دفاعاً عن المدينة

دفاعاً عن المدينة
قراءة معرفية للمشروع الإخواني السلفي
القاهرة ــ الزمان
الكتاب يضم 5 مقدمات تحت عناوين الفلاحون وإجهاض الديموقراطية و شظايا إعلان دستوري ، و دفاعـــــًا عن المدينة ، و شكراً عبده موتة ، و رسالة تيتة رهيبة . تليها الدراسة الرئيسة ترييف المدينة العربية . ويبدأ من محاولة تعريف السياسة من خلال السؤال الذي تجيب عنه، فهي إجابة عن أحد سؤالين من نحن؟ و ماذا نريد ؟ وعندما تسيطر الهوية أو الأيديولوجيا أو كليهما معاً تكون إجابة عن السؤال الأول. فالناس عندئذ تتحزب وتصطف وتنتخب حسب أصولها الريفية أو القبلية أو العشائرية أو الطائفية، وأحياناً المكانية، على قاعدة انتخاب ابن الدايرة
في المقدمة الثانية يتناول ممدوح الشيخ بالتحليل تداعيات قنبلة الإعلان الدستوري لتصبح إعلان حرب. وفي هذا الإطار يرصد مفرقة أن التيار السلفي تحفظ لأسباب شرعية على تحصين قرارات الرئيس، وعلى رغم هذا ساهم بقوة في مليونية الشرعية والشريعة ، تأييداً لإعلان دستوري فيه خطأ شرعي بيــــــِّن .
المقدمة الثالثة دفاعـــــًا عن المدينة محاولة للفت النظر إلى أن الطريق الذي اختاره التحالف الإخواني السلفي لمصر طريق معاكس لطريق بناء الحضارة وبالتالي النهضة، وهو يقوم في هذه المقدمة بقراءة سريعة لمفهوم الحضارة عند مؤرخ الحضارة الشهير ويل ديورنت، مؤكداً أن الصراع السياسي ليس سوى واجهة لصراع آخر هو الصراع الحقيقي على مستقبل مصر. فلا نهضة دون وعي بالشروط الاجتماعية والثقافية للنهوض التي هي سنن كونية ، فالأبعاد الدستورية والقانونية والسياسية تسهم في توفير مناخ لبناء النهضة، أما المحتوى نفسه فلا ينبت إلا في أرض خصبة، ومصر أرض تم تجريفها بقسوة، بحيث لا ينفعنا الكلام عن إخوانية أو أردوغانية أو غيرهما من المصطلحات إلا كترف.
عبده موتة
في المقدمتين الرابعة والخامسة يقرأ المؤلف ظاهرة الطوفان الهادر من مشاهد العنف والجنس والفن الغرائزى المسمى الفن الشعبي كمتغير ثقافى» سياسى يبلغ حد الخطر الشديد على مستقبلنا من خلال فيلمي عبده موتة رسالة تيتة رهيبة . ويتحالف مع هذا الطوفان خطاب سياسي شعبوي يتغزل في العشوائيات. ولا يكاد عمل فني يتناول هذه الظاهرة إلا من زاوية التعاطف مع أهلها بوصفهم ضحايا لا حول لهم ولا قوة، وفقراء سرقهم فساد نظام مبارك، وهذا في الحقيقة إفك صريح. أولاً لأن الفقر المادى والمعنوى لا يصنعان بالضرورة عبده موتة ولدى كل إنسان فطرة أخلاقية ودينية كفيلة بأن تعصمه من التحول إلى نموذج من نماذج سينما العشوائيات، وهو منطق فى التحليل ينكر مسئولية الإنسان عن مستقبله ومصيره، ويعتبره نتيجة لما يفعله به المجتمع، ويتسق هذا مع صورة نمطية شائعة لـ المومس الضحية ، وهي إعادة إنتاج باهتة لرائعة جان بول سارتر المومس الفاضلة .
وحسب المؤلف فإن عبده موتة يستحق الشكر لأنه قدم لنا الثقافة الشعبية دون تجمــُّـل فكشف عن غرائزية مفرطة وإغراق في العنف سيسهم في تفسير العنف الاجتماعي في مصر منذ الثورة. وقد يصح أن نسبة كبيرة من صانعي هذا العنف فقراء لكن نسبة لا يستهان بها منهم أثرياء، وفي هذه الأحياء الفقيرة تنتعش تجارة المكيفات بأنواعها كافة. والفقراء الذين يستهلكون الحشيش والبانجو بكل هذا الحماس لا يستحقون التعاطف معهم لا فى الفن ولا في السياسة
أما في رسالة تيتة رهيبة فيشير المؤلف إلى أن المفارقة التي بني عليها الفيلم هي الصراع في المجتمع المصري بين الفوضى والنظام، لكن ما حدث على الشاشة بالفعل هو صراع بين الفوضى والقسوة، وهي مفارقة لا أدري هل انتبه إليها معاطي وهنيدي أم لا؟
ورغم تضخم أعداد السكان فإن ما حدث قتل بلا رحمة روح المكان، واقرأ عن الإسكندرية قبل الخمسينات وشاهد مأساتها بعدها، لتعرف كيف خسرت مصر كثيراً باغتيال المدينة وأخلاقها ورقيها وصعود الريف الخشن حتى طغى على الفن والثقافة. وقديماً كانت المدينة بالنسبة له نموذجاً ومصدر إلهام فأهدى إليها خيرة أبنائه، مبدعين ومثقفين وأكاديميين، وهذا ببساطة لأنهم كانوا يعتبرون التمدن نوعاً من الترقي الاجتماعي، أما الآن فإن عبارة الفخر الأكثر تردداً هي إحنا ناس فلاحين ، والنتيجة الطبيعية أن المدينة تذبل خوفاً وحياء وخجلاً أمام طوفان كاسح، وهذا جعل حصيلة قرون من التمدن والتهذيب يسقط صريعاً بمطواة قرن غزال
ترييف المدينة العربية
وفى الحقيقة فإن الفيلم لخص المأساة في المشاهد القصيرة المتكررة التي أصبح فيها بطل الفيلم رمز المدينة في مسالمته مجرد خادم لنزوات شقيق خطيبته الذي يدير كل شىء بالمطواة باسم سمرة ، وقد كان هنيدى يردد بانكسار معبر جداً عبارة أخشى أن تصبح كل ما بقي لأبناء المدينة ليرددوه وهم يطأطئون رؤوسهم أمام الفوضى الكاسحة مسا مسا يا إبراهيم أما دراسة ترييف المدينة العربية فتتناول ظاهرة الترييف انطلاقاً من التوقف أمام الفرق بين التغير و التغيير كمصطلحين بينهما من الناحية الإملاء الشكل حرف واحد وبينهما من ناحية المعنى المضمون فرق كبير، فالتغير تحول تلقائي وفق قوانين داخلية يمكن القول إنها سنن كونية لو تركت المجتمعات البشرية فستنتقل وفقا لها من طور إلى آخر من أطوار التحول الاجتماعي. وقد شهد التاريخ الحديث ميلاد ظاهرة مهمة هي النزوع المتزايد إلى التحكم في العوامل الحاكمة لعملية التغير ليحل محلها التغيير .
نخب التحرر
وقد شهد العالم العربي مؤخراً تحولاً لفت نظر الباحثين كانت سمته الرئيسة موجة واسعة من ترييف المدن أعقبت تجربة تمدين متفاوتة الوتيرة. والذي يلفت الانتباه في هذه الموجة أنها اقترنت بتولي نخب التحرر الوطني الحكم، وبينما كان الاتجاه في كثير من تجارب الاجتماع الإنساني في الشرق والغرب هو التحول من سكنى الريف إلى سكنى المدن، فإن الاتجاه في كثير من الدول العربية كان ترييف المدن. والترييف يتعدى كونه مظهراً اجتماعياً ليكون منظومة متكاملة من المفاهيم والرموز والميول النفسية. ومن الناحية السياسية كان الترييف انقطاعاً في مسيرة تأسيس دولة المؤسسات التي تقترن فكرة إنشائها بالحياة في المدينة مقابل سيادة العلاقات القرابية والطبقية في الريف، فكانت نتيجة الترييف سيطرة قيم قروية على المؤسسات
ومفهوم المؤسسة يقترن بمفاهيم ويحمل في جوهره منطقاً محدداً، وفلسفة وملامح خاصة أهمها الموضوعية، والتعددية، وتحييد المشاعر، وحرية تداول المعلومات، واعتبار الموظف رصيد إنساني ومهني. وقد كان الإجماع عليها في الواقع والممارسة في الدولة الحديثة ودراستها في العلوم الاجتماعية تعبيراً عما يمكن أن نطلق عليه الديمقراطية الإدارية . حيث تتراجع مركزية دور الشخص» المرشد » الشيخ السلفي المنفرد وحده بالقرار، لتحل محله المؤسسة. والمؤسسة ولدت في مجتمع عرف قيمة الفرد ككيان مستقل، وإذا تحقق كيان الفرد تأتي نشأة المؤسسة تعبيراً عن تحقق مكانته. وتتسم معظم المجتمعات العربية بأن مفهوم الفردية لم يستقر فيها بعد، ربما لأن مفهوم المدينة لم يستقر بعد. فالمدينة تعني علاقات حديثة جديدة تختلف عن علاقات القبيلة أو القرية. فما هو قائم الآن شكل مدني خارجي تسوده علاقات ريفية. والريف لا يعرف الفرد مستقلاً بل دوما منتسباً. وقد انتهى الأمر إلى ترييف و تزييف و تكييف المفاهيم والأشكال الإدارية الحديثة لخدمة واقع مستبد.
والتمدن إذن ليس حاجة ترفية أو فلسفية، لكنها ضرورة يقتضيها نشوء المدن بالضرورة، فلا يمكن إقامة مدن وجامعات ومجالس نيابية وشركات ومصانع، دون ثقافة مدينية. والكارثة العربية تقع في استخدام الأدوات والمناهج الريفية لإدارة دول ومؤسسات ومجتمعات مدنية كبرى. فإذا كانت الثقافة الريفية أو البدوية تكونها تجمعات صغيرة قائمة على نمط معين من الإنتاج والانتماء والحماية، فلا يمكن تصوُّر كيف ستنظم هذه الثقافة تجمعات سكانية ومهنية وسياسية كبرى ومعقدة لا يربطها ببعضها ما يربط المجموعات الصغيرة من السكان المتشاركين في النسب والمصاهرة والعمل والحياة. ويمكن سرد قائمة طويلة جداً من التشريعات والأحداث والظواهر والكوارث والمجازر التي ترد إلى ما لا يجب أن يحدث إلا في تجمعات صغيرة من البيوت الطينية أو بيوت الشعر.
وبالطبع، فإن الديموقراطية أول ضحايا الترييف إذ لا يمكن ترسيخها دون مدينة، فهي عقد اجتماعي مع المكان، وتحققها منظومة سياسية واجتماعية وشروط بيئية محيطة تجعل تنظيم الحياة السياسية والعامة عقداً يلتزم به الجميع، وهذا لا يتم إلا في مدينة حقيقية يتجمع فيها الناس وينظمون أنفسهم على أساس مصالحهم واحتياجاتهم. وهناك من يعتبر البدونة إعادة إنتاج البداوة الوجه الآخر للترييف، حيث كلاهما مرحلة تسبق المدينة .
والترييف حزمة قيم وممارسات وقناعات ورموز بدءاً من تقديس الأرض ووصفها بأنها عرض ، وتحويلها من مصدر للرزق إلى مصدر للقيم، وشيوع جرائم الشرف، واتساع انتشار العنف الاجتماعي، وكراهية الإجراءات، وقلة الاكتراث بالزمن مروراً بالانحياز إلى الاعتزاز على حساب الإنجاز ، حيث المكانة تقدَّر بناء على الأصل الذي ينحدر منه الإنسان لا بناء على ما هو قابل للكسب. والميل إلى الثقافة غير الكتابية الثقافة الشفاهية . وفي النهاية ينجم عن الترييف روح قدرية شاملة مصدرها طبيعة الزراعة كنشاط يعتمد على أقل قدر من الجهد، حيث تتحول البذرة إلى نبات مثمر دون تدخل يذكر من الفلاح.

الكتاب دفاعـًــا عن الـمدينة
رؤية إسلامية للمشروع السلفي
الإخواني لترييف مصر
المؤلف ممدوح الشيخ
الناشر خاص
الطبعة الأولى القاهرة 2013
AZP09