
آه يا نجوى – محمد جبر حسن
لم تكن آه واحدة بل كانت آهات طويلة من قلوب عانت لوعة الحب ولوعة الفراق ، تبدأ الأغنية بتساؤلات وحيرة، ثمّ بإيقاعٍ يشبه إيقاع الحياة البسيطة الهادئة في ذلك الوقت، وتنتهي كذلك ، إيقاع واحد مستمر ، يكسر رتابته نايٌ حزين وكمان، وآلاتٌ أخرى تريد أن تقول أنّنا هنا ، ونحن الرّوح لما يجري في هذا الزّمن الرّتيب الثّقيل، ونحن الحياة العادية ما قبل الحبّ ، وبدايات لقصة حب سطّر حروفها زهير الدجيلي ويصوغها بعبقريته اللحنية الجميلة محسن فرحان بصوت الآلات الموسيقية التي ابدع بأستخراج جماليتها ، وليتكلل الجمال كله بصوتٍ هادئ عذب هو صوت سعدون جابر ..
آه يانجوى ..جزه الشوگ وجزاني والهوى بعيد يانجوى
آه يانجوى هلچ وين يانجوى
صحت آه
صحت آه وشجاني باچر العيد يانجوى
حينها كان احمد ذو الثمانية عشر عاماً يسرح بخياله مع مفردات الاغنية ويستمع اليها لكن ليس بأذنيه بل بقلبه وبكل جوارحه ويحيل اسم نجوى الى سلوى !
من هي سلوى التي يردد اسمها مع الاغنية ويناديها ..آآآه ياسلوى؟
كان ربيع نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي مزهراً في بغداد ونسمات رائحة اشجار الشبوي والرازقي والبرتقال والنارنج تعبق في اجواء المدينة وتجعل منها بقعة من بقاع الجنة .
في تلك الايام نزلت عائلة قادمة من الشمال في الزقاق القريب من بيت احمد ، أب موظف في وزارة النفط وأم ربة بيت وولد بعمر يقارب السبعة عشر عاماً وابنتان يافعتان وولد صغير ، من اول ايام وجودهم في الحي كان للبنتين شأن واهتمام من قبل كل الشباب ومن الطبيعي ان يكون احمد من ضمنهم ، لكن المصادفة وحدها جعلته يختلف عنهم حين اتت له ذات يوم تسأله من دون الجميع ..
مرحبة .. اين مكان فرن الصمون ؟ وقبل ان يشير لها الى المكان ، نزلت آلهة الحب افروديت من عليائها يتبعها كيوبيد يرفرف بجناحيه ويطلق سهماً يصيب قلبه ، كان صوتها رقيقاً مثلها وتتكلم بلكنة جميلة لم يسمعها من قبل ، تنساب الكلمات مثل صوت البيانو ، لحظتها نادت عليها اختها بأسمها .. سلوى تعالي ، ظلت تتحدث معها ، لكنه لم يفهم بقية الكلام .. عرف حينها انها كردية .. ودعته بكلمة شكراً ..
في تلك اللحظة كان مذياع المقهى المجاور يصدح بأغنية نجوى ، فألتصقت هذه الاغنية بإسمها ..سلوى ، الأسم الذي نقش حروفه في قلبه ..ومن يومها صارت هذه الاغنية معشوقته ، يرددها مع نفسه .. في البيت ، الشارع ، المدرسة ، في كل مكان ، حتى في احلامه ، لم يكتف بذلك بل اشترى جهاز ( مسجل) وتوجه الى محل تسجيلات وليد في منطقة باب المعظم وطلب شريط كاسيت فيه اغنية آه يانجوى!
فقط هذه الاغنية ؟ قالها صاحب المحل بتعجب !
نعم اريدك ان تعمل لي كاسيت يحتوي هذه الاغنية فقط وتعيدها لأكثر من مرة على وجـهي الكاسيت!!
مع اندهاشه الشديد لهذا الطلب لبّى له الرجل ما يريد ، رجع جذلاً والدنيا لا تسعهُ من السعادة والفرح . مضت الايام وهو على هذا الحال يستقيظ وينام على سماع اغنية نجوى ، ويقضي معظم نهاره على امل ان يرى محبوبته سلوى ، وفي احد الايام أخذته قدماه دون ان يدري قرب بيتها ، وماهي إلّا دقائق حتى رآها وجهاً لوجه .. سلوى !!
خفق قلبه وتسارعت دقّاته وبدون قصد منه ارتسمت على شفتيه ابتسامة مصحوبة برسالة من عينيه تسألها .. سلوى ..اين اختفيتِ ؟
لم يصدق نفسه عندما التفتت اليه قبل ان تدخل الى بيتهم وبادلته بأبتسامة سلبت منه رشده !
تسمّر في مكانه ولم يتقدم خطوة ، تناهى له من بعيد صوت سعدون جابر قادم من مذياع بيت سلوى وهو يصدح ..
ياعيني لو طاح الندى
ياورد يحلى بلونه
غير الي يورد بالندى
غير المحبه بلونه
برد الحدايق عافيه يانجوى
هلچ وين يانجوى
هلچ وين يانجوى.























