المتعاليات النصية في قصص ثورة عقارب الساعة
مثنى كاظم صادق
قلما نجد قاصا شاباً أسس لنفسه، وبجدارة لغة جديدة لفن القصة القصيرة جداً وأجاد فيها…. ذلكم القاص هو نهار حسب الله الذي انماز عن مجايليه، بأنه ذو نصوص تشي بضبابية المجهول، وجذوة المحتمل، فمنجزه القصصي ثورة عقارب الساعة 1 يقربنا كثيراً من آلامنا ومعاناتنا حتى نكاد أن نلعقها . يطل عينا القاص من خلال مجساته التي يستشعر بها هسهسات المحن المكبوتة، إذ يؤكد كما هو واضح على الفكرة، مما يجعلنا نزعم أنه يفهم الأدب بدوره الراديكالي التغييري، فضلاً عن دوره الإمتاعي، وبتضافر هذين الفهمين تتوافر بنية داعمة لتأويل نصوصه. تقترح هذه الورقة قراءة وصفية للمتعاليات النصية العنوانات التي وظفها القاص ضمن متصوراته الذهنية للموجود العيني للكلمة , فالعنوان ثريا النص ومنارته، وهو أول لقاء إشاري إشهاري مختزل تلتقي به عينا المتلقي، ومن الضرورة بمكان الإشارة هنا إلى أن العنوان ـ لازمة نصية ـ لا يأتي اعتباطاً بل ينتجه المبدع ضمن كدٍ ذهني مضنٍ ؛ لما يمثله من حقل دلالي عام للنص المنتج، فهو محطة الاستيعاب الأولى للمتلقي جاء العنوان الغلافي للمجموعة موسوما بـ ثورة عقارب الساعة معلناً منذ البداية بيان ولادة التغيير على مستوى الزمن مؤسساً لوعي راديكالي ؛ بتوظيف نسق الجملة الإسمية الدالة على الاستقرار بهذا التغيير، ولاسيما أن القاص قد جمع بهذا العنوان خيوط جميع القصص ؛ لما لهذا العنوان ودلالته بما ورد في بقية القصص التي أظهرت الهموم المتراكمة في مجتمع ينوء بثقل الظلم كما يشير القاص في تقديمه للمجموعة. من الملاحظ أن معظم عنوانات قصص المجموعة جاءت من النوع الملفوظ أي من جملة أو لفظة واردة في النسيج القصصي وجاءت بحسب الصيغ الإحصائية الآتية 23 قصة ذات عنوان مفرد نكرة وهي براءة » وفاء » مراقبة » مفاتيح » انتخابات » ظلام » اغتصاب » إصلاح » دموع » ضفائر » تذكار » مشانق » أسئلة » إضراب » سهرة » شذوذ » أزمات » تضحية » قرارات » مدينة » غائبون » صور وقصتان ذواتا عنوان مفرد معرفة وهما الساعات » القلم مثلت هذه العنوانات المفردة مسكوكات النص القصصي فلا يمكن الإفلات من منحنياتها الدلالية، ولاسيما أننا نسلم بمقولة رولان بارت الذي يقر بأن العنوانات أنظمة دلالية سيميلوجية، تحمل قيماً أخلاقيةً واجتماعيةً وأيدلوجية، وبمعنى آخر أننا لو قرأنا هذه العنوانات قيمياً نجدها لا تفارق معطيات الواقعية النقدية التي نعانيها، وقد أعطى تنكيرها دلالة الإطلاق دون التقييد، عدا التعريف بالساعات والقلم ؛ لتقييدهما بالعلمية والاختصاص، أما بقية العنوانات فقد جاءت ذات عنوانات مركبةً إسنادياً أو مركبةً إضافياً وأن هذه العنوانات الجملية، أضفت على النصوص قوة وسيطرة على هيكلية القص، فقد أقفل الخبر المبتدأ، وأقفلت الصفة الموصوف، وكذا الحال بالنسبة إلى المضاف إليه، الذي أقفل دلالة المضاف ؛ مما أعطى خصوصية التعريف والإيضاح الإشاري، فلو أخذنا نموذجاً لصيغ العنوانات الجملية التركيبية نجدها كالآتي أحلام جائعة أحلام معطى معنوي في جزئه الأول، أما في جزئه الثاني، فقد شكل منه جانباً مادياً، مما أدى إلى خلق استعارةٍ مكنيةٍ مدهشةٍ، نستطيع من خلالها أن نعطي إحدى تأويلاتها بأننا طعام لهذه الأحلام ونسوق مثالاً آخر وهو كرامة حذاء معطى معنوي في جزئه الثاني ؛ لدلالة سامية اجتماعياً أضيف إلى معطى مادي ؛ لدلالة وضيعة اجتماعياً مما شكل عنواناً إدهاشياً جديداً جمع بين المتناقضين إن مجمل عنوانات المجموعة جاءت مرشدة إلى التأويل بالتلميح أو التصريح بصورة محايدة أو محيرة إذ أحالها المبدع، إلى فضاءات مفتوحة، قيدت في انفتاحها متن النص القصصي من اجل إيصال رسالته بالتزامه النهج الواقعي بتعامله مع النص الحجاجي، الذي يهتم بالهم الجماعي ؛ بغية إقناع المتلقي أو التأثير فيه أو تعديل سلوكه، ضمن الفضاء الفكري والاجتماعي، بل أن هذه العنوانات ذات محمولات ثقيلة تقريراً، وإيحاءاً، وختاما فإن هذه العنوانات تحاول استدراج المتلقي إلى الإفصاح عنه بالنيابة، عما يعانيه ضمن مكنوناته الداخلية المخيفة والمؤلمة.
1 ثورة عقارب الساعة، قصص قصيرة جدا، نهار حسب الله، سندباد للنشر والإعلام القاهرة ط1 » 2011
AZP09























