قراءة في ذاكرة الوجع لصباح مطر

قراءة في ذاكرة الوجع لصباح مطر

سلام خماط

ذاكرة الوجع عمل فني كبير تآزرت فيه كل عناصر الرواية من سرد وحوار وأحداث وشخصيات وفكرة ،صورت لنا شريحة حية من شرائح المجتمع العراقي عانت اكثر من غيرها تمثلت بالكادحين والمعوزين الذين توغل الكاتب الى اعماقهم وسلط الضوء على همومهم وصور لنا حجم الالم الذي عانوه مما يدعو الى التعاطف معهم وضرورة ايجاد مجتمع أفضل لا ينسحق فيه الإنسان تحت عجلة الحاجة والحرمان والتخلف . لقد رسم صباح مطر عملية التطور بطبيعة الوعي السياسي الذي شهده العراق نهاية الخمسينات من القرن الماضي من خلال شخصية ( الخال ) الاكثر وعيا من سواه في مجتمع القرية ،الاكثر وعيا بطبيعة العوامل التي تؤدي الى تأخر المجتمع ” الخال ” الذي يدعو الى التغيير والثورة على الواقع القائم ويشرح معاناته مع محيط ضربت عليه الامية اطنابها ، وسط لا حراك فيه ،سبقه العالم بمسيرة قرون هو عنها في غفلة وسبات . و اتخذ الروائي من القرية اطارا لروايته لكنه لم يلتزم بتفاصيل التاريخ وأحداثه لأنه اراد ان يثبت احداث الرواية وشخصياتها وكان هدفه الرئيس ادانة حكام العهود الماضية ،وأجاد في تصوير صراع الانسان من اجل ازالة الحواجز في سبيل الوصول الى المعرفة من اجل توظيفها لتغيير موقف الانسان من الحياة نحو الافضل ،لذا نجده ينزل الى مفاهيم الناس البسطاء وأفكارهم وهي دلالة من دلالات الإصلاح سيما ان الكاتب قد اشار وفي اكثر من موضع الى النفاق الاجتماعي والتناقض بين ما يدعو اليه بعض وعاظ السلاطين وبين واقعهم. ان هذا النوع من الروايات يعتبر من اشهر الاساليب التي يستخدمها الاديب لنقد المجتمعات والحكومات الفاسدة على حد السواء ،لقد ركز صباح مطر على اربعة محاور تمثل الاول منها في وصف التمزق في المجتمع المتخلف فيما تمثل الثاني في التمزق الداخلي النفسي الذي يعاني منه الفرد داخل المجتمع المتخلف ،اما المحور الثالث فقد تمثل بشخصية الخال الواعي والمثقف الذي يعيش داخل هذا المجتمع والذي يمثل الفرد المثالي الذي يريد ان يحقق شيء لهذا المجتمع ولا يستطيع تحقيقه مما ادى الى عزلته وفشله في تحقيق الافكار والمثل التي ينادي بها على ارض الواقع ، وأخيرا المحور الرابع والذي يمثل هجرت ” محمد ” اخو زيدون خارج البلد وهو دلالة ليس على غربته بل دلالة على غربة شعب في واقع يزيف الاشياء .” في وسط المأساة يصطنع الناس لأنفسهم افراحا ،يختلقونها ،ينتزعونها من بين ركام الكوارث لتستمر دورة الحياة ويستمر البقاء وهذا ما يفعله هؤلاء على سجيتهم …” ان لذاكرة الوجع دلالاتها الواضحة وأسلوبها النقدي الذي كان الكاتب فيه موفقا في اختياره ،انه اسلوب نقدي بناء لقطاعات واسعة في المجتمع ومنه قطاع المؤسسة العسكرية من اجل نسف البالي وبناء كل ما هو جديد ” لم اكن اعرف ان حربا مستعرا أواروها كانت تعم عالمي ،لم اكن افقه اني في بلد عاش على وقع السنابك يلفه غبارها ويضج بصهيل الخيول وزعقات الفرسان ،بلد مبتلى بسيول الدم الحار ،منذ الازل والى ما شاء تجار الحروب وأمرائها “. لقد تعامل الكاتب مع ” زيدون ” بطابع من الوعي الذي لم يمتلكه حيث فتح له الحرية واللغة العالية داخل اطار شخصيته وكان الهدف من وراء ذلك ابراز هدف الرواية والحفاظ على مستوى اللغة ،وأخيراً نقول ان الروائي استطاع ان يعكس من خلال ذاكرة الوجع ازمة مجتمع وواقع مرير ابان الفترة الماضية .