معادلات الجذب الفيزيائي في تجربة صلاح القصب الإخراجية – ثائر عبد علي حسين

معادلات الجذب الفيزيائي في تجربة صلاح القصب الإخراجية – ثائر عبد علي حسين

مخرج تجريبي مبتكر ومنظر مسرحي عراقي ، له اثر مؤثر في حركة المسرح محلياً واقليمياً ، غير اتجاه بوصلة الشباب المسرحي نحو الجرأة في التغيير والتجريب ومغادرة كل ما هو مألوف وراكد ومتعارف عليه نمطياً منذ زمن بعيد . وهو المؤسس الاول لمسرح الصورة في العراق والوطن العربي . الصورة الفنية الغنية بالدلالات والتاويلات الفكرية والجمالية وهي البديل الاقوى تأثيراً من الكلام الملفوظ المنمق شعرياً . وهو المؤسس والمنظر للمسرح الجديد (مسرح فيزياء الكم) بعد أن اختتم آخر تجارب مسرح الصورة ، بمسرحية (مكبث ، 1999) ? وينطلق الان فيزيائياً نحو الطاقة والموج والتردد الفيزيائي المسرحي . فـالقصب مخرجاً حالماً بأحلام سريالية دادائية مضطربة ومهشمة لأساسات الاستقرار والركود المسرحي ، ويبحث تطبيقياً واكاديمياً عن التغيير الدينامي التفاعلي كي لا تستقر قيماً واعرافاً وتقاليد جديدة للمسرح ، يريد من المسرح والفن أن يكون شعلة متوهجة باستمرار تغير نورها وظلالها وتأثيرها على كل ما يحيط بها وعلى كل من يرغب بإنارة عقله وروحه ودوافعه الداخلية بنورها .

اماكن بكر

 ( القصب ) يبحث دوماً عن الأماكن البكر الخالية من الذاكرة المسرحية في عقول الاخرين او محولاً الأماكن بصورة مغايرة ومغادرة لذاكرتها السابقة ،  وخلق بيئة غريبة وجديده لأحداثه ، بيئة حرة ومرنة ورحبة بالتحولات الديناميكية السريعة والمتكررة لعناصر انشاء الصورة المسرحية ، ومفرداتها المتخمة بالدلالات والتأويلات المتوالدة باستمرار والتناقضات والتضادات الفكرية والجمالية جاعلاً من المشاهد مصدوماً ومندهشاً ومشتتاً كما الفعل المشتت والمتشظي بسبب انفجار المركز (البؤرة) داخل فضاء (القصب) المسرحي ، الفضاء غير المحدد بجدار رابع مع الجمهور ، الفضاء الذي يشترك به الجميع ، تحت سطوة الفعل الدرامي الموقد لخيال المتلقي ، لرسم وتوسيع فضاء العرض الى فضاءات حلمية تأملية محملة بأسئلة كونية وجودية ينتجها وعي المتلقي وخياله وخبرته وثقافته الخاصة ، منطلقاً من استفزازات العرض البصرية وطاقتها التدميرية ، فلا استقرار او انسجام او تناغم في بيئة (القصب) بل توتر واضطراب وغموض وتشتت للعقل المنطقي الواعي، لايقاض اللاوعي (اليونغي) للفرد والجماعة.

يلعب الممثل دوراً مهماً وفاعلاً في مسرح (القصب ) لكونه الحي الوحيد القادر على تكسير خطوط التكوين العامودية والافقية والمسهم الاكبر بتحويل وتغيير صورة العرض المرئية والمحافظ على ضبط ايقاع العرض المتنامي ، ولكنه لا يتسيّد الصورة المسرحية بل خادماً لتشكيلها ومكملاً لبنائها السينوغرافي ، ليعزز خطابها وتأثيرها لدى الجمهور. جعل الاهتمام كبير بالصورة المبتكرة وبمفرداتها البصرية الالية والتكنلوجية المعاصرة المدعمة بالإشارة والايماءة والتمثيل الصامت والآهات والهمهمات وبعض الحوارات المحورية القصيرة المقتبسة من النص الاصلي . وجعل الشكل المبتكر مغايراً تماماً لشكل النص ومضمون النص وحوار النص وتسلسل مشاهد واحداث النص وحذف ودمج وشطر شخصيات النص . العرض لدى ( القصب ) يبنى على قدرة ( القصب ) الحسية والذهنية على التقاط موجات التردد الواطئة والمختبئة بين ثنايا النص او خلف المعنى الظاهري (المضمر) وتلك الترددات تصدرها (معادلات الجذب الفيزيائية) التي تؤسس مجمل العرض بصرياً وسمعياً وحركياً وفلسفياً بعد أن يشخصها ويلتقطها المخرج ويظهر جوهرها ومركزيتها السيادية في قيادة القراءة الاخراجية الجديدة .

معادلات الجذب الفيزيائي في أشتغالات منهج (القصب) تكمن بالتالي :

المعادلة الاولى : هيمنة الصورة وتسيدها .

المعادلة الثانية : الكتابة الهيروغليفية بدلاً من الكتابة الادبية .

المعادلة الثالثة : مغادرة المنطق والمألوف والنظام وزعزعة القواعد. المعادلة الرابعة : الدهشة والصدمة والمشاركة والتشتت .

المعادلة الخامسة : مرونة المكان وفضاءاته الرحبة .

المعادلة السادسة : الدينامية البصرية المعاصرة .

المعادلة السابعة : عدم الإستقرار والسكون والتجانس ، بل توتر واضطراب وتحول وتكرار .

المعادلة الثامنة : تفجير المركز الى بؤر متعددة .

المعادلة التاسعة : التولد الدلالي الكثيف والتاويل المتجدد .

المعادلة العاشرة : مساحات اللعب الواسعة .

المعادلة الحادية عشرة : لا ذاكرة مسبقة ولا توقع لما سيحدث .

المعادلة الثانية عشرة : تهديم نظريات الفن الكلاسيكية والواقعية التقليدية .

المعادلة الثالثة عشرة : تثوير المخيلة واستنهاض اللاوعي .

المعادلة الرابعة عشرة : التغريب في الوظائف والاحداث .

المعادلة الخامسة عشرة : جماليات التشكيل البصري .

المعادلة السادسة عشرة : ضبط اوركسترا الايقاع .

المعادلة السابعة عشرة : الاجواء السريالية المضطربة .

المعادلة الثامنة عشرة : الاسئلة الكونية المغلقة .

المعادلة التاسعة عشرة : الخطاب الكوني .

المعادلة العشرون : سهولة الاتصال وصعوبة التواصل ( دواليك ).

المعادلة الحادية والعشرون : النص السينمائي بديـــــلاً للنص المسرحي .

  هوية ( القصب ) المسرحية تكمن في المعادلة الاولى وهي ( هيمنة الصورة وتسيدها ) ولذلك سمي مسرحه بـ( مسرح الصورة ) الصورة التي اختزل الحديث عنها الكاتب والمخرج الروسي ( نيكولاي إفرينوف ) بقوله ” إننا نسمع بأعيننا إكثر مما نسمع بآذاننا ” . وهذا ماشوهد بتجارب ( القصب ) ففي مسرحية ( مكبث ) التي قدمت بفضاء مفتوح انطلق (القصب) من نقطة الجذب (اي معادل الجذب الفيزيائي المركزي) وهو عملية الاغتيال والجريمة ، الجريمة التي تلاحق مرتكبها تزامنياً اينما حل والتي تمثلت بحوار (الليدي مكب ) ” زولي زولي ايتها البقة زولي ” هذا الحوار (المعادل) شكل نقطة الجوهر في انشاء الرؤية الاخراجية لدى (القصب) والتي اشارت الى ازمة الانسان في ظل الحروب والاغتيالات والموت والارهاب وسط هذا العصر وبوسائل قتل معاصرة وبأجواء ملبدة بالشفرات المبهمة، الشفرات السرية المتمـثلة بمركبات عناصر العرض ودلالاتها المتجددة التأويل مثل: المقصلة والبسطال والسيارة والبراميل والدراجات واشارات المرور والنار وقطع الاشجار.. والصمت المخيف.

معادلات جذب

 كل تلك البصريات وغيرها الكثير تشكل معادلات جذب فيزيائية يتعامل معها الممثل الذكي المفكر بحرية اداء يرتبط ضمنياً بخارطة معطيات الرؤية الاخراجية ومعادلات جذب للمتلقي وبحسب وعيه المتدفق بتدفق تشكيل واشتغال مركبات عناصر العرض. وصولاً للسؤال الازلي الكوني لماذا يقتل الانسان ولماذا كل هذه الصراعات في هذا العالم الغريب؟