيّ .ويبقى السؤال الذي لا بدّ منه : كيف يتمّ ترشيح نجم جائزة نوبل الجديد في كلّ سنة ؟ . والجواب : ففي الأول من شهر ( أكتوبر / تشرين ثاني  من كل سنة ، يرسل المجلس المسؤول عن جائزة الأدب ، ومقرّه في ستوكهولم ، استمارات إلى ما يقرب من 1500 أستاذ أدب وإلى اتحادات الأدباء ونوادي القلم وإلى فائزين سابقين ، وفيها تمنّي ورجاء باقتراح أسماء مرشّحين جدد ، وبعد تسليم الاستمارات تحدّد لائحة من قبل استشاريين ونقّاد تتضمّن 15 اسمًا يتمّ دراستها عن قرب ، ويتمّ اخراج قائمة بخمسة مرشّحين فقط ، ويتمّ اختيار الفائز الأول بالتصويت . وبالرغم من أنّ جائزة نوبل عالميّة ومدهشة وقيّمة ، وأنّها منحت لأدباء من دول مختلفة وإديان متنوّعة ، لكنها ما زالت مثيرة للجدل والخلاف حول مصداقيّتها وعدالتها ولم تنج من الاتّهامات ، فمرة تتّهم بأنّها تمثّل الرؤية الغربيّة العنصريّة ، ومرّة أخرى تتّهم بمنحها الجائزة لأدباء مغمورين مثل الكاتب الفرنسي سوللي برودم وذلك سنة 1901 وتخطّي اسماء لامعة ذات شهرة عالميّة واسعة كمعاصريه الروائي الروسي تولستوي ، والفرنسي أميل زولا ، وتوماس هاردي الإنكليزي ، الذين كانوا في أوج شهرتهم في السنة التي بدأت فيها أعمال لجنة نوبل . ومرة ثالثة يكون اختيار الفائز سياسيّا أكثر منه اختيارًا أدبيًّا ، وهذا ما حدث سنة 2001 عند منحها للكاتب ( في . أس . نيبول  ، وقد صرّح بذلك ( هوراس انكداهل  السكرتير الدائم للأكاديميّة السويديّة في حينها ، فقال : اختيار نيبول للفوز بالجائزة هذا العام قد يبدو اختيارًا سياسيًّا ، وقد أعلن عن فوز نيبول بجائزة نوبل بعد أربعة أيّام من بدئ العدوان العسكري الأمريكي ـــ البريطاني على أفغانستان .

   وعلى كلّ حال ، وبعد الاستقراء والفحص لأسماء الفائزين بجائزة نوبل للآداب على مدى عشرة عقود من الزمان ، مع اختلاف الدول والأديان والتوجهات ، يتبيّن للباحث أنّ هذه الجائزة ليست شهادة محقّقة برجحان من ينالها على من تتخطّاه وإنّ كثيرًا ممّن لم ينالوها أرجح قدرًا ، كما أنّها لا تعدّ سببًا للتقليل من شأن من حجبت عنه ، بسبب النقص في موازين النقد والمفاضلة ، أو بسبب المحاباة ، أو لأسباب سياسيّة أو دوليّة أو شخصيّة كالرشوة وغيرها ، وهذا ما يحدث في كثير من الجوائز ، ولكن يبقى الطموح والأمل عند كلّ عربي بأن يكون للأدباء العرب حصـــّة في هذه الجـائزة العالميّة.