دفاتر فوزي الهنداوي لم تعد مفككة الأوراق

دفاتر فوزي الهنداوي لم تعد مفككة الأوراق

إبداع يحوّل الميتا سرد إلى متعة وإقناع

حميد السوداني

هي ليست دفاتر متماسكة الأوراق

وليست دفاتر ممزقة ..

ولا دفاتر مبعثرة أوراقها ..

إنما هي دفاتر مفككة الأوراق .. أوراق كانت خزنات متعددة .. ورسائل هنا وهناك .. ولكن الأهم تلك اللعبة التي دائماً تشغل عقولا نيرة تنبت في أوردتها أجنحة خيال .. هذه الأجنحة النيرة الخيالية المهدئة لاضطراب الإنسان في عالم يقسو على الأرض التي تحتجز اختفاءنا المبكر في قرارات اضمحلال الرواية الكبيرة وظهور رواية قاسية كتبت في زمن غياب مرن للحرية المسجونة في قضبان عولمة ثقافية مريضة قاربت من بدء الاحتفال بموت أذواقنا الكلاسيكية الناضجة والمعافاة من نماذج الحب الجديدة .. حب معقد يحتاج إلى حقنة حضارية تؤلم وتنبه القارئ والكاتب معاً.

وربما بنظرة أخرى أن هذه الكتابة والتي أقصد بها رواية الميتا – سرد أو    ” الميكانكشن – أي ما وراء السرد؛ وفي الحقيقة أن هذا النوع الأدبي ليس جديداً على القارئ فقد كان الطريق ليس صعباً على النقاد أن ينشغلوا وكذلك الروائيون ومنذ ثلاثة عقود كما يقول د. فاضل ثامر في مقالته ” ميتا سرد ما بعد الحداثة ” في مجلة الكوفة شتاء 2013 ص29 بفحص وتحليل وتقييم هذا اللون الجديد من  الرواية ..

وللأهمية لهذه الوقفة وللذاكرة المدونة فإن الأوراق والمخطوطات والمذكرات وقصاصات الأوراق، المحاضر البوليسية، كتابات العشاق، خواطر السجناء، ملاحظات المهمشين والمهمين في هذه الدنيا التي في كل بيت وكهف ومنارة وبرج مثل هذا الكم من مجمع لكتاب عالميين مثل رواية ” سرفانتن التي كتبها من أوراق اقتناها من أحد الباعة المسلمين واسمه (أبي حامد)”، وكذلك روايات الحلم العظيم لأحمد خلف وثلاثية عبدالخالق الركابي/ الزورق، وقشور الباذنجان/ لعبدالستار ناصر، ولطيفة الدليمي/ نساء زحل، وفاضل العزاوي في الأسلاف، ورواية صحراء نيسابور لحميد المختار، وعدد ليس قليلاً من الكتاب العرب والعراقيين..

يقول هوميروس في الأوديسة ” لقد انتهينا الآن من هذا العمل، فدعوني أجرب هدفاً آخر” وها هو المبدع فوزي الهنداوي الذي قدم قبل هذه الرواية للقراء روايتي   ” على أمل أن نعيش” و” رغبات منفلتة ” بخصوصية تقنية مختلفة..

دفاتر مفككة

ها هو الآن وعلى لسان بطل ” الدفاتر المفككة ” روايتنا التي سيصيبنا شيئا من الشوق لمتابعة دواخلها الجريئة ضمن معطيات الكم الكبير لروايات ما بعد 2003م وقبلها! يقول سامر بطل الرواية ” أكتب لأن الكتابة ذات قدرة تعبيرية مدهشة”، ولأنه لا يوجد كاتب كبير وكاتب صغير، فهناك عمل كبير وعمل أدبي صغير، فالكاتب يكبر بأعماله، وما هذه التجربة التي دخلها كما يقول على لسان بطلها ” مادامت الكتابة فن التورط، فلأجرب التورط معهن”.

مَنْ هن؟ ثلاث نساء يتطوعن بعد اختيارات عدة أن يكتب عنهن رجل رواية من خلال هذه اللعبة، المغامرة، الجرأة .. يكتب عن أوراق أرواحهن، غابات الأماني، الأشياء الصادقة والمزيفة، الصمود والاستهتار بالذات من أجل هدف بلا هدف .. تجربة في الخداع، تجربة ثرية يفوح منها جنون الثلاثة ورابعتهن امرأة أرملة .. في هذه الكتابة لا تتبعثر الجمل ولا تختفي الحروف، إنما أحياناً تنطق بالمسؤولية وأخرى بالشهوة ولذات ضائعة.

في أوراق مخفية ورسائل على المناضد، ذكريات صافية للعذارى ومزاحات خطيرة لامراة ترسم الخيول والعذارى نائمات بين جذور الجحيم، نفوس كبيرة تتنافس على ” رجل واحد” ” سامر” واحد، مؤلف تورط في دخوله عالم لم يستقر بتخطيطه الذكي في الرواية .. لكنها، تلك البطلات وتابعهن ينعمون بالرضا والزمن الرائع والأحلام المتصابية ” آمال” الإعلامية، ” أحلام” الرسامة، ” أماني” الأستاذة الجامعية، و” إقبال” الأرملة التي لم يترك المؤلف سكونها الحزين فدخل في منعطفات الفراغ الاجتماعي وسقوط الصمت في وحل هزائم متكررة لحقـــــوق المرأة هنا وهناك.!

” أماني” المرأة .. الرهبة والخوف الشرقي .. والإعدام المضاعف للقلوب المرهفة والستار والخندق والقلعة والمارد والسلاح القاتل لمن يصل إلى أسوارها!!.

وقار السلطة

أماني .. التي احترق ” سامر” بخيالها، ونشيدها الأنثوي، وهيبتها المتلبسة بالوقار والسلطة، كشفت ضعف الرجل المختار لهذه المغامرة الأدبية التي لم يتاخر بالموافقة على خوض ” التجربة “.. تجربة الوصول لها، حرة المسافات، تلاقي الوجوه والعقول والقلوب، وهي التي لم تحسم أمورها مع ذاتها .. هنالك توقيع كتاب .. وهناك نساء ثلاث أخريات دخلن في هذا التكليف المفرح للكاتب .. أقنع الجميع إن هذه الأوراق هي حياتهن المبعثرة .. وهي يوميات لا قيمة لها إلا إذا كان اللقاء .. لقاء من الصعب الظفر به لشاب أحب واحدة ليدخل في غابة أربع من بينهن “إقبال الأرملة”.

إن الحقيقة البسيطة لا تبدو ناصعة إلا إذا أبعدت عن الدخان، ودخان هؤلاء النسوة خرج من نار لا تنطفئ، ولا أحد يرضى بانطفائها مادامت النار الأولى بشعلة الانطلاق للحركة والفعل والنتيجة .. إن هذا الانعكاس الذاتي لكل واحدة منهن تجاه سامر يوضح السفر إلى المجتمع الغارق في التناقضات والمؤامرات والخيانة .. فهدف السارد هو حب أماني .. لكن أحلام تعقد صفقة الخيانة لصديقتها فتدعوه إلى مرسمها والتعرف على والدها الذي هو خارج عن نطاق الألم والفرح ..والابتعاد والصدود .. كان موقفاً مؤقتاً. حين تم ما أرادته ” آمال” وهي خيانة أخرى لتستعين بسامر لإدارة جريدتها الخاسرة .. لكن آمال أصبحت قضية، مديرة مكتبها ” إقبال” الذي قتل زوجها بانفجار إرهابي .. تواجه هي الأخرى إرهاب ” سامر” ليصبح ” دون جوان” شرقي! يحاول أن يلعب بجسدها قبل عواطفها بعد أن فقد شاعرية حبه لأماني.. بعد أن فقد دخوله لتجربة رائعة في الحفاظ على كرامته على الأقل .. أدخل الانفجار الإرهابي وأدخل زواج المتعة وأدخل الحبوب المخدرة وأدخل أموراً لم تكن في الأوراق ولا الرسائل ولا الأسرار، إنما هي إسقاطات الرجال غير المحبين!.

في روايته الميتا – سرد أستطيع القول للأديب فوزي الهنداوي أنك دست الأرض التي تسأل عنها، ولكنها الآن في حوزة البطلات في الرواية .. فكل واحدة مثل ما تمنيت أن تخوض تجربة العطاء .. واحدة أعطت أوراقها .. والأخرى قدمت ضعفها والأخيرة قطفت ثمار شجرتها بكل ما واجهت من إغراء جميل … ولهذا فإن التهكم والسخرية التي ساعدت في دفعها إلى براءة الشخصيات هو الذي مزق نمو تلك العلاقات إلى القيم الإنسانية التي كنا نتوقع الفلاح بها، لوحة إنسانية ومنشور إعلامي وأطروحة جامعية للإنسان وضد شر الإنسان! هذا ما اعترفت به بطلات سامر ” لقد أعاد صياغة مشاعرنا وعواطفنا!! بدل من أن يعيد صياغة دفاترنا!

خطوات فنية

لكني أؤكد إنها ليست رواية عابرة اشتغل عليها التقني والمهندس فوزي الهنداوي، فهي ظاهرة اشتغل عليها من سبقه، وذكرها النقد العراقي واستقصى خطواتها الفنية. إنها الرواية الإبداعية التي كتبها عدة مؤلفين إلى الضفة الأخرى من الحياة .. فوزي الهنداوي في روايته خاف من فلسفة الرجال في النص، وابتعد عن الوصف الذي لا تحبه النساء في وقت المنافسة القصير، كما لم يدقق في النفس الواحد لحوار الأربع وربما الأب أيضاً، إنه سخر من الواقع التاريخي لنسائه، ألغى الطفولة والقصيدة والصبا وجمال الحلم عندهن! حطم الهوية النسائية الإنسانية وأصبح كرجل مباحث، يدقق بالأفعال والأقوال، يؤول، وينبش مفردات تصل لإهانة الخصوصية، أنسى القارئ هوية البطلات، ضاع في الشعر اللامكتوب.. إنه حاصرهن بحصار الظمأ البورجوازي بهذا الكبرياء وأحلام الغد التي لا تأتي.

لقد أزاح الذات الإنسانية عندهن بزلزال العقدة والحل والعكس أيضاً كما تقول إحداهن بنهاية الرواية ” صحيح ، إن عقدنا قد حلت، لكن الحل كله حله هو، الحل الذي نريده، كتب نهايتنا كما يروق له”.