الطِبُ بين التاريخ القديم والحديث في العراق

1127

الطِبُ بين التاريخ القديم والحديث في العراق

الحقبة الملكية لم تكن بالمستوى والجمهورية تؤسس لأنماط إشتراكية وشعبية

حيدر زكي عبد الكريم

لمحَة تاريخية

يقولُ ابقراط الاغريقي الملقّب ” بأبي الطب” : ” يجب ألا تفعلَ ما تقتنعُ به وحدك ، كان يجب ايضا أن تفعلَ ما يتفق عليه المريضْ والمساعدون والعالم الخارجي ” .

معنى كلمة الطب :

” كان اسم الطب عند اليونانيين (أياترتيكي) واسم الطبيب (أياتروس) واسم الطب عند اللاتينيين (ميديكو) أي دواء واسم الطبيب (دكتور) واسمهُ عند العرب (الطِبُ) وهو بمعنى الحذق والمهارة فيقولون أطِبُ بالأمور وعلى حد قول الشاعر :

واذا  تغير من تميم أمرها ….. كُنتَ الطبيب لها برأيّ حاذقٍ

ومن الاسماء العربية للطبيب : ” الطُبُ والأسي والعّراف وعند العامة الحكيم ” . ومن اسماء الطبيب (المتطبب) وكَثُر استعمالها بمعنى المتكلف صناعة الطب . والنطاسي والنطسُ بمعنى الطبيب الحاذق ومن الاصطلاحات الطبية (أستطب لوجهِ) أذا استوصف له . ترافق معنى الطب مكملات منها (الصيدلية) – محّل تركيب الادوية وصاحبها صيدلي او صيدلاني وآصلها فارسية منسوبة الى الصندل وهو شجر هندي طيب الرائحة (تشندان) فنقله الفرس (جندال) وعربه العرب (صندل) وتلحق بها مفردة الاقرابازين أي علم : تركيب الادوية ، وعلم التشريح وهو معرب من كلمة (أبنوميا) اليونانية بمعنى التقطيع والتمريض معرب (ترابياّ) اليونانية وهي الاعتناء بالمريض والبيمارستان من بيمار مريض- وستان محل فالمعنى محّل المرضى ، وعُرّب الان بالمستشفى وسماه الاتراك ( خسته خانة) (1) .

في التاريخ القديم  :

الطب في بلاد وادي الرافدين .. يذكرُ احد الباحثين في هذا الشأن : ” لم تُعرف او تحدد البدايات الاولى لطبيعة الطب وتفاصيل ممارسته في العصور التي سبقت التاريخ .. ويمكن القول ان أوّلَ ممارسة طبية واضحة تم الاستدلال اليها عندما عُثِرَ في كهف شانيدرا على عدد من الهياكل العظمية لذلك الانسان وبعد دراستها واجراء الفحوصات الطبية والمختبرية عليها تبيّن ان أحدها قد تم قطع ذراعهُ عند اسفل الكتف بأداةٍ حادة في الغالب كانت سكين من حجر الصوان ،وقد ثبت ايضا تلك الذراع كانت مصابة لسبب ما بموت الانسجة (الكنكرين) فتمت عملية القطع لإنقاذ حياة ذلك المصاب .(2)

وكذلك نقلاً عن الاكاديمي الاستاذ الدكتور  حسيب الياس حديد : ” ان سمة طب بلاد الرافدين من خلال العديد من النصوص التي تم العثور عليها ، ان المتمرسين في مجال الطب كانوا معروفين خلال الالفية الثالثة قبل الميلاد (3000ق.م) ، كما ان البابلين الذين كانوا لديهم مرض كانوا يستعملون نوعين من المتمرسين الطبيين ، اما (اسيبو) أي المعزّم الذين هم علاجاتهم سحرية  بحتة وكذلك الفصيلة الثانية (الآسو) – الاطباء الذين كانوا يقوموا بمعالجة المرض بأساليب تقوموا على اسس طبية ، وهنالك احد الامثال البابلية يقترح لنا توفر هؤلاء الاطباء وهذا المثل يقول – بأن الالتهابَ من دون طبيب مثل الجوع من دون طعام – وفي الحقيقة فأن كل منهما أي من هذين الصنفين قد عملوا سوية في حالة واحدة كما ورد في رسالة اشورية – دعه يعيّن معزّماً له وطبيب . ايضا ودعهم يقومون بمعالجتهما سوية نيابةٍ عني ” (3) .

كما كان الطب في بلاد وادي الرافدين وعنّد السومريين تحديدا في اول الامر مبنيا على الطب السحري والعقاقير وكان عندهم طبيب يمارس المهنة اسمه (آسو) وكان أله للطب اسمه (ايا) إلهُ الماء وحامية الطب الالهة كولا و (نن ازو) بثعابين حول عصا وكان المرض عبارة عن عقاب ألهي والشفاء تنقية من الآثام والذنوب وتعود اقدم الوصفات الطبية التي وصلتنا لحد الان الى 2100ق.م (4).

ومن الجدير بالذكر ان رمز الثعبان وهو يلتف حوّل العصا الذي ينتشر في اغلب الصناعات الدوائية هو من الرموز العراقية القديمة …(الكاتب)

كشفت العديد من النصوص مدى اهمية الفنون الطبية ، وأظهر علم الطب في بلاد الرافدين على انه طب نموذجي وبمستوى الفنون الموصوفة في كتب التطبيب الانكليزية القديمة . حيث تتألف المادة الطبية بشكل رئيسي من اعشاب متعددة الانواع ومن منتوجات حيوانية مثل السمّن والدم والحليب والعظام وعدد قليل من مواد معدنية ، ولقد استخدمت الاعشاب – جذور السيقان (النبات) والاوراق والفواكه ، اما بشكل جاف او طرية او مسحوقة ومغربلة او منقوعة ومغلية ، وكانت تمزج بمواد اخرى مثل البيرة والخل والعسل والشحم ، وكانت تؤخذ عن طريق الفم او عن طريق وضعها على جسم المريض بشكل غسول او مرهم .(5)

تنظيم المهنة

وعلى اية حال .. عاش الانسان في بلاد ما بين النهرين (الرافدين) طوال آلاف السنين التي سبقت العصر المسيحي في بيئة يسيطر عليها الدين والالهة ، فأله بابل (مردوخ) ما يلبث ان يفرض نفسه ومن حوله عدد من الجّن والشياطين الاخرى مسؤولة عن الامراض التي يعانيها الانسان ، ولابد من تهدئتها . لذا تميز الطب البابلي بالجمع بين العلاج الظاهري الذي يبذل المرء قصارى جهدهُ يحكم بفائدته وبين التعازيم التي تدلل على التقاليد السحرية والدينية اكثر من كونها مبادئ اكلينكية او عقلية . وبناءً عليه ، ينزل المرض كعقاب على الخطيئة : ” لقد اصابني الدنس ، أحكم قضيتي ، واصدر قرارك في مسألتي ، انتزع المرض البغيض من جسدي ، ومن لحمي وعضلاتي دعهُ يذهب اليوم حتى ارى النور” . من الواح التشخيص  الطبي والتشخيص التكهني حوالي 2000ق.م .(6)

كذلك القوانين القديمة التي كانت تحتوي على ما ينظم مهنة الطب : ” تم تحديد الاجر الذي يتقاضاه الطبيب او الجراح مقابل العلاج الذي يقدمه وبناء على الوضع الاجتماعي للمريض ” نبيل – تاجر – عبد ” كما حددت العقوبة التي توقع على الطبيب أذا ما فشل في أداء مهمته – اذا قام الطبيب بأجراء عملية جراحية كبيرة لأحد النبلاء منقذاً حياته فانه يحصل على عشرة من الشيكلات الفضية (النقود) ، اما اذا توفي هذا النبيل فتقطع يد الجراح . اما أذا تسبب الطبيب في وفاة احد العبيد فانه يقوم بتعويض صاحبهُ بعبد آخر . وهذا ما جاء في شريعة حمورابي والتي تقع في 282 قانونا .(7)

وقد ورّد في هذه الشريعة الطب البيطري وجاء في نصوصها ” أجر الطبيب عند تقديمه العلاج لكل نوع من الحيوانات ومسؤولياته في المحافظة على حياة الحيوان وما يُطبق بحقهُ من عقوبات اذا اساء شروط مهنته بالممارسات الخاطئة . كما ذكر الطب البيطري في البرديات الطبية لقدماء المصريين مثل بردية (كاهون) والتي وصفت الانشطة البيطرية .(8)

كما عُرف قديما الطب الشعبي وبإيجاز ” تتميز الخبرة الانسانية بشكل عام من الناحية الانفعالية بأربعة انواع من المشاعر التي تحدث عندما تواجه موقفاً محدداً في البيئة التي تعيش فيها – وتاريخيا نجد الانسان قد استخدم من تلقاء نفسه العديد من المواد التي وجدها منتشرة في البيئة من حوله بهدف تغير حالاته السلوكية والانفعالية وتعديلها ، فمنذ فجر التاريخ حاول الانسان ان يعالج نفسه بنفسه ، واستخدم عبّر تاريخه الكثير من الاعشاب والنباتات بل والاحجار والمعادن او قرن غزال او مخلب حيوان اسطوري الخ..(9)

وخلال فترة التاريخ العربي الاسلامي ، اهتم العرب المسلمون بالطب وظهرت مراكز طبية عديدة واطباء مشهورين ،واهم هذه المراكز ( المستشفيات) في العصر العباسي ، وكانت على انواع منها الخاص بمرض من الامراض كالأمراض العقلية والجذام ومنها العام لجميع الامراض وكذلك المستشفيات المتنقلة وبرز العديد من الاطباء بتلك الفترة ومنهم على سبيل الحصر : –

? حنين بن اسحق : وقد سموه شيخ المترجمين . وكان عالما مثقفاً وانساناً نبيلاً . ترجمَ كثيرا من الكتب اليونانية كجمهورية افلاطون ومقالات ارسطو وكتاب الطبيعيات له . واعاد ترجمة بعض الكتب التي ترجمت  لجالنيوس . وكان المأمون يعادل كل كتاب يترجمه له بالذهب . وقد ابدى مهارة فائقة في الطب حتى اصبح طبيب الخليفة المتوكل توفي سنة 873م

? ابو بكر الرازي : وهو محمد ابن زكريا من مدينة الريّ قرب طهران ، كان اعظم اطباء المسلمين واحذقهم ، واقدر المؤلفين في الطب . كان رئيسا للمستشفى في بغداد وله 130 كتاب في الطب والكيمياء وطبع له كتاب في الحصبة والجدري ورسائل فلسفية وطبية وماتزال صورته تزين القاعة العظيمة في جامعة باريس توفي سنة 932م .

? ابن سينا : وهو ابو علي الحسين  ، وكان فيلسوفاً وطبيباً ماهراً ، وله كتب كثيرة في الفلسفة والطب واشهرها “القانون في الطب” والمعروف في الغرب (LeCanon Delamedicine) والذي هو مرجع شامل للأمراض من الرأس الى القدمين واصبح مصدرا للغرب طيلة ثمانية قرون من عمر الطب الغربي ، ويرى البعض ان الكتابَ فلسفةٌ شاملةٌ للطب ليس له استنتاج عملي للمرض على عكس الرازي ، لكن هذا لم يمنع من ان يكون مؤلفا ابن سينا من المصادر الاساسية والمهمة الذي ميّز بين العديد من الامراض ، حتى ان منظمة اليونسكو أشادة بإنجازه بعد عدة قرون وتحديدا في عام 1980 للاحتفاء به . توفي سنة 1072م

? ابو علي الحسن بن الهيثم البصري ، ولد في البصرة ورحل الى مصر لينظم تصريف مياه النيل وكان مختصا بالبصريات وتشريح العين وعملها حتى اشاد به اشهر العلماء الامريكان فيما بعد توفي سنة 340هج . (10)

في التاريخ الحديث :

كانت احوال العراق في جميع المجالات تعاني من الركود خلال فترة الاحتلال العثماني (التركي) يضاف لها ضعف المستوى بسبب اقتصار الحكم العثماني على حفظ النظام والدفاع الخارجي وتنظيم استثماره للثروة التي تعود الى السلطان العثماني الذي يُعد الحاكم الاعلى للدولة والجيش ، اما الشؤون التعليمية والصحية والاجتماعية فقد كانت مسؤولية السكان انفسهم ، ولقد واجه العراق كثيرا من المشاكل كان من ابرزها ارتفاع نسبة الامية وانتشار الاوبئة والامراض . لكن هذا لم يمنع من ظهور عدد من الاصلاحات بفترة حكم الوالي مدحت باشا واجراءاته الاصلاحية الشاملة ومنها حتما الجانب الصحي . (11)

وبعدَ الحرب العالمية الاولى وفترة الاحتلال والانتداب البريطاني بدأت مرحلةُ جديدةٌ بقيام المملكة العراقية والتي أخذت على عاتقها تأسيس نظام جديد يشمل كافة المجالات .

فقد تشكلت مصلحة الصحة التي كانت تحت أمرة مدير عراقي منذ سنة 1922 بوجود الدكتور هاليان المفتش العام فيها وكان التطور بطيئاً لكنه مصيبٌ . فقد كانت تحتفظ بمستشفيات في المراكز الرئيسية وبمستوصفات في المدن وبالمحاجر وخدمات الحجاج الاخرى وبالمعاهد المتخصصة في امراض الرمد ومعهد الاشعة والمعهد الباثولوجي والعلاجات المضادة لداء الكلب والدورات التدريبية في ميدان الصيدلة والتمريض .

ولقد ازداد عدد الاطباء من الخمسة والعشرين طبيبا عراقيا ولبنانيا الذين تم استخدامهم في سنة 1921 الى اكثر من ثمانين في بحر عشر سنوات ، وهبط عدد الاطباء البريطانيين في ذات المدة من اربعين طبيبا الى عشرين . كما هبط عدد الممرضات الانكليزيات من اربع وعشرين ممرضة الى احدى عشرة ممرضة ، في حين هبط عدد الموظفين الهنود  التابعين للصحة من اكثر من مائتي موظف الى اربعين موظفاً . هذا في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة المرضى الذين اخذوا يقبلون على المستشفيات والمستوصفات من خمسة عشر الف وسبعمائة مريض في سنة 1921 الى مليون وستمائة الف مريض في سنة 1926 .(12)

وكان للعاصمة بغداد نصيب مهم في مجال المشافي وفي طليعتها المستشفى الجمهوري او الملكي او المجيدية سابقا ويشير التاريخ الى ان الانكليز حينما احتلوا مجيديه خسته خانة سي – أسموها بإسم المستشفى العسكري البريطاني الثابت رقم 23 وجهزوه بالعقاقير والآلات الجراحية الحديثة العهد آنذاك ، وبقى تحت ادارة الجيش البريطاني حتى سنة 1923 . حيث أنيطت أدارته بوزارة الصحة التي جعلته تحت ادارة مديرية الصحة العامة وأسمته المستشفى الملكي العراقي وكان يديره الدكتور دنلوب بمساعدة دكتور عراقي وتم افتتاح العديد من المستشفيات تباعا .(13) متابعة نخبة

ومن الجدير بالذكر الى أن كلية الطب تأسست بإصرار ومتابعة نخبة من الاطباء الانكليز وعلى رأسهم هاري سندرسن . وتبوأ كرسي عمادتها استاذة اطباء كان أولهم الطبيب الانكليزي المشار اليه اعلاه  (الكاتب)

ومع التطور التدريجي في العراق الملكي للمستوى الصحي الا انها لم تكن بالمستوى المطلوب وفي هذا الصدد يرى احد الباحثين : ” الحال في العراق متدهورة جداً لانتشار الامراض وسوء التغذية والمساكن وقلة المؤسسات الطبية في العراق وبلغَ مجموع وفيات الاطفال لعام 1942(443) طفل وعام 1943(540) طفل وتنتشر كثير من الامراض امثال امراض العّين وامراض الجهاز الهضمي والملاريا والديدان والامراض الزهرية بين السكان خاصةِ في الريف ” ، والاحصائيات الرسمية لعدد المؤسسات الصحية المنتشرة في شتى انحاء القطر تبيّن لنا أن هناك 71 مستشفى رسميا و11 مستشفى اهليا و403 مستوصف ، وان هذه الاعداد تشمل المستشفيات الموجودة في مراكز الالوية وبعض الاقضية التابعة لها وان عدد الاسّرة فيها جميعا 4900 سرير منها 4475 مجانا اما الاطباء المسجلون في العراق لغاية  1950 هو 811 طبيبا منهم 444 طبيبا في بغداد وهذا الواقع الصحي يعكس بكل وضوح تدهور الحالة الصحية.(14)

وبقيام ثورة 14تموز 1958 واعلان الجمهورية العراقية – حاول العراق ان يخطو على طريق جديد والتخلص من التخلف الاجتماعي وعلى هذا الطريق صدرت العديد من القوانين ، واهمها الجانب الصحي .(15)

فكانت البداية من القضاء على الفقر والجهل والمرض وقامت الحكومة بافتتاح العديد من المؤسسات الصحية مثل المستشفيات والمستوصفات ومنها وضع الاسس لمدينة الطب ببغداد في 8\3\1961 وتوفير الخدمات الطبية لأبناء الـــشعب العراقي .(16)

يعلق احد الساسة عن تلك الفترة فيما يجب اتباعه مع الجانب الصحي : ” ان الصحة العامة مرتبطة أشّد الارتباط بالتغذية وبتوفير المياه الصالحة للشرب وبمكافحة الحفاء والتوعية الصحية للوقاية من الامراض والعناية بالصحة تتطلب المعالجة الصحيحة من الامراض في المستشفيات والمستوصفات ومعاهد الامومة والطفولة ، وتهيئة الاطباء والممرضين والقابلات وبتوفير الادوية بأسعار رخيصة .

والصحة العامة تتطلب دخلاً طيباً وارتفاعاً في مستوى المعيشة كما تتطلب ثقافة وخبرة والتنمية اقتصادية والانتاج الوافر يتوقفان على الصحة الجيدة ، والغذاء الصحي لتهيئة الطاقة الكافية . ولذلك لابد من العناية الصحية في الريف والمدينة على السواء . ولابد من تأمين العلاج لذوّي الدخل المحدود مجاناً أو بأجرٌ زهَيد .

أن تأميم الطب وجعل التعليم الابتدائي اجبارياً كلاهما يتطلبان اعدادا كبيرا ليحّققا الغاية المطلوبة منهما . وتأميم الطب في بريطانيا يقوم على دفع المواطن البريطاني ضريبة سنوية لتغطية النفقات الباهظة على سبيل المثال .(17)

بعد حركة 8شباط\14رمضان1963 ظهرت اول فكرة صحية لخدمة الشعب وهي “العيادات الشعبية ” كتوجه من أوجه النشاط التي كانت تقوم به ” المنظمة الوطنية للعمل الشعبي ” التي تأسست عام 1963 وفتحت لها جملة عيادات في بغداد والمحافظات ودخلت كمُنافس اجتماعي ترعاه الدولة من ممارسات القطاع الطبي الخاص .(18)

تبلور بعدها مفهوم الطب الاشتراكي بتلك الفترة من خلال ان المفهوم السائد هو ان قطاع الصحة احد القطاعات غير الانتاجية الا ان كل الدراسات والبحوث التي نشرت من قبل النخبة الممتازة من الخبراء العاملين في مجال الصحة في المنظمات العالمية تؤكد ان قطاع الصحة في أي بلد هو قطاع  خدمي انتاجي وتتجلى اهميته من خلال هذه الميزة الفريدة فهو من خلال الخدمات الوقائية والعلاجية التي يقدمها الى مجموع الشعب في القطر الحقيقة العنصرية البشرية الذي يتمتع بالصحة البدنية والعقلية والنفسية التي تؤهلهُ للإنتاج الفعلي في سائر القطاعات . أذ لا انتاج يرجى من عامل مريض او فلاح مريض ولا مستقبل سعيد يمكن ان يحلم به أي بلد دون تربية جيل من الاصحاء القادرين على التفكير السليم والانتاج النموذجي.

قطاع صحي

كانت استراتيجية القطاع الصحي بعد تغير النظام السياسي للفترة 1968-2003 تتلخص بعدة امور :

? قطاع الصحة هو قطاع خدمي انتاجي في نفس الوقت

? ان تتولى الدولة مسؤولية تقديم الخدمات الصحية للمواطنين وفي كافة مجالات الطب مع تامين نوع من ممارسات القطاع الخاص كمنافس محدد بضوابط تتماشى مع التحولات الاشتراكية في القطر آنذاك

? التوزيع الجغرافي  للخدمات الصحية مبنياً على كثافة النفوس وتوزيعها الجغرافي

? وفّر الاكتفاء الذاتي بالقوى العاملة الوطنية (عراقية وعربية) وان تحصر الاستفادة من الاجانب وحسب حالات محددة .

? تطوير المناهج الدراسية في كليات ومعاهد الطب بما يكفل انتاج الاطباء والمساعدين بالمستوى المتفهم لحاجات المجتمع الصحي.

? توفير التجهيزات والمستلزمات الطبية والادوية بالشكل الذي يؤمن سد احتياجات المجتمع .

? أوجّد صيغ جديدة من التعاون والتشاور بين وزارة الصحة واجهزتها وباقي الوزارات

? وضع خطط قصيرة المدى( خطة خمسية ) وخطط طويلة المدى لتنفيذ الاستراتيجية الصحية وأن سنة الهدف هي عام 2000م .

ومن الملاحظ على ان القطاع الصحي بقطرنا اعتمد على اربعة مستويات من الرعاية الصحية وهي :          ( مستوى الرعاية الذاتية “الفرد والعائلة” ومستوى الرعاية الاولية ” يلبي حاجات المواطن الصحية الوقائية او ما يطلق عليه طب المجتمع ” ومستوى الرعاية الصحية المتخصصة ” الذي يؤمن للمواطن الخدمات العلاجية عند الحاجة ” ومستوى الخدمات الصحية التخصصية المتطورة ” الذين يعانون من امراض نادرة او معقدة كجراحة القلب او الجملة العصبية ” ) .

كما شهد القطر صدور عدد من القوانين في قطاع الصحة وتحديدا بمناطق الارياف لكثرة انتشار حواضن الامراض وحسب إحصائيات تلك الفترة – ومنها القانون رقم 56لسنة 1970 والذي تم بموجبه تأسيس عيادات مسائية في مراكز النواحي ، والقانون رقم 129 لسنة 1973 وقد تم بموجبه شمول الاقضية بالتامين الصحي ، والقانون رقم 18 لسنة 1974 وبموجبه اضيفت مُنحة وزارة المالية الى ميزانية الصحة ، والقانون رقم 211 لسنة 1975 وبموجبه تحولت الخدمات الصحية الريفية الى المؤسسة العامة للتامين الصحي والصحة الريفية .

ومع الجانب الاخر من العيادات الشعبية ، فقد شُرع لها قانون خاص برقم 129 لسنة 1970 وقد جاء في القانون : ” تكون الاغراض  التي تنشأ من اجلها العيادات هو توفير رعاية وعناية صحية للمواطن العراقي بتخليصه من الاستغلال والجشع وذلك بفحصه فحصاً جيداً وتهيئة العلاج اللازم بأثمان زهيدة “.

كما اهتمت القوانين الصحية بمختلف شرائح الطبقة العاملة وهذا على سبيل الحصر – خاصة بعد تشريع قانون العمل ومسألة الضمان الصحي ، حيث تم تشريع قانون العمل رقم 151 لسنة 1970 وقد جاء بالمادة 109 من القانون : ” على صاحب العمل ان يوفر للعمال وسائل الاسعاف الطبية وحسب اعداد العمال والخدمة التي تقدم لهم طبياً ” .(19)

 وتمّر السنون ويصبح النظام الصحي في وطننا تدريجياً يضاهي حتى الدول العربية المتقدمة ، من حيث الخدمات الطبية وبناء المستشفيات والمستوصفات من خلال الشركات الاجنبية ونتذكر وهذا موثق ايضا عندما جاءت الشركات اليابانية لعمل المشاريع في القطر ، قامت ببناء المستشفيات الكبيرة في اغلب المحافظات مع بداية ثمانينات القرن الماضي واهتمت قبل كل شيء بالجانب الفندقي – السريري بها لأنه ضمان نحو الصحة والنظافة اولاً ، وكذلك تم  توفير العلاج الصالح والمجاني وتطوير الملاكات الطبية بأرسالها للخارج وتحديث المناهج التدريسية وعدم السماح بهجرة الاطباء الا بشروط لأنه هدراً للعقول العراقية يضاف لها اجراءات ضبطية من قبل الحكومة عن طريق نقابات الاطباء والصيادلة واصبح الطبيب العراقي يشار اليه بالبنان على المستوى المحلي والعالمي ايضا ان لم نبالغ بهذا الشأن .

لكن متى اصبح هذا القطاع فريسة الصراعات والاحداث السياسية التي شهدها البلد وتأثره بها تحديداً    ما بعد العام 1991- وخلال تسعينيات القرن المنصرم فترة العقوبات الدولية (الحصار الاقتصادي) بدأ القطاع الصحي بالتدهور تدريجيا – حيث بدأت تنتشر الامراض المجهولة نتيجة اثار الاسلحة المستخدمة في الحروب بتلك الفترة والانقطاع عن مواكبة التطور الطبي طيلة تلك السنوات وشحّة الادوية ومستلزمات العلاج ويقابلها ارتفاع الاسعار الدوائية ، وارتفاع حالات الوفيات بين شريحة الاطفال  وهذا موثق لدى اغلب المنظمات الانسانية نتيجة للأسباب السابقة – حتى اسهمت بعض الدول الشقيقة المجاورة بإرسال المساعدات الطبية وتقبل الحالات العلاجية الخاصة مثل الاردن وسوريا. (20)

واخيرا :

ولأجل ما تضمنهُ خلق الجسم الانساني من عجائب واسرار طالب القرآنُ بالتأمل في خَلق الانسان بقوله   ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) ؟

وقال الامام علي بن ابي طالب :  ” أعجبوا لهذا الانسان : ينظر بشْحم ، ويتكلمْ بلحم ، ويسمع  بعظم ” !

وقال الامام الشافعي : ” علمان شريفان وضعهما ضعة متعاطيهما ، وهما الطب والنجوم ” .

وقال الرازي : ” اذا كان الطبيب حاذقاً والمريض موافقاً ، والصيدلي صادقاً فما أقلْ لبثَ العّلةُ “.

ونحن وبكل تواضع نُردد المثل الشائع : ” أساس كل مرض عضوي – خللٌ نفسي ” والامثال تضرب ولا تقاس ايضا .

**مرفق صورة من الأرشيف للمستشفى الملكي ( الفيصلي ) سابقا ، والجمهوري لاحقاً  في مدينة الناصرية – العراق

الحاشية

(1)عيسى اسكندر المعلوف ، تاريخ الطب عند الامم القديمة والحديثة ، ط1? ( القاهرة- مؤسسة هنداوي ) ،2014 ?   ص40-41.

(2) حامد خيري الحيدر ، نظرة على الطب في العراق القديم ، الحوار المتمدن – العدد4851? 2015 . على الرابط :

http\\www.ahewar.org-dehat sgowartasn.

(3) د. حسيب الياس حديد ، الطب في العراق القديم ، محاضرة مترجمة – منشورة على موقع مركز النور الثقافي ،2013? على الرابط :

http\\www.alnoor.se articlasn.

(4) د.عبدالعزيز اللبدي ، الطب في بلاد ما بين النهرين ، مقالة منشورة على موقع الطبي ، 2008 . على الرابط :

http\\ www. Altibbi. Com

(5) ليو أوينهايم ، بلاد ما بين النهرين ، ترجمة سعدي فيضي عبدالرزاق ، ط1? بغداد ، 1981? ص381ومابعدها .

(6) جان شارل سورينا ، تاريخ الطب ، ترجمة د. ابراهيم البجلاتي ، ط1 ? ( الكويت – مطابع السياسة ) ، 2002 ? ص24-25.

(7) المرجع ذاته ، ص25.

(8) نبذة من تاريخ الطب البيطري في العلم – على الرابط :

http\\ www. Veterinarvuo kerbala edu in

(9) أ.د. علي عمار ، تاريخ الطب الشعبي – التطور والتنوع ، محاضرة منشورة على موقع النور الثقافي ، 2014 . على الرابط :

http\\ www. Alnoor . searticle asn.

(10) مجهول المؤلف ، محاضرات في التاريخ العربي الاسلامي ، بغداد ،1948.

(11) حيدر زكي عبدالكريم ، مسالك في كتابة البحث والتاريخ ، ط2دمشق،2015.

(12) ستيفن همسلي لو نكريك ، العراق الحديث ، ترجمة سليم طه التكريتي ، ج1  ط1  بغداد ، 1988 ص277.

(13) سندس الدهاس ، تاريخ مشافي بغداد ، مجلة الموروث – د.ك.و، العدد 69 2013 على الرابـــــط : http\\www. Iraonl-iq.com

(14) محمد كاظم علي ، العراق في عهد عبدالكريم قاسم 1958-1963?ط1? بغداد ،1989? ص38.

(15) فؤاد الركابي ، ملامح التطبيق الاشتراكي في البلاد العربية ، ط1بغداد ، 1968 ص38. (16) حيدر زكي عبدالكريم ، الجمهورية العراقية الاولى 1958-1963 (طبعة منقحة)، بغداد ، 2015? ص114.

(17) خليل كنه ، العراق أمسه وغده ، ط1 ? بيروت ، 1966? ص476.

(18) فرحان اسماعيل ، الصحة والتخلف ، كراس سياسي ، وزارة الثقافة والاعلام (سابقا) ، 1984  ص115-125.

(19) المرجع ذاته .

(20) مقابلة مجموعة اشخاص .

مشاركة