اللبنانيون يخلّدون الصافي بنصب تذكاري

عملاق الطرب في الوطن العربي

اللبنانيون يخلّدون الصافي بنصب تذكاري

بيروت – وجدان شبارو

يعد الفنان الكبير وديع الصافي من عمالقة الطرب في لبنان والعالم العربي وكان له الدور الرائد بترسيخ قواعد الغناء اللبناني وفنه، وفي نشر الأغنية اللبنانية في أكثر من بلد وأصبح مدرسة في الغناء والتلحين، ليس في لبنان فقط، بل في العالم العربي أيضًا.وتكريماً لذكرى من صنع مجد الأغنية اللبنانية الصافي أقامت بلدية الدكوانة اللبنانية بالتعاون مع جمعية تراث ووطن نصباً تذكارياً للراحل، هو عبارة عن تمثال ضخم أقيم في شارع انطوان بطرس بو عبود في المنطقة.

وقال بيان امس ان ( وزير الاعلام اللبناني ملحم الرياشي ازاح الستار عن التمثال نيابة عن رئيس الجمهورية اللبناني العماد ميشال عون في احتفال رسمي جماهيري وفنيّ شاركت فيه الأوركسترا الوطنية اللبنانية وحضره حشد من الشخصيات الرسمية والاجتماعية والفنية والإعلامية وعائلة الصافي), واضاف ان (كلمات القيت في الاحتفالية لكلّ من الرياشي  ولرئيس بلدية الدكوانة انطوان شختورة ولرئيس جمعية تراث ووطن  وليد نخلة ولنقيبة المرئي والمسموع الاعلامية رندلي جبور وللعميد المتقاعد ايليا فرنسيس وإبنة الراحل مارلين حداد والقائد السابق لموسيقى قوى الأمن أجمعت كلها ثمنت واشادت بمزايا وانجازات العملاق الصافي وصوته الفريد، الذي لا يتكرر وعطاءاته اللامعة في كلّ من لبنان وأنحاء العالم العربي), واوضح البيان ان (كلمة عون اكد ان الصافي ان  الصافي حاضر في الصوت وفي الترنيمة وفي الترتيلة وفي الكبر و الوزراء يأتون ويرحلون، الرؤساء يأتون ويرحلون، وزراء يأتون ووزراء يذهبون، أما كبار هذا الوطن من شعراء وادباء ومفكرين مثل وديع الصافي هم خالدون لا محال الى أبد الآبدين), واوضح البيان ان (رئيس البلدية اشار الى عمق العلاقة العائلية والتاريخية التي تربط الصافي بآل بو عبود وآل شختورة بنوعٍ خاص وعموم عائلات الدكوانة، وسرد مسيرة حياة الراحل في هذه البلدة ومدى تعلُّقه بها، حتى أنه أوصى أن يُدفن فيها)، وكشف عن (حصوله على مرسوم لتسمية شارع في الدكوانة باسم – جادة الفنان وديع الصافي -).واشار البيان الى ان (إبنة الصافي مارلين حداد شكرت في كلمة العائلة كل من ساهم ويساهم في تخليد ذكرى والدها  لأنه قيمة وطنية، فنية مبدعة وحالة اخلاقية في اهدافها وانسانية في مبادئها وثقافية للبنان كلّه ليس للعائلة فقط), وتابع البيان ان (نقيبة العاملين في المرئي والمسموع سرد بطريقة نثرية مسيرة الكبير وديع الصافي الفنية ودعت كلّ الاعلاميين لأن يستمعوا الى اغنيات الصافي ليكونوا لبنانيين أصيلين بعيداً عن كل فساد وارتهان), فيما قال  رئيس جمعية تراث ووطن ان (إرتباط وديع الصافي بالتراث اللبناني كان صميميا )، مشيراً الى أن (لا تراث فنيّاً وثقافيّاً في لبنان من دون وديع الصافي وأن أمثاله خالدون), فيما اشار  القائد السابق لموسيقى قوى الأمن الداخلي العميد ايليا فرنسيس الى (مسيرة شقيقه وديع الصافي مع موسيقى قوى الامن الداخلي). وقدّمت الأوركسترا الهارمونية التابعة لموسيقى قوى الأمن الداخلي بقيادة العقيد زياد مراد وبمشاركة كارول عون وشادي عيدموني أغاني للصافي بين كلّ كلمة وأخرى وفي ختام الاحتفالية  توّجه الحضور لازاحة الستارة عن النصب التذكاري وهو تمثال نحته الفنان ميشال مطر تخليداً للعملاق الكبير كي لا ينسى الأحفاد عظمة الأجداد.ويذكر ان الصافي ولد  في قرية نيحا الشوف وهو الابن الثاني في ترتيب العائلة المكونة من ثمانية أولاد كان والده بشارة يوسف جبرائيل فرنسيس، رقيباً في الدرك اللبناني.

 ترك الدراسة

عاش وديع الصافي طفولة متواضعة يغلب عليها طابع الفقر والحرمان، في عام 1930? نزحت عائلته إلى بيروت ودخل وديع الصافي مدرسة دير المخلص الكاثوليكية، فكان الماروني الوحيد في جوقتها والمنشد الأوّل فيها وبعدها بثلاث سنوات، إضطر للتوقّف عن الدراسة، لأن جو الموسيقى هو الذي كان يطغى على حياته من جهة، ولكي يساعد والده من جهة أخرى في إعالة وكانت انطلاقته الفنية بعام 1938? حين فاز بالمرتبة الأولى لحنًا وغناء وعزفًا، من بين أربعين متباريًا، في مباراة للإذاعة اللبنانية، ايام الانتداب الفرنسي، في أغنية (يا مرسل النغم الحنون) وكانت اللجنة الفاحصة مؤلّفة من ميشال خياط، سليم الحلو، ألبير ديب ومحيي الدين سلام، الذين اتفقوا على اختيار اسم (وديع الصافي) كاسم فني له، نظرًا لصفاء صوته,  فكانت إذاعة الشرق الأدنى، بمثابة معهد موسيقي تتلّمذ وديع فيه على يد ميشال خياط وسليم الحلو، الذين كان لهما الأثر الكبير في تكوين شخصيّته الفنية. بدأت مسيرته الفنية بشق طريق للأغنية اللبنانية، التي كانت ترتسم ملامحها مع بعض المحاولات الخجولة قبل الصافي، عن طريق إبراز هويتها وتركيزها على مواضيع لبنانية وحياتية ومعيشية  ولعب الشاعر أسعد السبعلي دورًا مهمًّا في تبلّور الأغنية الصافيّة  فكانت البداية مع طل الصباح وتكتك العصفور سنة . 1940وكان أول لقاء له مع الفنان الكبير محمد عبد الوهاب عام  1944 حين سافر إلى مصر. وسنة 1947 سافر مع فرقة فنية إلى البرازيل حيث أمضى 3 سنوات في الخارج.وبعد عودته من البرازيل، أطلق أغنية (عاللّوما)، فذاع صيته بسبب هذه الأغنية التي صارت تردَّد على كل شفة ولسان، وأصبحت بمثابة التحية التي يلقيها اللبنانيون على بعضهم بعضا. وكان أول مطرب عربي يغني الكلمة البسيطة وباللهجة اللبنانية بعدما طعّمها بموال (عتابا) الذي أظهر قدراته الفنية.قال عنه عبد الوهاب عندما سمعه يغني أوائل الخمسينات (ولو) المأخوذة من أحد افلامه السينمائية وكان وديع يومها في ريعان الشباب(من غير المعقول أن يملك أحد هكذا صوت). فشكّلت هذه الأغنية علامة فارقة في مشواره الفني وتربع من خلالها على عرش الغناء العربي، فلُقب بصاحب الحنجرة الذهبية، وقيل عنه في مصر أنّه مبتكر (المدرسة الصافية) (نسبة إلى وديع الصافي) في الأغنية الشرقية.

زواج قريبة

وعام1952  تزوج من ملفينا طانيوس فرنسيس، إحدى قريباته، فرزق بدنيا ومرلين وفادي وأنطوان وجورج وميلاد.في أواخر الخمسينات بدأ العمل المشترك بين العديد من الموسيقيين من أجل نهضة للأغنية اللبنانية انطلاقًا من أصولها الفولكلورية، من خلال مهرجانات بعلبك التي جمعت وديع الصافي، وفيلمون وهبي، والأخوين رحباني، وزكي ناصيف، ووليد غلمية، وعفيف رضوان، وتوفيق الباشا، وسامي الصيداوي، وغيرهم.مع بداية الحرب اللبنانية، غادر وديع لبنان إلى مصر سنة 1976 ومن ثمّ إلى بريطانيا، ليستقرّ سنة 1978 في باريس. وكان سفره اعتراضًا على الحرب الدائرة في لبنان، مدافعًا بصوته عن لبنان الفن والثقافة والحضارة. فكان تجدّد إيمان المغتربين بوطنهم لبنان من خلال صوت الصافي وأغانيه الحاملة لبنان وطبيعته وهمومه. منذ الثمانينات، بدأ الصافي بتأليف الألحان الروحية،

عاش معاناة الحرب وجروح لبنان

نتيجة معاناته من الحرب وويلاتها على الوطن وأبنائه واقتناعًا منه بأن كلّ اعمال الإنسان لا يتوّجها سوى علاقته باللّه.وفي عام  1990 خضع لعملية القلب المفتوح، ولكنه استمر بعدها في عطائه الفني بالتلحين والغناء. فعلى أبواب الثمانين من عمره، لبّى الصافي رغبة المنتج اللبناني ميشال الفترياديس لإحياء حفلات غنائية في لبنان وخارجه، مع المغني خوسيه فرنانديز وكذلك المطربة حنين، فحصد نجاحاً منقطع النظير أعاد وهج الشهرة إلى مشواره الطويل. لم يغب يوماً عن برامج المسابقات التلفزيونية الغنائية قلباً وقالباً فوقف يشجع المواهب الجديدة التي رافقته وهو يغني أشهر أغانيه.شارك في االعديد من المهرجانات من بينها بعلبك وجبيل والارز وبيت الدين  وغنّى للعديد من الشعراء، خاصّة أسعد السبعلي ومارون كرم، وللعديد من الملحنين أشهرهم الأخوان رحباني، زكي ناصيف، فيلمون وهبي، عفيف رضوان، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، رياض البندك. ولكنّه كان يفضّل أن يلحّن أغانيه بنفسه لأنّه كان الأدرى بصوته، ولأنّه كان يُدخل المواويل في أغانيه، حتّى أصبح مدرسة يُحتذى بها. غنّى الآلاف من الأغاني والقصائد، ولحّن منها العدد الكبير. خسرت الأوساط اللبنانية والعربية عملاق الغناء الجبلي، المطرب والملحن وديع الصافي عن عمر يناهز 92 عاماً قضى أكثر من نصفها في الغناء، فتوفي في أحد مستشفيات لبنان بعد صراع طويل مع المرض.