محمد حافظ رجب في مجموعة غرباء

محمد حافظ رجب في مجموعة غرباء
مفصلية التحوّل إلى السريالية
شوقى بدر يوسف
مع ظهور تيار الحداثة فى الأدب العربى الحديث، وتعدد المواجهات بين ما هو سائد وما هو قادم إلى المشهد، تفاعلت كثير من الرؤى فى شتى الأجناس الأدبية خاصة فى مجالات الشعر والسرد، وظهرت أصوات شابة تنادى بضرورة التجريب والتغيير والتحديث، ومن ثم، فقد طالت صيحات هذا التمرد والتفاعل الملح المشهد الشعرى فى نسق قصيدة النثر، وطال نفس التفاعل المشهد السردى فى عدة تجارب وجدت نفسها تتمرد على القصة فى صيغتها التقليدية المعروفة، وتلجأ إلى أشكال جديدة وأنساق غير مألوفة تستخدم لها اللغة المجازية الشعرية فى بعض الأحيان والصور النصية المؤوّلة، والتداعيات الذهنية، وعبثية التصّور والتخييل، وأسلوب تيار الشعور وغير ذلك من أساليب القص الحديث، وكانت القصة السيريالية هى إحدى منجزات هذه الصيغ والأنساق التى وجدت لها حضورا قويا فى المشهد القصصى المعاصر. وقد بدأت صيغتها تتشكّل فى منتصف السيتينات من القرن الماضى وتظهر ملامح ألقها وتوهجها عبر جيل آل على نفسه أن يجدد فى الشكل الفنى والبنية النصية لفن السرد الحديث، ويعد محمد حافظ رجب فى طليعة من نادوا بالتجديد وتحديث التجربة السردية من هذا الجيل وكانت القصة السيريالية هى التجربة التى تفرد بها حافظ رجب وراح يواجه بها المشهد القصصى قديمه وحديثه فى ذلك الوقت، ومثل هذا النوع من القص الحديث يستمد شكله من الشكل الواقعى مباشرة مرورا بالترميز والتعبيرية إلى مضمرات نصية تكمن فى خصوصية اللغة ومشهديات التعبير المجسدة لمجريات الواقع ولكن بطريقة تجعل من المتلقى مشاركا ومنتجا جديدا للنص، وكاتبا موازيا لمثل هذا النوع من النصوص القصصية، فى لغة يستخدم لها الكاتب مجاز اللقطة وعمق الرؤية وتمحور التجربة حول عبثية معطيات الحياة وسطوتها على الإنسان المعاصر، وتراوحت معطيات النسق الجديد للقصة عند حافظ رجب من خلال الاشتغال واللعب على مستويات المشهد واستخدام كل ما هو متاح من التجربة لتوصيل رؤيته النصية وتأويل ما هو حاضر فى الواقع الاجتماعى والإنسانى على السواء.
عندما أصبح فى الجهة المقابلة
من الجسر جاءت الأشباح لملاقاته.
آندريه بورتون الأوعية المتصلة

وكانت مجموعتى غرباء ، و الكرة ورأس الرجل هما المجموعتان المفصليتان فى تحولات مسيرته الإبداعية، حيث انتقل بهما حافظ رجب من مجال الكتابة القصصية بشكلها التقليدى الذى كان سائدا فى بداية الستينيات إلى ابتداع شكل جديد ميز وأصل به عالمه القصصى، ومنح فن القصة الحديثة ذائقة جديدة لم تكن تألفها ولا تعرفها من قبل، كما أصابت هذه الطريقة الجديدة الحرس القديم من كتّاب القصة بالصدمة، والدهشة، ما جعل بعض منهم يرفض هذه الصيغ الجديدة، وبعض منهم يذهب إلى أن يعيد حساباته مرة أخرى وأن ينظر إلى ساحة القصة، ومشهديتها، برؤية تتوافق مع ما ظهر على الساحة من تغيرات وتحولات فى الشكل والتقنية. فى ذلك الوقت كان جيل الستينيات بأسمائه الجديدة على الساحة يبحث لنفسه عن مسار وحضور فنى مغاير يساير به مرحلة التمرد الجديدة، خاصة بعد أن أطلق هذا الجيل صيحته الشهيرة نحن جيل بلا أساتذة ، وعلى الرغم مما كانت تعنيه هذه الصيحة من تمرد وثورة على الأوضاع فى المشهد السردى المعاصر آنذاك إلا أن حافظ رجب ومجايليه من الكتّاب قد ألقموا بحر السرد القصصى حجرا ثقيلا فى ذلك الوقت كل بطريقته، وتجربته الخاصة، وحسبما تمليه رؤيته الذاتية ونسقه الفنى الخاص، فتحرك الراكد فى المشهد السردى واتسعت الدوائر، وتنوعت الرؤى والتجارب، وبدأت لغة وصيغ جديدة تخيم على واقع النص القصصى فى بداية الستينيات من القرن الماضى وكان حافظ رجب هو الأيقونة المهمة التى أيقظت الساحة بتصدره لهذا الجيل ومحاولته الجادة فى التغيير والتمرد والتجريب فى تقنيات الكتابة القصصية برؤية حاول أن يخترق من خلالها تابوهات الحياة وتأزماتها، فاتكأ على واقع المهمشين والمأزومين والليليين، يجسد حياتهم وتأزماتهم ومشاكلهم وقضاياهم وما يعتمل داخل المشهد الحياتى وما يحتدم داخل الصدور.بطريقة لم تألفها الساحة الأدبية كتّابها، وقرائها، وكانت البداية حينما صدرت مجموعتى غرباء ، و الكرة ورأس الرجل عام 1968 عن دار الكاتب العربى للطباعة والنشر بالقاهرة، تضمنت المجموعة الأولى عشرة قصص البطل، خناقة، جداران ونصف، المليونير، غرباء، المدية، الفارس، شغلانة، مستحيل، الجنيه ، والمجموعة الثانية تسعة قصص الكرة ورأس الرجل، مارش الحزن، الثور الذى ذبح الرجل، حديث بائع مكسور القلب، الأمطار تلهو، وجف البحر، الأب حانوت، جولة ميم المملة، الطيور الصغيرة ، وعلى الرغم من أن مجموعة الكرة ورأس الرجل قد صدرت قبل مجموعة غرباء بأشهر قليلة إلا أنها كانت هى البداية الحقيقية لتحوّلات مسيرة حافظ رجب إلى الأشكال الجديدة للتجربة عنده، وكانت مجموعة غرباء بقصصها العشر تحمل فى نصوصها أبعادا جديدة وتمثل فى ذلك الوقت الإرهاصة الحقيقية التى مهدت إلى تحوّل محمد حافظ رجب إلى هذه الأشكال الحداثية التجريبية الجديدة فى فن القص حيث انعكست آثار القصة الواقعية الإنسانية فى مجموعة غرباء بما تحمله من مذاق وفنية عالية جديدة فى بنية النص، بدأ حافظ رجب من خلالها يضع البذرة الأولى لمحاولات التجريب فى منجزه القصصى، من خلال الوصف والتشيؤ والاتكاء على الشخصية المهمشة بتأزم حياتها وأحوالها وأشيائها المحركة والمتفاعلة مع أوجه الحياة المختلفة، واللغة المنحوتة من بؤرة الواقع المهترئ والمجسدة لحقيقة الأشياء، والمستمدة وجودها من الارتباط بين الدال والمدلول، واستنساخ الصورة القصصية وتولدها من مشاهد متواترة تتنامى مع الحدث وإشكالية ما أراد هو أن يعبّر عنه، وقد جاءت هذه الأدوات فى مجموعة غرباء كمحاولة أولية لتغيير واقع القصة المصرية آنذاك، حاول حافظ رجب أن يبث فى هذه المجموعة من خلال البعد الإنسانى الواضح رؤيته الجديدة فى التعامل مع النص من خلال الاتكاء على المضمر والملتبس فى المعنى النصى، وأن يجسد ويتغلغل فى أزمة الإنسان المعاصر بكل أبعادها المضمرة والمتشيئة فى الحياة، من خلال نماذج انتخبها من واقع الحياة، وقد جاءت بعض قصص هذه المجموعة بصورة تشيكوفية إلى حد كبير، وبصورة حاول فيها أن يخرج عن إطار التقليدية إلا أنها قد حملت فى بنيتها الفنية جينات وملامح جديدة لتحوّل القص عنده فى بداية الستينات على وجه الخصوص. وقد انعكست آثارها تماما على قصص مجموعة الكرة ورأس الرجل التى تزامن صدورها فى نفس العام مع صدور هذه المجموعة وهو ما ميز واقع القصة عند محمد حافظ رجب عن مجايليه من كتّاب القصة، وقد أشار إلى ذلك إبراهيم أصلان فى لقاء حدث بينه وبين حافظ رجب بحضور ضياء الشرقاوى وهما من مجايلى حافظ رجب فى ذلك الوقت، وكان أصلان قد التقى حافظ رجب فى بداية الستينيات بصحبة ضياء عندما بادرهم حافظ رجب بقوله أنتم لسه بتكتبوا القصص الواقعية بتاعتكم دى؟ . 1 وكانت هذه العبارة الدالة والصادرة عن رؤية حافظ رجب الخاصة فى كتابة القصة الحديثة وتجربته تشير إلى إصراره وتشدده فى تأصيل واقع القصة القصيرة فى مرحلة من مراحل التحول فى المسارات السردية المعاصرة فى ذلك الوقت.
دالة العنوان
تتميز مجموعة غرباء بأن عتبة النص فيها وهو العنوان يتكّون من مفردة واحد لها دلالتها الخاصة على مستوى المعنى. ففى هذه الكلمة المتصدرة لجسم النص ربما وضع الكاتب فيها دلالة المعنى وشفرة النص بأكمله، واختزل فيها رؤيته تجاه الواقع المهترئ وسطوة مضمونه المضمر والذى ترك للمتلقى وحده حرية تأويله والتعامل معه على مستوى القراءة والتلقى بدءا من هذه العتبة الأولى. فى حين أن القارئ لمجموعة الكرة ورأس الرجل يجد أن العنوان قد تغير تماما فى قصص هذه المجموعة حينما استخدمت ملامح السيريالية وظلالها فى اللغة الفنية المنحوتة من صلب التجربة، واستخدام سيميائية نصية جديدة فى إضمار المعنى، وتحرير الرمز، والاتكاء على ما وراء الواقع، وما وراء السطور، ليبرز من خلالها محددات جديدة تفسر قضايا هذا الواقع المراد التعبير عنه حكائيا وسرديا، وكان العنوان هو بداية التوقيع على لحن هذه النصوص، فبدلا من المفردة الواحدة فى مجموعة غرباء ، نجد أن العنوان قد تحّول إلى جملة لها أكثر من مفردة كما أن لها أبعاد وتأويلات تحملها وتشير بها إلى جسم النص فى مجموعة الكرة ورأس الرجل مثل الثور الذى ذبح الرجل ، و حديث بائع مكسور القلب ، و الأب حانوت وغيرها وفى هذا المعنى يبدو محمد حافظ رجب مأخوذا بوضعية الإنسان المغترب بالمعنى الماركسى للكلمة. فقصته الأب حانوت على سبيل المثال ومن خلال عنوانها، تعالج وضعية ولد يستغله أبوه استغلالا تاما. وكما أن الولد مغترب، كذلك الأب، لأنه لم يعد نفسه بل صار مرادفا للحانوت. والأم تشترك فى إدارة الحانوت وهى ذات أنياب تبدو لعينى الولد طويلة، طويلة تذكر بالغيلان وعمالقة القصص. الأبن فريسة عمل رتيب، كأنه طقوس عبادة للأب حانوت المعبود؛ وعندما يتمرد الولد فى النهاية ويرفض خدمة الأيدى العمال الذين يأكلون فى الحانوت، يتمرد أيضا على شجرة العائلة متحملا فى سبيل ذلك دور الضحية، فالتحرر من الاغتراب لا يكون شاملا . 2
إنما يبدأ بالثورة والتمرد ثم التحرر، والابتعاد عن هذا المناخ كلية، وقد كان هذا الملمح وكأنه صادر تماما عن شخصية حافظ رجب الذاتية، كما نجد أيضا أن نفس التيمة تتواجد فى قصة المدية من نفس المجموعة حين نجد أن الأب صاحب المطعم فى إشكاليته مع إحدى السكان الموتورين الذين يسكنون منزله، يحاول أن يتصرف بوضعيته الخاصة نحو إزاحة هذا الساكن وجعله يترك الشقة، هو يستخدم المال فى ذلك الموضع، ولكن الأبن الشحات يرفض هذه الطريقة، ويتحسس المدية المفتوحة فى جيبه، وتدور هواجسه الذاتية ناحية الأب مد أبى يده إلى جيب الفوطة وأخرج بعض النقود، ووضعها فى يد قريبه الأحول وقال له وهو يشير إلىّ خذ الشحات معك.. أعطه ما يحتاج إليه .. لا أدرى لماذا شعرت باحتقار هائل ضخم كالجبل لأبى.. مازلت تريد منى أن أقبض الثمن.. أنت مخطئ فى ذلك.. أنا سعيد لأنى أقوم بهذا العمل وأجد معنى وجودى . 3 لقد وضحت الغربة الذاتية فى أكثر من نص من نصوص حافظ رجب، جراء التعامل مع الواقع المتضمن طوطم الأب، ثم تابوهات السلطة، ثم مرحلة الاغتراب، لذا فإن المجموعة القصصية غرباء ربما تتجسد فيها الغربة من خلال هذه المفردة المتصدرة لقصص هذه المجموعة والتى جاءت فى أيقونة المعنى وسيميائيته فى دفقة واحدة جاءت كعلامة رئيسية لقضايا وإشكاليات النص فى هذه المجموعة، ربما تتواجد فيها شفرة ومفتاح النصوص كلها حيث الغربة والاغتراب وسطوة القهر والقمع النابع من غربة الإنسان المعاصر ودلالة المعنى وعلامته فى هذه المفردة كان له دور كبير فى بلورة تحول حافظ رجب بهواجس الكتابة والتمرد والوقوف على عتبة مرحلة ربما وجد نفسه فيها غريبا على المشهد ومغتربا فى غير مكانه المألوف، ربما كانت هواجسه الذاتية قد أفرزت من داخلها تجربة الكتابة كاملة عندما اصطدم بواقع الحياة فى بدايات حياته، وبواكير كتاباته خاصة عندما رحل إلى القاهرة للبحث عن ذاته، وعاش هناك فى غير موطنه وبيئته الأصلية فاقدا فى ذلك هويته الذاتية، وحريته الشخصية. فقصص البطل، خناقة، المليونير، غرباء، المدية، الفارس، شغلانة، مستحيل، الجنيه، أخذت كل منهما مفردة واحدة فى عنوانها أما قصة جداران ونصف وهى القصة الوحيدة فى المجموعة التى أخذت مفردتين بدلا مفردة واحدة، وقد جاءت كلها لتعبّر عن رؤى الإنسان من داخله، وعبر محكات الواقع وتأزماته، نجد ذلك فى قصص المدية ، المليونير ، البطل ، الجنيه كما تتميز قصص المجموعة أيضا بأن لها أبعادا إنسانية مثل ما كان يجسده تشيكوف قى قصصه القصار ذات الحس الإنسانى الذى كان يمزج فيه الواقع بالخيال والمأساة بالسخرية، والقارئ لقصص المجموعتين يجد ثمة فروق جوهرية فى الشكل وتقنية الكتابة والبعد الفنى الكامن فى بنية النص، كما يجد أيضا ملامح رامزة فى مجموعة غرباء ربما اختفت إلى حد كبير فى تنضيد ملامحها فى مجموعة الكرة ورأس الرجل وحلت محلها سيريالية التعامل مع النص لغويا وشعريا وغرائبيا من خلال استخدام تهويمات وغموض والتباس الأحوال، واستخدام البعد الميتافيزيقى والغرائبى فى قصص هذه المجموعة وهو ما أشار إليه إدوار الخراط فى تحليله لظاهرة قصص حافظ رجب فى مجموعتى الكرة ورأس الرجل، ومخلوقات براد الشاى المغلى حين أشار بأن الملمح الأول فى عمل محمد حافظ رجب هو ما يمكن أن نسميه عضوية القصة أو، حتى، العضوانية فيها ذلك العكوف على الأعضاء الجسدية ممزقة ومطعونة ومذبوحة ومقطوعة، غالبا، وتلك الغواية، أو حتى الفتنة، التى تمارسها أشلاء الجسم الحية والميتة سواء، مبتورة، مفصولة عن كيانها، ولكنها طول الوقت، حتى وهى مدفونة، مغيبّة فى الظلمة تنبض بحياة قوية بل طاغية . 4 وقد برزت عبثية حافظ رجب أول ما ظهرت فى مجموعة غرباء من خلال قصتى المدية ، و جداران ونصف وهما القصتان اللتان كانتا يجب أن تضمهما مجموعة الكرة ورأس الرجل حتى يحدث الانسجام فى خط سير المجموعتين من ناحية البناء الفنى واستخدام تقنيات شبه سيريالية تمهد لهذا التيار الذى بدأ فى الظهور بعد ذلك ووصل إلى أعلى مراحله فى مجموعتى مخلوقات براد الشاى المغلى، و حماصة وقهقهات الحمير الذكية ،حيث وضح الفرق فى استخدام البعد الفنى الواقعى فى غرباء عنه فى الناحية التعبيرية فى القصص التى ضمتهم المجموعات التالية لها.
بين الحب والمال
كانت هاتين القصتين هما البداية الحقيقية نحو استنساخ الواقع الجديد الذى مهد له حافظ رجب بعد ذلك فى مسيرته القصصية. ففى قصة جداران ونصف تبدأ ملامح سيريالية تتواجد فى نسيج هذا النص، ولعل إعادة إنتاج هذا النص من خلال القراءة يعرفنا على أن حافظ رجب قد بدأ فى الولوج إلى دائرة التهويمات والغموض الرامز والواقعية الجديدة من خلال عبثية المحاولة ومرجعيتها الذاتية. فهذا الراوى المتماهى مع ذاته فى لحظة عاهرة تضمها امرأة تستثير نوازع الرغبة فيه وتحاول أن تجعله طبيعيا فى عريه ورغباته. ولكنه كان على عكس ما كانت هى تتوقع. ثمة مفارقة حاصلة فى هذا النص، هو يريد الحب، وهى تريد المال، هو يبحث عن أربعة جدران كاملة يتعايش فيها مع الواقع الطبيعى، ويشعر فيها بطمأنينة الذات، بينما أمامه جداران ونصف فقط. دلالة على دعارة الموقف وتأزمه. ويبدأ الاستهلال بهذه العبارة الصادمة والمحققة لعنصر التجريب فى بداياته الأولى فى الجب صمت. رجل وامرأة.. أنا فى الجب. وفراش بارد لم تلمسه أنامل حارة بعد.. فوقنا مصباح، تحتنا كتب كثيرة مبعثرة، فوقها نسيج عنكبوت تائه فى عشه 5 ويسير النص على وتيرة التقاطعات والصدام الحاصل بين المرأة فى عريها والرجل فى رغبته التى يحول سترها والحفاظ عليها، ويستخدم الكاتب عقدة أوديب فى بحث الراوى عن المرأة التى تلقمه ثديها حتى يستعيد نفسه مرة أخرى، وتتبدى اللغة الشعرية فى حواريتها حتى تصل الأمور فيها إلى نقطة اللاعودة. ساعدينى. عادت تسألنى فى ضجر ماذا تريد؟
الثدى..
قالت بغض ظاهر
أنت مجنون.. هل تحسبنى أمك أم زوجتك؟
زوجتى؟.. زوجتى؟ لا.. لا أحسبك زوجتى.. أنت غريبة عنى.. فعلا غريبة عنى تماما زوجتى أعرفها.. كنت أشم رائحتها من بعيد حتى ولو كانت بين عشرات النساء كنت أشم عرقها دون أن أراها.. كنت أستلقى على صدرها وأبكى.. جدران أربعة كانت تضمنا معا.. أنت لست زوجتى يا امرأة أنا وأنت الآن بين جدارين ونصف . 6 أما قصة المدية فتتداخل خيوط الصراع بين الأب والأبن، ويتأرجح الموقف بين الواقعى والمتخيّل، فهذه المدية المفتوحة فى جيب الراوى الشحات ، وهذا القبر الموجود فى منتصف الرأس، هى تهويمات تبحث للراوى عن خلاص فى هذا الصراع الخفى بينه وبين أبيه المدية مفتوحة فى جيبى.. وكان هناك فى منتصف رأسى قبر مفتوح عليه شاهد مكسور، فوقه نصف أسمى، والنصف الآخر ضاع.. داس عليه الأطفال المحتشدون حول القبر يأكلون البلح.. وفوق أسلاك النور، كانت عيون النساء والرجال تطل فى صفوف منتظمة والعصافير متجمعة حولها تنقرها، لكنها أبدا لا تتزحزح، كانت تخترق جسدى، وتصل حتى المدية المفتوحة فتلمس سنها، ثم تعود وترتد إلى مرة ثانية.. كان خولى خلق كثيرون بينهم قريب أبى الأحول، ولم يكن أبى موجودا لحسن الحظ 7 تبدو فى القصتين ملامح السيريالية المبشرة بحالة جديدة فى قصص حافظ رجب المتأخرة والتى اتسمت بالعديد من التقنيات المؤصلة لواقع القصة القصير، إلا أن وجود هذين النصين فى مجموعة غرباء جعل هذه المجموعة تبشر بالتحول الذى طرأ على مسيرة حافظ رجب الإبداعية والتى تماهت فيها نصوصه مع ذاته، وتوحدت فيهما معا أحوال القصة القصيرة الحديثة.
AZP09