
قراءة تطبيقية في تطفّل على السرد
المقالة الأدبية والقارئ وخطابها الإبداعي
قيس كاظم الجنابي
-1-
تعد المقالة الأدبية فناً أدبياً ذا صلة حميمة بالصحافة والثقافة على حدٍّ سواء ، وهي فن يستخدم لغة الخطاب الأدبي وسيلة للاتصال بالقارئ / المتلقي ، ولكنها تختلف في لغتها عن لغة الشعر، لأنها توظف لغتها صحفياً ، أي تجعلها وسيلة لإبلاغ القارئ موقف الكاتب وإيصال قدراته وتصوراته . وهذا ما جعلها تستخدم لغة لها مواصفاتها الخاصة بها من حيث التداول ، لأن لغة الشعر تتميز بالبلاغة والإيجاز ، أو الاقتصاد اللغوي ، حتى أن أحد النقاد يرى أن لفظة (الشعرية ) تعادل ( الثروة) ، مما يحيل إلى قوة الاستثمار اللغوي ، والى إنها نوع من أنواع التحولات النوعية للدلالة ، وليس مجرد الاقتصاد الكمي ، لأنها النواة الجوهرية للشعرية(1) ?لذا ينفتح الأفق واسعاً من أجل إيجاد صلات حميمة بين المقالة الأدبية والتداولية التي يرى( ليتش Leitch) بأن ممارسة الاتصال بين المتكلم والسامع لكي يحلان إشكالية علاقتها ، مستخدمين وسائل محددة للتأثير على بعضهما بشير إلى أن البلاغة التداولية البراجماتية تحيل إلى اعتمادها على اللغة بوصفها أداة لممارسة الفعل على المتلقي ، على أساس النص اللغوي في جملته إنما هو ( نص في موقف) مما يرتبط لا بالتعديلات التي يفرضها أشخاص المرسل والمتلقي وموقعهما على معناه فحسب وإنما بالنظر إلى تلك التعديلات التي تحدث في سلوكـــهما أيضا(2) .
ويرى (بيرس) أن ثمة ثلاثة أنواع من العلامات السيميائية في الاتصال ( الإيقونة والإشارة والرمز) فالإيقونة تتماثل مع ما تحيل إليه (الشيء) مثل النموذج أو الخريطة إنها يمكن أن تملك سمة ذات دلالة ، حتى وان كانت ما تحيل عليه (يعني الشيء) غير موجود، كما في الخطوط الهندسية وغيرها أما الإشارة فهي علامة يمكن أن تفقد ماهيتها التي تجعل منها علامة إذا غاب عنها ما تحيل عليه أو تم حذفه .. ويمثل الرمز علامة تربط بصفة اجتماعية توافقية بالشيء الذي تحيل عليه ، مثل الكلمات أو الإشارات المرورية ويفتقر الرمز للسمة التي تجعل منه إذا ما غاب المؤول3) ).
تكاد العلاقة بين القارئ وكاتب المقالة الأدبية تكون مباشرة ،وغير خاضعة لعمليات الاتصال السيميائية، ولكنها قريبة من أسس التداولية التي تعنى باستخدام اللغة بين المتكلم – الكاتب- القارئ /المتلقي بوصفهما عنصرين رئيسيين في مضمار التأويل اللساني ففي القصة تعد القصة شكلاً من أشكال استخدام اللغة ، وتمثل الحاجة الى البحث عن العلاقة بين اللغة ومستخدمها من أجل استخلاص التأويل أو من أجل فهم بينة القصة (4) وهذا ما يمكن ملاحظته في كتابة المقالة الأدبية التي يواجه بها الكاتب المتلقي في عموده الصحفي الخاص – وهو تحت باب معلوم – لأن التداولية معنية بعلاقة القارئ بالنص وعلاقة الكاتب بالقارئ لأن هذه العلاقة تخرج نطاق المقالة / الكتابة من فضاء البراءة إلى فضاء التأويل لأنها تيسر تأويل الأقوال التي تظهر فيها ، ويمكنها بهذا المعنى أن تساهم في شرطية صدق القضايا التي تعبر عنها الأقوال5) ).
-2-
ثمة علاقة حضورية للقارئ في العمود الصحفي تعيش باستمرار في ذهن الكاتب ، ولكن حين يكون العمود مقالاً أدبياً تبرز هذه الخصوصية بوضوح وتصبح المقالة مادة تثقيفية ، لها مواصفاتها وعناصر بنائها ، وقدرتها التداولية ويبرز اللقاء بين الكاتب والقارئ عبر النزوع العاطفي الانفعالي المشحون بالنزعة الذاتية بجانب العناية باللغة نسيجاً ومفردات ، كما في كتاب (تطفل على السرد) لحميد سعيد الذي نشأ شاعراً وكاتباً صحفياً ، ولكنه هذه المرة يحضر بصفته كاتب مقالة أدبية من نوع رفيع والكتاب واضح من عنوانه ، انه يشير إلى تناوله موضوعات سردية في عمود صحفي ثقافي وهمه الأساس الاتصال بالقارئ الذي قال عنه :(( إن الكاتب يكثِف لغة مقاله بما يجعلها قريبة من القارئ غير المتخصص فهو يكتب في صحيفة يومية ، وليس في منبر متخصص أو دورية أكاديمية))6) ). ومثل هذا المقال الأدبي – كما يرى الكاتب – يأتي أحياناً عفوياً ، أي دون تخطيط مسبق ، وهو ما يكشف عن عنصر مهم من عناصر بناء المقالة الأدبية ، لأن العفوية ترتبط بالعاطفة والذاتية وتجعل المقالة مشبعة بالحيوية والشفافية ، وتمنح اللغة الأدبية رونقها وقوة تأثيرها ، وبهجتها التي تتسرب من الكاتب إلى القارئ ، ويشمل ذلك عنوان المقالة أيضاً ، والمقالة لا تريد أن تتوغل عميقاً في بناء العمل الأدبي ،كما يفعل الناقد المتخصص ، لأن الأخير معني ببناء النص الأدبي ، بينما كاتب المقالة معني بالعلاقة بين أطراف المعادلة الثقافية (النص / الكاتب / القارئ ) أو بالعكس ، وهذا ما جعل مقالات هذا الكتاب أشبه بحوار بين القارئ والنص ، حتى ليبدو الكاتب وكأنه قارئ يحاور النص الذي يقرأه ) (7) لهذا حاول الكاتب أن يبرز ملامح اللغة التداولية في النصوص التي تناولها ، في إحالة غير مباشرة إلى علاقة التداولية بالمقالة الأدبية ، أو علاقة القارئ بالمقالة ذاتها .
للقارئ حضور جلي – في مقالات هذا الكتاب – من خلال خصوصية اللغة الأدبية التي ينسج عباراتها وصورها ، وهي تتوجه بانطباعية واضحة نحو القارئ بوصفه الركن المهم في هذا المعادلة ، كما يرى ذلك كاتبها حين يقول: (( انفتحت على قراءات انطباعية في روايات ومجموعات قصصية ، (…) ولأني لست ناقداً ، وليس في حدود الانطباعات ، وتعتمد الحوار بين القارئ والنص وفيها لست سوى قارئ يحاور النص الذي تقرأ ))(8 ). في إشارة إلى خطة منهجية تبناها الكاتب تشير إلى أن مقالاته تتمحور حول إقامة الحوار بين النص والقارئ .
في حالة مثل هذه يمكن تتبع عناصر العلاقة بين القارئ والنص ؛ ذلك لأن الكاتب ناقل ، ووسيط هدفه إبلاغ الحوار الذي يمثل جانباً واحداً من عناصر العملية الإبداعية ، بل يمثل جانبي الإبداع والتلقي لكي تكمل الدائرة الإبداعية ،وفي كل هذا تعمل اللغة على خلق حركة تواصلية ذات أبعاد فكرية ، اجتماعية ، لأن اللغة عبارة عن نسق لا يحتكم إلا لنظامه الخاص ، وهي تؤدي وظائفها المتعددة التي يحدد المرسل الوظيفة التعبيرية والمتلقي الوظيفة الكونية ، الرسالة ، الوظيفة الشعرية ، بينما يحدد السياق الوظيفة المرجعية ، بالتواصل ، ويشمل وظيفة المتابعة التي تسعى إلى تأكد من أن المتلقي مازال يتابع الاستماع ، الشفرة لوظيفة الميتا لغوية ( الما وراء لغوية) التي تهتم بالكلام بوصفه شيئاً تمحور فيه أنموذج الاتصال 9) ).
ثمة إحالة إلى علاقة اللغة بالمتلقي في مقالة (الرواية .. شعر الدنيا الحديثة) من خلال العلاقة الحيوية بين اللغة الشاعرية والسرد ، والتي (( أصبحت من سمات الكتابة في العصر الراهن ، وتياراً أدبياً من تيارات القصة ، وصارت الرواية الحديثة ، تعود إلى بداياتها الأسطورية ، حيث يتوحد الخيال والحكي واللغة المجازية)) ((10 ذلك أن الأداء وفقاً للتوجهات السابقة في حمل الرسالة هو بمثابة رسالة موجهة من الكاتب إلى القارئ ، كما يرى ياكوبسن 11) ).
إذا كانت المقالة الأدبية تحمل رسالة واضحة إلى القارئ أوضح من النصوص السردية كالقصة والرواية ، لأنها تقوم على الاتصال المباشر والتلقي الواضح ، ولأن أسلوب تعبيرها ولغتها هي جزء لا يتجزأ من المناخ الثقافي الذي يحصل فيه الحوار بين القارئ والنص ، فهي بالتالي تحمل في توجهها إلى القارئ جانباً تداولياً يشير إلى حضور الكاتب بوصفه وسيطاً بين النص السردي والقارئ والذي تترشح فيه السيرة الذاتية لكي تشعرنا ببهجة التلقي ، كما في مقالته (عبد الرحمن مجيد الربيعي .. سيرة مدينتين) من خلال الانفتاح على بناء السيرة الذاتية وتشخيص عناصر بنائها ، كما في كتاب (وجوه مرت) كما أفاد من بناء القصة القصيرة التي استأثرت بالنصوص والشخصيات وهو استئثار نابع من خبرة الكاتب وقدراته الإبداعية التي حاول توظيفها جامعاً بين السيرة والقصة ، وكذلك وصفه لعمود علي السوداني بـ(العمود القصصي) ووصفه لمقالاته الصحفية بـ(المقالات القصصية) لأنها تقترب من تقاليد الكتابة الصحفية بقدر ما تبتعد عنها12).).
من المحتمل أن يشكل هذا النوع من الكتابة رافداً مهماً من روافد خصوصية المقالة الأدبية ، مع الإفادة من الخزين الثقافي التي تهتم بضرورة استجابة القارئ السريعة ، وتفاعله ألصميم للكتابة ،وكأننا أمام محاولات ترويض اللغة الأدبية (شعراً أو قصة) لتأخذ دورها في الانفتاح على حاجات القارئ الثقافية اليومية ذات الوظيفة التداولية ، كما في مقالته ( وحدة في التعدد) التي تتناول رواية (الشندغة) لقاسم توفيق التي يقول فيها ((غير أن” شندغة” قاسم توفيق في ثنائية لغتها عن الأحادية في أكثر من مكون مكونات الكتابة الروائية وان الحديث عن لغتين أدائيتين ، شعرية وتداولية ، يقترب بناءً من الإداء الأسلوبي في الرواية ، فإذا كان الوصف والتوسع فيه ، إلى تفاصيل التفاصيل ، ظل من صفات اللغة الروائية التداولية)) 13)).
إن الكاتب يناقش قضية اللغة بوصفها أداة توصيل وازدواجية اللغة في التعبير كما في مقالته (حسن حميد .. في البحث عنها مكر .. الصانع الماهر) التي وصف بها الكاتب الفلسطيني بالماكر والموهوب والصانع . لأنه استطاع أن يوحد الوظيفة والجمال وانه استطاع أن يتداخل في عمله الجمال العام وجماليات التفاصيل حتى انه وصف لغته وقلمه بأنه ((يتحرك في محيط لغوي ثري ، تمتح من مصادر كثيرة القراءات بصفحتيها التراثية والمعاصرة والحياة اليومية بغناها اللغوي الذي يغادره البعض إلى فقر النص المكتوب فيقصر نصه على بضع مئات من المفردات المكرورة والقاصرة عن استيعاب حركة الحياة غير أن لغة حسن حميد ، كما هو في نصه السردي في امتلاك جرأة التجاوز حيث الالتفات إلى ما يغني الكتابة وحين يتوقف القارئ عند مقطع ما يفصح عن مصادر الكاتب اللغوية سرعان ما يكتشف انه لا يشكل ثابتا فقد يجاور مقطع أخر يؤكد ثراءه اللغوي دون تكرار المصادر التي تشكل منها المقطع الأول فيتوسع في مصدر على حساب مصدر أخر ، ويتباين تأثير هذه المصادر حسب القول والحال))(14) وهذا يدلل على أهمية اللغة في كتابة الأدبية بوصفها أداة توصيل مباشرة .
-3-
يهتم الكاتب على ثنائية اللغة والطابع الإدائي لها ، مما يشير إلى وجود نزعة شاعرية في السرد القصصي وعلى وجود لغة سردية تداولية ، ويريد بالتداولية اللغة العادية غير المنتقاة وهي لغة تعبر عن وعي الكاتب وكيفية مخاطبة القارئ وإيصال الفكرة إليه ،ولعل هذا الاسلوب هو ما سمي بالاقتضاء في الأدبيات التداولية التي طرحها اوزوالد دكر Oswald Ducrot والتي تشير إلى أن الدلالات اللغوية تتأثر بشروط اللغة وهي شروط ومتحققة في اللغة وهو ما يحيل إلى تداولية مندمجة تحقق الاقتضاء والذي يوصف بأنه المضمون الذي يبلغه الجملة بكيفية – غير صريحة ليحقق من خلاله شروط المحتوى وشرط الاستعمال علما بان الاقتضاءات هي المحتويات التي لا يحددها كون الجملة صادقة أو كاذبة وإنما يحددها التماسك المنطقي ، والانسجام الذي يقوم على القدرة على حوار الأسئلة والأجوبة.(15) وبهذا حققت هذه اللغة التداولية طروحات الكاتب في مقدمة كتابه والتي تشير إلى أن مقالاته هذه هي ثمرة للقاءات الشخصية في السؤال و الاستفسار ذلك أن التداولية تهتم بموضوع الاقتراب أو كما دعاه بالحوار مع النص ومع ما يطرحه من قضايا ومع ما يحمله المتلقي من أفكار وقناعات .
ويفترض الخطاب كموضوع خارجي وجود فاعل منتج له ، ووجود علاقة حوارية مع المخاطب ومن الناحية الألسنية فان فكرة الفاعل ضرورية لمتابعة تحولات اللغة في الخطاب ولكنه من الناحية العملية ليست اللغة نظاماً وحيد الاتجاه ولا الفاعل المتكلم وحده شخصية أو فردا معروفا في ممارسته القولبة ، على الرغم من أنهما يمثلان الأساس الضروري لنظرية اللغة والأسلوب ((16 .من هنا يمكن أن نقف على جملة من الافتراضات التي تتعلق بالمقالة الأدبية التي يكتبها حميد سعيد ، ومنها :
1- وجود نص أدبي ، نثري (سردي تجوزاً).
2- وجود باث / مرسل هو الكاتب.
3- وجود وسيط هو اللغة الأسلوب.
4- وجود مستقبل / متلق يتداول تلك النصوص.
لكن اللغة تأخذ الجانب الأكثر أهمية في هذه العملية ، لأن الكاتب معلوم القارئ يتعلق بالمكان والزمان الذي يجري فيهما نشر المقالة هي النص أو الجزء الجوهري في عملية الإنتاج .
– 4-
تراوحت اللغة بنظر الكاتب بين اللغة النوعية التي تشير إلى جنس النص الأدبي وعنوان الكتاب يشير صراحة مع المدخل إلى وجود أكثر من لغة أو زاوية تتعلق بها لأن ثمة لغة نوعية هي لغة السرد، كما يبرز ذلك عنوان الكتاب (تطفل على السرد) والذي يشير إلى ولوج الكاتب لميدان غير ميدانه ؛ لهذا وصف عمله هذا ومقالاته تلك بأنها تطفل وهي تشير إلى تنافذ / تداخل جنسين أدبيين هما الشعر والسرد (النثر) ،لذا وصف الرواية في مقالاته (محبوبات .. عالية ممدوح السرد في تشكيل مسرحي ) بأنها (( هي نتاج كيمياء ، تتوحد عناصرها في بوتقة المختبر السردي)) ((17.
وأحيانا يصف اللغة الإدائية بالنفعية حين يشير إلى أن غايتها إيصال الجانب المعرفي من دون زخارف وجماليات مفتعلة كما في وصفه للغة غادة السمان في مقالته ( غادة السمان .. مقومات الإبداع) بأنها لغة أدائية ثرية ومتماسكة ومكثفة وتكشف عن جمال وفصاحة وقادرة على التبليغ من دون إخلال بإحدى الصفتين وشكلت لغتها سؤالا مهما يتعلق بقدرتها على المحافظة عليها وهي تنتقل بها من الوصف إلى الاستذكار إلى الحوار مما يجعل لغتها من عوامل تميزها وراء تجربتها الإبداعية( (18 بينما وصف لغة (رشاد أبو شاور) في مقالته عنه بأنها لم تتكئ على لغة شاعرية ، بأنها لغة تداولية ثرية ومتوازنة في حين وصف لغة جعفر العقيلي بأنه يشتغل بحرفية وأناة وأن قصصه(( تظهر ثوابتها في لغة إدائية ،فصيحة ومشرقة، ويتـــوفر لها التلاؤم بين المحكي وما يتـــناوله ويعبر عنه حيث يكون الحوار طبيعيا ومعبرا)) (19).
وثمة لغة تتجاوز التجنيس لان الكاتب معني بالنصوص السردية لكنه لاحظ منذ البدء أن التطفل ينسجم مع نزوع لغة السرد في مرحلة ما بعد الحداثة نحو لغة الشعر ، متجاوزا بذلك حدود اللغة الأدائية بعض الاحيان ، ذلك ((أن اللغة الشعرية بكل مكوناتها وانفتاحها وطاقاتها التعبيرية قد اقتحمت النص السردي )) (20 ) لذا لاحظ أن (سامية العطعوط ) قد تجاوزت مقدمات التجنيس إلى التشظي؛ لان الجنس الأدبي يحتمل الكثير من التنوع والتفريع.
وحاول الكاتب الاستعانة بالمؤثرات الخارجية لبيان قدرات النص السردي (موضوع المقالة) مركِّزا جهوده على الحوار مع المؤلف وقراءة أعمال الكاتب المدروس السابقة واللاحقة ،والاستعانة بآراء الأدباء والكتاب الذين عايشوه ..
وهذه المحاولات تعد احد أهم مرتكزات النقد الانطباعي لأنه يركز على ضرورة الإحاطة الكاملة والشاملة بشخصية المؤلف وأعماله ويجمع بين ما يحمله النص من إشارات / إحالات وبين ما يترسخ من الجوانب الخارجية التي تغني الانطباع الذي يسهم في كتابة مقالة أدبية انطباعية عالية التركيز والبناء ، لأن هذا الأسلوب يعبر تعبيراً حقيقيا عن قدرات كاتب المقالة في كشف مزايا النص وأبعاده الفنية وتوجهاته الاجتماعية حتى يصبح بالإمكان إيصالها إلى القارئ حتى تكتمل دورة الرسالة الأدبية في المقالة من المرسل إلى المرسل إليه مروراً بكاتب المقالة نفسه بوصفه وسيطاً / ناقلاً /مفسراً يسهل عملية الاتصال / القراءة ، بحيث تبدو المقالة الأدبية في هذا الميدان أشبه بكبسولة دواء مركزة يمكن أن يتناولها القارئ بمدة يسيرة محافظا على زمن المتلقي وهو يقدم له خدمة ثقافية بأقل ثمن ، وبأيسر وقت وبعدد محدود من المفردات والجمل مراعياً إيصال الفكرة وملامح البناء السردي الذي يكشف عن طبيعة النوع / الجنس الأدبي وعن مزاياه ، وبهذا أصبحت المقالة أقرب غالى المقالة الصحفية من حيث الوسائل والغايات ولكنها تمتلك قدرتها على الصمود أمام الزمن لعدم خضوعها إلى المتغير السياسي أو الاجتماعي ومقالات الكتاب تعد من نوع ( السهل والممتع) لأنها طبخت في مطبخ حرفي هادئ لتنضج على نار هادئة في مختبر حرص صاحبه أن يمنح القارئ كل قدراته نتيجة امتلاكه لإمكانات متقدمة في كتابة المقالة الأدبية والتي انتقلت إليه من خبرته الطويلة في الصحافة السياسية لهذا استغلها أفضل استغلال .
-5-
ومن خلال ما سبق ذكره نتساءل :
هل حقق الكاتب مواصفات ، أو عناصر بناء المقالة الأدبية في عمله المنهجي ؟
استطيع أن أقول بعد متابعة غنية للمقالة الأدبية في العراق منذ طفولتها الأولى مروراً بعلي جواد الطاهر ، وعبد الجبار عباس ، وشكيب كاظم ، أن كتاب ( تطفل على السرد ) يعد نموذجاً متكاملاً في كيفية كتابة المقالة ، وطبيعة العناصر الفنية التي تحكم كاتب المقالة والتي لابد من توفرها مسبقاً، مما يدل على أن كتابة المقالة ليست حقلاً تجريبياً لأنصاف الموهوبين أو المتطفلين على الأدب ، وإنما هي فن صعب ، سهل ممتنع، يحتاج إلى خلفية ثقافية عالية ، ولغة أدبية ثرية ، وولع ذاتي بالكتابة ، مع توفر عنصر المناسبة والقناعة والتجرد الكامل عن النزعات القصدية ذات التوجه الخاص بانتقاص بضاعة الآخرين وشيوع الروح العلمية والرقي الحضاري والميل نحو آفاق إنسانية عالية التوجه والتعبير ، لقد حقق الكاتب جملة مواصفات في كتابة المقالة الأدبية تجاوز فيها من سبقه من حيث المنهج وحجم المقالة والعناية بثقافة القارئ ووقته والاقتراب من توجهاته ومداراة نفسيته وآفاقه النقدية والاجتماعية.
المصادر
ـــــــــــــ
1ـ بلاغة الخطاب وعلم النص : صلاح فضل ، دار الكتاب المصري – دار الكتاب اللبناني (بيروت – القاهرة ، 1405 هـ / 2004 م ):ص 87.
2ـ نفسه : ص121.
3ـ تاريخ نظريات الاتصال : ارمان وميشال ماتلار ، ترجمة نصير الدين العياضي والصادق رابح ، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت ، 2005م): ص46.
4ـالتداولية والسرد : جون ـ ك آدمز ، ترجمة خالد سهر ، كتاب الأقلام- دار الشؤون الثقافية العامة ( بغداد ،2009 م): ص7.
5ـ التداولية اليوم علم جديد في التواصل : آن روبرل و جاك موشلار ، ترجمة سيف الدين دغفوس ومحمد الشيباني ، المنظمة العربية للترجمة – دار الطليعة للطباعة والنشر( بيروت ،2003م ): ص174.
6ـ تطفل على السرد : حميد سعيد ، دار تالة ( دمشق، 2010م) :ص13.
7ـ نفسه : ص13.
8ـ نفسه : ص13.
9ـ تاريخ نظريات الاتصال : ص10- 101.
10ـ تطفل على السرد: ص25.
11ـ قضايا الشعرية : ياكوبسن، ترجمة محمد الولي و مبارك حنون ، دار توبقال للنشر (الدار البيضاء 1988?) :ص27.
12ـ تطفل على السرد : ص102.
13ـ نفسه : ص168.
14ـ نفسه :ص132.
15ـ التداولية اليوم : ص47-49.
16ـ بلاغة الخطاب : ص121-122.
17ـ تطفل على السرد : ص136.
18ـ نفسه :ص95.
19ـ نفسه :ص237.
20ـ نفسه :ص.14
























