
حوارية ثنائية
ماهية الشخصية الإنسانية في علم النفس
قاسم المعمار
مما أثار اعجابي تلك التحليلات السيكولوجية لماهية الشخصية الانسانية في علم النفس التي تناولتها الدراسة القيمة التي ابدع في طرحها الشيخ الاستاذ مظهر الشمري عبر سلسلة بحوثه المعرفية التي يتواصل بها رفد المتلقي .
حينما يعرج بنا الى البحث والتحليل والمقارنة والتعريفات الايجازية اثناء احدى جلساتنا الحوارية الثنائية بيننا وهي استبيانية نقاشية جمّلت بريقها بتلك الطروحات التي ابداها محدثنا عمقاً ووعياً وسعة واستعانة بما جاءت به عقول علماء النفس والفلسفة والاجتماع في اطار التوحد الفكري والتي اعتبرها انا كمتابع اعلامي هنَّ محاور ثلاثة متجانسة ومتداخلة النتائج عبر طرائقها المنهجية المدروسة بأحقية الفرد والاسرة وبناء التكامل الاجتماعي وصولاً الى الدولة المثالية المنشودة لابد لي من نشرها للفائدة المتوخاة منها .
من جيد ما كنا نعتز به ايام زمان في دراستنا الجامعية متابعاتنا اليومية الدؤوب لما يطرح من جديد للمنتوج الفكري الرائع لأساتذتنا الاعلام علي الوردي ومنير الوتري وضياء الدين ابو الحب واحمد الكبيسي ومحسن عبد الحميد وآخرين احتلوا مكان الريادة من طرح محاور وأفكار استباقية في منهجية الفكر الثقافي المتنوع الميادين تجديداً واستكمالاً واستحداثاً واضافة .
في البداية انصبَّ حديث استاذنا الشمري حول الآفاق الرحبة للمباحث الخمسة لدراسته هذه في ماهية الشخصية وسماتها ثم العوامل التي تضعف الشخصية والطابع المميز لها والشخصية الناجحة ، ثم يختتم مبحثه هذا بالتعريج نحو التغير السليم والتغير المريض للشخصية .
ان علم الشخصية يعدُّ من اهم المعلومات الفلسفية كباقي العلوم كعلم النمو وعلم النفس العام وعلم الارشاد وعلم الكلام (المنطق الصوري) والقياس والتقويم…الخ… وهو الذي يعطي ثمرة الانسان بكل ما فيه من سلبيات وايجابيات سواء أكانت متميزة او ضعيفة وهو علم القواعد والقوانين التي تعصم مراعاتها عن الخطأ في الذهن او الفكر وهو جامع مابين الادراكات الحسية في التصديق في علم الكلام… يجمع ما بين نسبة الفكر او العقل عند الفلاسفة .
اذن … ماهية الشخصية وتفسيراتها السيكولوجية في رأيكم؟
نعم… يجيبنا الشمري بالقول انها مشتقة من كلمة لاتينية ومعناها القناع او الوجه المستعار الذي يضيفه الممثل على وجهه من اجل التنكر وعدم معرفته من قبل الآخرين ، انها قبل كل شيء خاصة اجتماعية وهي القدرة على السلوك الاجتماعي وهي تتفاضل بمقدار التفرق في هذا السلوك وهي العقل الاجتماعي الذي يعني الرشاقة في الحركة والحديث ولباقة الايماء والبعد عن الضجاجة الريفية والقدرة على الخدمة الخاصة .
استاذنا… من هذا يمكننا الفرز القيمي ما بين اوساطها المدنية والريفية .
وهذا ما أشرت اليه اعلاه مؤكداً علو هذه القيمة الذاتية في الحضر والتمدن لأن الشخصية هي القدرة على السلوك الاجتماعي الحسن والتأثر الفعال الذي يجعل ذكاؤنا ومهاراتنا مجدين .
سمات داخلة
هل يعد الانبساط أو الانطواء من السمات الداخلة لبنية ماهية الشخصية الخارجية؟
قد اجد الكثير من السمات تبرز مؤطرة للشخصية ومنها تلك التي اشرتها الآن في ضوء الاستعداد الديناميكي لحالات الاستجابة والظرف الملائم لها والمتغيرات التي يكشفها تحليل الشخصية وهنا أشير الى ان جميع السمات الشخصية ترجع الى فئتين هما:-
فئة السمات العقلية .
فئة السمات الخلقية .
ينظر في الأولى الى الوظائف السيكولوجية بتحصيل المعرفة … وفي الثانية الى الوظائف الوجدانية والحركية ، وقد اسفرت الاختبارات التي عملت في كلا المجالين عن نتيجتين هما :
الأولــى : هي ان السمات العقلية تابعة لتركيبة الجهاز العصبي .
اما الثانيــة : هي ان معامل الارتباط بين السمات العقلية والسمات الخلقية ضعيفة.
لكن هنالك اشارات لوجودية وسيلة لفهم الطبيعة الانسانية تعيننا على ان نفهم انفسنا ونفهم غيرنا وتساعدنا اذا ادركناها على فهم الصغار والكبار.. وتلك الحقيقة هي ان كل واحد خاضع لما يراه مفيداً له هذا من حيث السلوك فهو يفعل ما يفيده فعله .
العوامل التي تضعف الشخصية
هل لكم ان تعطونا صورة ملامح اضعاف هذه الشخصية؟
بالتأكيد وجود الكثير من العادات والعوامل الحياتية قد تشكل طبيعة ثنائية ، فلكل عادة سيئة يقع فيها الشاب اسباب سايكولوجية هي حملت معتادها على الدوام عليها ان الشخصية الناجحة تحتاج اى المرونة بعيدة عن التجمهر النفسي وان الرقي يعني التغير ومن العادات المضرة التي نراها ونلمسها في حياتنا العامة .. شرب الخمر .. ولعب القمار ، ثم التدخين.. حيث تدلل ايماءاتها على قلق نفسي واضرار صحية واجتماعية ومادية وسلوكية كثيرة زائداً الانزواء والتقوقع في طيات الشخصية ، في حين ان الرجل السوي يتخذ اسلوباً معيناً استقر عليه بتفاعل معين بين نفسه والبيئة المحيطة به ايجابياً .
كيان سايكولوجي
ويسترسل الأستاذ مظهر في حديثه … كلما كانت المثيرات التي يستقبلها الشخص الى كيانه السايكولوجي جديدة ومستمرة في التجدد كان التفاعل الناتج توهجاً واقوى فاعلية ورسوخاً وخصوبة وحيوية … أما ما يعمل على اضمحلال الشخصية اضافة الى ما ذكرناه هو انفتاحها على نوع واحد رتيب من المثيرات مثلاً انغلاقه على التعرف بالاحداث العالمية والمحلية وعن الثقافات العامة وقراءة الصحف والاستماع للمذياع مما يصاب بالجمود وعدم التطور والانغلاق على المهنة الواحدة ، بل الانغلاق على النفس في الأسرة والعمل في التقوقع والضمور والخناق النفسي والكآبة .
لابد لي ان احدد اربعة انواع للشخصية الانسانية هي :
انطوائية غير مستقرة – متقلبة المزاج – .
انطوائية مستقرة – منفصلة – مفكرة.
انبساطية غير مستقرة – سريعة الغضب .
انبساطية مستقرة – اجتماعية .
وقفــــــة
وبالرغم من تعدد نظريات تكوين الشخصية الانسانية فهي لا تخرج عن ثلاث اساسية هي :-
النظرية البيئية .
النظرية الوراثية .
النظرية البيئية الوراثية .
فلقد تبنى النظرية الاولى العالم النفسي (فرويد) اذ يقول (ان الشخصية البالغة ماهي الا نتيجة لتكيف الفرد لمجموعة من الازمات في الجو العائلي) .
وان المعالم الاساسية للشخصية الانسانية تحدد ضمن خبرات الفرد داخل العائلة خلال السنوات الاربع الأولى من العمر … ويقول ايزنك (تتجدد الشخصية بالجينات الوراثية المتنقلة من الآباء الى الأبناء) .
فيما يعتقد علم النفسي انه ليس القصد من تكامل الشخصية كمال جميع سماتها ، انما تهدف تنسيق هذه السمات بحيث تكمل بعضها البعض ، فالتكامل يفيد معنى الاتزان والتوافق . قد تبدو لدينا صور من اختلال عدم تكامل الشخصية ، هل بالامكان معرفة نماذج عنها؟
يجيبنا الباحث الشمري ان اهم عوامل هذا الاختلال ترجع الى سوء رعاية الطفل من الوجهة الخلقية ، اضافة الى التنازع الاسري وعد الوفاق بين الوالدين مما يسبب الانحراف والتفكك منذ البداية اما اهم القدرات التي تساعد على تحقيق التكامل وتوفره في الشخصية فهي :
القدرة على التميز .
القدرة على الكفء الادراي وضبط النفس .
قد يختلف الناس بعضهم مع بعض في ناحيتين اساسيتين.. أولهما: هي قدرتهم على التقاط المؤثرات الخارجية . وثانيهما: القدرة على اصدار مؤثرات في الناس والاشياء .
ان الانسان اشبه مايكون بجهاز استقبال وارسال بحواسه الخمس يصل الى المخ بالتخيل والتصور والذكاء والتفكير والتذكر وتحويلها الى الصور الذهنية الادراكية … وهنالك نوعان من الخيال هما :
الخيال السلبي .
الخيال الايجابي .
وهنا الشخصية القوية تتذرع بالذاكرة في مجابهة الحياة وقد تترك بصماتها بقوة على ما يحيط بها من اشياء .
اذن … هنالك طابع مميز لبناء الشخصية الانسانية؟
نعم تتميز الحضارة الانسانية بالرحابة والاتساع والخصوبة بحيث يمكن ان يستوعب جميع الاستعدادات الفردية التي توجد لدى الافراد بالاضافة الى هذه الحقيقة فإن هناك حقيقة ثانية ينبغي ان لا تغرب عن بالنا وهي ان الحضارة الانسانية بحاجة الى تخصيب دائم وتوسيع مستمر . وما يزال الفلاسفة والشعراء والفنانون والادباء والمبرزون يتربعون على عروش المجد ويشار اليهم بأنهم شخصيات قوية ومؤثرة ، وان المتلقي قادر على اخيتار العناصر المناسبة لكيانه الفعلي فيتفاعل معها وقدرتها على التعديل والاستيعاب الجديد.
عادات ايجابية
وفي ضوء هذا يتضح امامنا العادات الايجابية لنجاح الشخصية والارتقاب ها في مجالات كالعناية بالهندام والحديث والواجبات الاجتماعية وتوسيع الاختلاط بالمجتمعات الراقية وملء الفراغ بممارسة الهوايات واشباع الاقتصاد المالي دون التقتير وبناء العلاقات العائلية والاجتماعية الوطيدة، كما يجب ان نقوم بتحليل نفسي متواصل لكي نصل نصل الى اسباب البؤرة التي احدثت له هذه الصفات السيئة ، فإننا يجب ان نعمد الى الاستهواء بأن نجعله دائماً يخاطب نفسه (انا شجاع ، انا لا أخاف ، أنا جريء لا أخجل) ، خطوات محفزة واثارة ايجابية ايحائية على الاقدام والجرأة والشجاعة الذاتية والشعور بقوة الارادة والثقة بالنفس وازدهار البناء القويم للشخصية الفردية .
هنا قد أكون مصيباً ان أضيف الى ما أورده استاذنا الشمري في دراسته هذه اصنافاً من الممارسات المجتمعية الايجابية والسلبية من الطر ف الأول اتجاه بناء الشخصية المقابلة (الطرف الثاني) محاورها الحسد والنميمة والتبسبس والقرف وخدش الحياء والتضييق والاستهانة والتهميش والترفع .. وقد تؤدي الى ايذاء النفس وخواء الذات وعزله مقيتة تلازم هذه الشخصية ومعاناتها الذاتية في حياته مما تجعله مركوناً للأنطوائية وكره الآخرين وانتهاز فرص للانتقام والاستفراد ، وهذه النتائج مما لايحمد عقاباها ضارة في تعميق القصور والاعتزالية المجتمعية ..فيما يقابلها نماذج العطاء الايحائي الايجابي لخلق وتكريس قيم روحية عظيمة من خلال الغرس الابتدائي للطفولة من قيم الصدق والأمانة والايمان والتوحد وحب الآخرين واطاعة الوالدين وبرهما والشجاعة والايثار والتعاون. ان خير صدقية لختام حواريتنا الثنائية في هذا الموضوع ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى لرسولنا الأكرم خاتم الأنبياء وقدوتنا محمد): (انك لعلى خلق عظيم) .. وقول رسولنا الكريم (أدبني ربي فأحسن تأديبي) ، ثم قوله? (بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) ، أمثال وشواهد ولمسات وبراهين عظيمة لزرع وانبات وغرس ونمو وشموخ الآفاق الرحبة لقاعدة بناء الشخصية الانسانية الخالصة المتكاملة المعصومة لرسولنا عن الزلل ، بل رمزاً مشعاً خالداً في الأمة الاسلامية والعالم الانساني .
























