وقفة مع  الأديب إيفان علي عثمان الزيباري

وقفة مع  الأديب إيفان علي عثمان الزيباري

احمد مجيد الحسن

     يمتاز نتاج الاديب ايفان زيباري بالاناقة ورقة العبارة … ادب جميل افتقدناه من زمان عندما خرج العراق من اهاب القرن الواحد والعشرين وقبله العشرون ورجع الى مخلفات القرون الوسطى…ادب رائع وكلمات انيقة …مكشوفة هنا ومغطاة هناك يقسرك على قراءته ومتابعة نتاجه…. ويمتد ادب الزيباري من شواطئ نزار قباني الى مرافئ احلام مستغانمي مروراً بمحمود درويش … وكان اديبنا فيه صادقا مبدعاً… ولكنه عندما يخرج من حدود خميلته المبدعة…نرى تهافت ادواته وتعثر خطواته وثقل حركته ويخونه التوفيق … فعندما يكون المرءُ مبدعا في مجال ما.. لا يعني انه قد احاط بالأشياء كلها، فدون ذلك خرط القتاد.. ومثال ذلك موضوعه المتسرع عن …ملالا …وقد وفى الأستاذ (العايف) بالرد وكفى …والاخر عن طبيعة المجتمع الشرقي والفرد الشرقي …وكان فيه ثقيل الدم وغير مهضوم كسمكة تسبح خارج حدودها الاقليمية  اما الاخر فكان  عن الحسين….و يبدو لي ان الزيباري لم يحط بالموضوع احاطة تامة … وتناول الموضوع برأي مسبق مستمد من الاستقطاب المؤسف الذي ينهك الوطن, فضلاً عن بعض الظواهر البعيدة عن النهضة الحسينية ,التي تنسب اليها ظلماً وبهتاناً.

ربما قد يكون الحق معه…لاختلاط الاوراق والاهداف في العراق كما مر, حيث لا يمكن ان تفصل اي ظاهرة عن هدف مخفٍ او سياسة غير معلنة ..لكن ان يدلي برأي متعجل وهو الكاتب المتمكن.. يثير الدهشة عندما يخوض في مجال لم يستكمل فيه ادواته…

اعتبر السيد ايفان قضية مقتل الحسين (حادثة مأساوية) نتجت عن حرب كبقية الحروب التي لابد لها من ضحايا، فما معنى ان يعلن مقتل الحسين كأنه ثورة والايحاء بها كرسالة تدعو الى الحرية وتحارب الظلم والطغيان….. عجباً هكذا يقرا التاريخ!!!…..

لا الومك لقد تساءلت انا في وقت مبكر وتساءل غيري الكثيرون نفس سؤالك، ما معنى ان حادثة حدثت قبل ثلاثة عشر قرناً ونصف لها مثل هذا الدوي وتحظى بمثل هذا الاستذكار….وليت الامر اقتصر على قومي لربما عرف السبب … فقد يكون لأثر الجوار او لعقدة الذنب المتوارثة بالمشاركة بالقتل او عدم النصرة هو سبب ذلك….لكن ما للأقوام الاخرى؟ في اقاصي اسيا  كتركستان والصين والهند فضلاً عن ايران وتركيا… وفي مجاهل افريقيا في زنجبار ونيجريا وموريشيوس وغيرها …هذا الحماس والاندفاع ربما فاق ما عندنا…وما معنى ان تقام المساجد والصروح في كل مكان حط فيه راس الحسن سواءً في الشام ام عسقلان ام القاهرة  في اماكن لم تكن يوماً من اتباع اهل البيت …كيف اتفقت مشارب الناس وآراؤهم في هذا المدى الواسع من الزمان والمكان …هل يعود الامر للناس وهم على  هذا التباعد الزماني والمكاني … ام يعود الى الثورة وصاحب الثورة، لابد ان في الامر سراً ما…

فالقضية اذن ليست قضية صراع بين مجموعة من الافراد تربطهم فلسفة واحدة ومعتقدات واحدة كما توصل ايفان اليه … وانما صراع بين قضيتين لكل منها فلسفتها ومعتقداتها, وان بدت للناظر انها محاطة باطار واحد….قضية انتبه لها الناس منذ زمان بعيد ….منذ تفجرها ثورة والى الان…. فليس قليلا في عهد الردة والتخاذل ان تخرج كلمة ضخمة  تصفع احلام الطغاة بان الدنيا قد استوت لهم …كلمة ظل صداها يردده التاريخ على مر عصوره …اصبحت مثلا نبراساً لكل ثائر فهي ليست حادثة مأساوية انتهت في عصر يوم العاشر من محرم … بل هي بدأت منذ ذلك الوقت …. ولن تنتهي مادام هناك ظلم وما دام هناك مظلومون، ودلالة صدقها انها كانت تقض مضاجع الطغاة على مر العصور، من المتوكل الى صدام …الى دواعش هذا الزمان … قدم  صديق لي في ثمانينيات القرن الماضي كتابا الى وزارة الاعلام لإجازته …وكان يتعلق بعلاقة ثورة العشرين بالثورة الحسينية، وعندما راجع الوزارة بعد مدة طويلة وجد ان كتابه قد رفض، عندما تساءل عن سبب رفضه اجابه الموظف المسؤول بصراحة ان التوجيهات تمنع اي كتاب يتعلق بالحسين وثورته…وبإمكانك الحصول على اجازته عندما لا تتطرق الى الحسين وثورته.

رسالة حسينية

   ومثلما قلت ان هنالك الكثير ممن يؤمن بالرسالة الحسينية على انها  نواة لثورة دائمة للمظلوم … ولطالما تغنى بها احرار العالم في سابق الزمان وحاضره ودونك ما قاله عنها غاندي وماو وغيرهم …وعندما لم يجد احد ثوار الزمن الماضي بداً من الثورة … تمثل بثورة الحسين قائلاً::

        إن الأُلى بالطفِّ من آل هاشمٍ

 تأسوا فسنّوا للكرامِ التأسيا

وعندما تقول اين انجاز عظيم فعله الحسين كي تمجد حربه؟

من هذا يبدو صحة قولي لكَ, ان تبقى في مدار ابداعك  لاتتجاوزه، فأي اعجاز اعظم من انجاز ظل له الدهر منشدا, طيلة القرون الماضية، تتلوه افواه الثائرين والغاضبين، فإذن  يصح فكريا وفلسفيا تسمية حادثة مقتله ثورة ، وهي امتداد لفلسفة علي و رسالة النبي( صلى الله عليه وآله وسلم)…فهو ابنهما وثورته من رحم عقيدتهما..

لقد فهم الناس على مر العصور, ان الحسين لم يخرج اشراً او بطراً كما قال، او يطلب سلطة او منصب … وكان بإمكانه ذلك لو ذهب الى اليمن كما نصحه (ابن عباس) وهم  اتباع وانصار والده … وكان بإمكانه ان ينسحب  في اللحظة الاخيرة ويتساوى مع غيره…. ولكن همه كان اكبر …كان يريد ارجاع الالق الناصع لثورة جده الفكرية التي رانها تسلط الطغاة على مقادير الامة..

قد تكون ثورة الحسين صغيرة في ميدانها وشخوصها, كما قد يبدو لك ولآخرين, لكن الامور تقاس بخواتيمها … فقد تعجب احد المستشرقين من معركة (بدر) قائلاً: ان معركة حدثت بين فئة صغيرة من ثلثمائة فرد, سلاحهم السيوف والعصي … واخرى من تسعمائة… معركة حدثت في مكان ناءٍ قَصي… وفي زمان لم يسمع بها اباطرة الروم او الفرس ولم تلفت انتباههم ان سمعوا بها… لكن من نتائجها ان طرق الفائزون فيها ابواب عاصمتي الامبراطوريتين بعد اقل من عقدين من حدوثها..

وكلمة اخيرة …الا يلفت النظر هذا الاتساع  الكبير لصدى الثورة في ذكراها … الذي لا يقتصر على العراق او المنطقة   فحسب بل انتشر في مساحة واسعة من العالم …

ويقيناً سياتي يوم … قَرُبَ أم بَعُد … ترى فيه الامم المتحدة تحتفي بذكرى العاشر محرم في اروقتها كحدث انساني, عرّف الانسان كيف يكون مظلوماً فينتصر كما قال ( غاندي). ..