ظلال جسد.. ضفاف الرغبة

ظلال جسد.. ضفاف الرغبة

خلف أسوار الخوف

يوسف عبود جويعد

من خلال السيمائية المضمرة في انساق متن النص السردي لـرواية (ظلالُ جسد – ضفاف الرغبة ) للروائي سعد محمد رحيم، نلتفت الى حالة قد تكون جديدة في صناعة فن الرواية في العراق، إذ إنه استطاع أن يوظف لغة الإشارة من أجل خلق حالة من التواصل والتفاعل للمتلقي في العالم الغربي لكي تكون أحداث تلك الرواية من ضمن اهتماماته، وعليه أن يعيد النظر في دور المثقف والنظرة الدونية التي يرى فيها المثقف العربي، فقد ضخ في هذا النص معلومات تشبه لغة الابتسامة التي يفهمها العالم برمته دون حاجة الى الحديث أولغة الإشارة اليدوية التي لا تحتاج أيضاً لمترجم كونها لغة عالمية مفهومة.

فضول المتلقي

 أمّا في هذا النص فأنه أثار فضول المتلقي من خلال رفد النص بأنواع الفنون والآداب العالمية المعروفة والمشهورة، مثل الموسيقى العالمية وأسماء كبار الموسيقيين العالميين والروايات العالمية وكبار كتـّابها، وأشهر الأفلام وأهمها وكذلك أشهر الممثلين، وجعلها لغة إشارة من أجل أن تكون بطاقة دخول لوعي وفكر واهتمام المتلقي الغربي. وكذلك نجد أيضاً العوامل المشتركة التي يعرفها المتلقي العربي، الموسيقى، الأفلام، الروايات، وهو في هذا يسلط الضوء على المثقف في البلد في إشارة ذكية من أجل خروجه من شرنقة الصورة التي ظلت ترافقه إلى حيث مصافي المثقفين في العالم. , من جهة أاخرى فإن الروائي يعي أن هذا النص سوف يشترك بمسابقة عالمية، إذ حصل بالفعل على جائزة في مسابقة (كتارا) وهذا الأمر يتطلب منه أن يجعله يجد طريقه ضمن مجال اهتمامات القارئ الغربي والعربي من خلال تلك الإشارات المشتركة، فبطل هذا النص الدكتور علاء الذي وقع بحبائل علاقة غريبة وشائكة كان يصفها بأن لها ملامح من الممثلة العالمية صوفيا لورين ونظرتها تشبه نظرة النمر المفترس وإن الإحساس الذي يراوده عندما يتأمل قوامها الممشوق وحركتها بأنه يتمنى أن يرقص معها على موسيقى وأغنية (يابدع الورد)للراحلة إسمهان، حيث نكتشف ذلك من خلال متابعتنا للاحداث إذ يكتشف دكتور علاء أن رواء العطار التي تأثر بها وعشق حياتها وصفاتها وقوامها وأقام معها علاقة روحية وجسدية لها علاقات مشابهة مع رجال آخرين! وكان يعرف إنها هي ذاتها عندما يصفونها بهذا الثالوث، وهي إشارة رافقت الأحداث منذ انطلاقها. ورغم اهتمامه بالمتلقي الجديد سالف الذكر إلا إن الروائي لم يغفل منحها هويتها وبيئتها وزمانها ومكانها حيث إننا لانحتاج الى جهد فكري كبير لمعرفة أن الاحداث تدور في البلد وفي أقسى وأصعب السنوات التي مرّت على العراقيين أيام تأجج الطائفية والقتل على الهوية والانفجارات المستمرة، حيث اختطت أحداث هذا النص مسارين، الأول الحياة القلقة في تلك الفترة، وتلك العلاقة المشبوبة بالغموض والإبهار، ولم يبخل كما اعتدنا في أغلب صُنّاع الرواية أن تكون للرواية مفاجأة واحدة ضمن سياقها الفني المتّبع إلا أننا في هذا النص نعيش مفاجآت جمّة وكثيرة تحبس الأنفاس، الأمر الذي جعلها أكثر هيمنةً وشدّاً بالرغم من عدد صفحاتها التي ربت على الثلاثمائة وتسعون صفحة. ويشترك الروائي في إضاءات مكملة لحبك الأحداث مساهمة في شد وتقوية النص(: أكتب متوسلاً في البدء، الذاكرة القابلة للشطط والتي لا يُعوُل عليها تماماً، فليس لديّ أرشيف من أي نوع يتعلق بحكايتي مع رواء العطار وضحاياها..لا رسائل ولا يوميات ولا مذكرات ولاحتى محفوظات نصّية أو صوتية في جهازي اللابتوب والموبايل الخاصين بي) ص66? وبلغة شفافة رشيقة سمت عن اللغة السردية الاعتيادية يقود بطل هذه الرواية دفـّة الأحداث لنجد حالة التأزم والحيرة التي رافقت دكتور علاء وهو يكتشف كلما تقدمت الأحداث تلك العلاقات المريبة مع أشخاص آخرين غيره (: هدر صوت محرّك المولّدة وسطع الضوء بقوة مرة أخرى، حكيتُ لنرمين عن رواء العطّار التي باعترافها صارت نسرين الصفّار، وعادت لتكون رواء العطّار مرة ثانية، ثم تحولت في اعترافات المدعو أبا غسّان الى ناهدة حدّاد، وفي رواية بهجت كاظم الى أوديت بنيامين، وهاهي تمسي تغريد الحاج في مروية نرمين..)ص ،129 وأمام هذا اللغز المحير لتلك المرأة متعددة الاسماء والتي تقيم أكثر من علاقة، كان الدكتور علاء في حالة دوار محير من أجل معرفة سرها وما الذي تريده في كل ما تفعله، إذ أن الروائي جعل المتلقي يرحل مع بطل النص في رحلة استكشافية لمعرفة المزيد عن هذا المرأة الكذابة اللعوب بمرافقة بطل هذا النص الذي شغلته وغيّرت مجرى حياته، كما إن زاوية النظر التي اتخذها في مسار السرد هي لغة تداعي روحية عميقة تنبعث من أعماق روح بطل النص، وتتغير وتتلون حسب مقتضيات السياق الفني وتنوعه، بين الفرح والحزن والدهشة والقلق والخوف والارتباك والعاطفة والاشتياق، وهو اختيار صائب أعطى للروائي مساحة واسعة ورحبة لنقل الأحداث بكل حرية، ورغم تلك الرحلة للبحث عن عشاق رواء العطار فإن الأحداث لم تتوقف في مسيرتها التصاعدية على هذا النحو بل إنها انتقلت نقلات نحو تأزمها وسبك حبكتها، وازدياد شدة التوتر والاحتدام فيها، حيث ظهرت حنين مدرسة النقد الحديث لتشكل مساراً آخراً في مبنى السرد وتنشأ علاقة نزيهة بينها وبين دكتور علاء الذي لجأ إليها لغرض إنقاذها من هذا التدهور والإنكسار النفسي الذي حاق به بسبب تلك العلاقة الغريبة، وبعدها تزداد الأحداث في ذروتها، فنكتشف أن أغلب الذين أقاموا علاقة عاطفية مع رواء العطار يقتلون بظروف غامضة، وقد ظهر الجهد الفني واضحاً من خلال المسيرة السردية، فهي في دوائر تصاعدية مستمرة، وأحداث متدفقة دون إحساس بالملل أو الترهل في متن النص، لتظهر فجأة أخت رواء العطار “نوافل” التي تشبهها الى حد بعيد، فيظنها رواء إلا أنها تكشف هويتها وتقول له(: أنا أخت رواء. جاءت “هي” من غير موعد متفق عليه. ولحسن الحظ كان زميلي الذي يشاركني غرفة المكتب خارجاً في محاضرة.. حدّقت فيها بإرتباك ونبضي يتسارع .. كانت هي، رواء العطار أو نسرين الصفّار أو ناهدة حدّاد أو أوديت بنيامين أو تغريد الحاج أو نهى الجزيري بتقاطيع وجهها الخمري المُدوّر ،بتسريحة شعرها السبط الفاحم، بلون عينيها الدعجاوين، بقامتها المثيرة المشدودة، لم يتغير فيها شيء مُذ تركتني في آخر مرة قبل اكثر من سنة)ص 254 .

شبه قريب

وبالرغم من هذا الشبه القريب إلا إن أختها أخبرته بأن رواء العطار قد قـُتلت في ظروف غامضة وتريد منه أن يحضر معها لإخراجها من الطب العدلي ودفنها.

وهكذا تدور الاحداث وتنتهي طقوس دفنها إلا أن ظلال جسدها يظل يدور في أروقة شقة دكتور علاء ولا زالت تهيمن على تفكيره وحواسه رغم انشغاله بحب جديد مع حنين.

ولا يمكن لنا من خلال تحليلنا لهذا النص أن نحكم إنه يقدم لنا مساراً سردياً مكشوفاً وواضحاً، بل إنه مبطن بعدة أغلفة ساهمت بإنضاجه، من خلال اللغة السردية فوق الاعتيادية، الثقافة العالية التي دُونت فيها أحداث الرواية، الرسالة الثقافية الكبيرة، التي تثبت للعالم بأن الروائي العراقي يستطيع أن يقدم نصوصاً يكون فيها عامل مشترك مع الآخرمن خلال القص والسرد السينمي المستخدم في أي بلد كان، ظهور الملامح المميزة ورسمها بدقة لكل الشخوص داخل متن النص، وتأتي بنية العنونة لتكون جزءً لا ينفصل عن النص، الخطاب الأدبي موجه إلى كل القـٌرّاء بغض النظر عن نسب الوعي والإدراك والتفاوت في ذلك. الخطاب الإنساني يشكل حالة واضحة رافقت حركة مسيرة السرد، ورغم كل هذا فأن لغز رواء العطار يظل مغلقاً، إذ ترك الروائي النص مفتوحاً والذي هو دكتور علاء البابلي، وهذه الهوامش المضيئة التي رافقت مسار المبنى السردي التي وحدت الرؤية لدى المتلقي، وأسهمت بفكّ طلاسم النص، وتكشف أيضاً حالات تحدث للروائي إثناء تدوين الأحداث، منها إحساسه بالفراغ وعدم مواكبة الأحداث، وجفاف الفكر والقلم، ومنها الإشارة إلى المتلقي، بأن يُعطي رأيه هل أنه أجاد الحكي وقدم مضموناً يستحق الإهتمام والبقاء لزمن أبعد أم تراه يعبث في رؤية متخيلة ستزول حال قراءتها، وأحياناً هذه الإضاءة تكون منسجمة ومتصلة مع وحدة الأحداث والثيمة داخل المسار السردي، وأحياناً تكون نظرة نقدية فاحصة لما يحدث إلا إنها في كل الأحوال لم تخل في مبنى النص السردي وجاءت مكملة للأحداث، ولم تظهر عليها المباشرة العلنية التي تحاكي المتلقي بعد الخروج من النص. وهكذا فإنه ترك إشارة ضوئية في نهاية الرواية( عذراً هذا ما قدرت عليه. فبعد أن كتبت ما كتبت أشعر وكأن جروحي / جروح روحي / بدأت تندمل.. الهرّ الذي فيّ يفكر بمبارحة المكان خارجاً الى حيث الزرقة المُبهرة والهواء النظيف والطرقات العريضة المشرعة، فالرجل الذي أخبرني بشأنه الكائنان الغامضان سيأتي لاصطحابي لم يأت بعد… لعله لن يأتي أبداً.. لعلهما لم يكونا في أي يوم.. فيما رغبتي في الاستمرار بالحكي ووضع نهاية لما جرى آخذة بالتلاشي، لذا سأترك كل شيء على حاله لكم “اصدقائي القراء، صديقاتي القارئات” وأنا على يقين بأن الفطرة السليمة والنباهة والقدرة على التخيّل التي لديكم ستعينكم على إعادة إنتاج الرواية ورسم نهاية منطقية، مقنعة ومدهشة لها، تغمضون على إثرها عيونكم وقد يهمس بعضكم: ياله من ماكر دعيّ هذا الراوي / الروائي الذي اسمه علاء البابلي) ص 390

مساحة مضيئة

ورغم معرفتنا مسبقاً أن الروائي ليس دكتور علاء البابلي، وإنما سعد محمد رحيم، إلا أن الأخير أراد أن يجد له مساحة مضيئة ضمن متن النص فاختار دكتور علاء بطل الرواية ليكون بديلاً عنه لنقل هذه الهوامش المضيئة، ويكون هو خارج سياق النص، وهذا ماتتطلبهُ البنية النصية، إذ لايمكن للروائي أن يكون داخل النص بشكل مباشر، لأن ذلك يعني إخلالاً في مبنى السرد، كما إن دكتور علاء هو من يعيش تلك الاحداث المتقلبة المتصارعة الغريبة، لذا فإن تلك الإشارات تكون أكثر وقعاً وتأثيراً إذا ما قام بتدوينها ضمن مسار السرد.

(الحياة ليست سيركاً، ولسنا حفنة من المهرجين حتى لو أردنا أن نكون كذلك… الحياة تراجيديا رحلة يوليسيس وانتظار بنيلوب، تراجيديا سيزيف المثقل بالصخرة، تراجيديا روميو وجوليت تراجيديا نصنعها بإرادتنا لأننا هكذا جُبلنا، طينتنا هكذا، قدرنا هكذا، أن نكون أحراراً ونحن نمضي نحو النهاية إلى الهاوية) ص 134

إن ما تقدمهُ ثيمة رواية (ظلال جسد –ضفاف الرغبة) للروائي سعد محمد رحيم، هي رغم إننا نعيش داخل أسوار الموت، وبين الحروب، وتحت سطوة الانفجارات والقتل، وعلى فوهة بركان مشتعل يفور، إلا إننا نستطيع أن نتنفس الحياة، نعشق، نحب، نسهر، نمرح، نعيش ملذاتنا وأفراحنا وأتراحنا، فلابدَّ للحياة أن تستمر شئنا أم أبينا

هذه الرواية حائزة على ” جائزة كتارا للرواية العربية 2016″ “فئة الروايات غير المنشورة”