الذكرى السادسة لرحيل القاص محمود عبد الوهاب

الذكرى السادسة لرحيل القاص محمود عبد الوهاب

كلمات تشهد أجناساً خيالية

  عـلاء لازم العيـسى

  لم يكن عصر يوم الأربعاء الموافق 7 / 12 / 2011 يوماً اعتيادياً في تاريخ مشفى الصدر التعليمي في البصرة ، ففي هذا الوقت ، وفي الطابق الخامس بالذات ، توفي الأديب الأستاذ محمود عبدالوهاب وحيداً عن 82 ) ) عاماً ، بعد أن كان قد تعرض إلى أزمة صحية أدخل على إثرها المشفى المذكور وأمضى فيه 47 ) ) يوماً سلبت منه جماله الصخاب ، ووسامته وأناقته ، وعقله الوثاب ، بل سلبت منه (( كلمات كانت تثمر أجناساً خيالية مرحة على لسانه فلما أهزله المرض وأمعن في كبده صار لسانه محروماً من طلاقة الخيال ، وجسده عاطلاً عن زيارة الجمال ، وغارت وجنتاه ويبست مفاصل أطرافه ))

 ( 2 )

    ولد الأستاذ محمود عبدالوهاب الخطيب في بغداد سنة 1929 حينما كانت عائلته في زيارة مؤقتة إلى العاصمة ، ونشأ في البصرة ، وأنهى دراسته الثانوية فيها سنة 1949 وحصل على بكالوريوس آداب اللغة العربية من دار المعلمين العالية ببغداد سنة 1953 ونال أعلى درجة في دفعته ، عمل مدرساً للغة العربية في مدارس البصرة الثانوية ، ثمّ اختصاصياً تربوياً لمادة اللغة العربية في مديرية تربية البصرة لحين تقاعده عن العمل الوظيفي سنة 1992 .

( 3 )

    نشر أديبنا أولى قصصه التي بعنوان ( خاتم ذهب صغير ) سنة 1951  ثمّ ألحقها بقصته التي لفتت أنظار النقاد ( القطار الصاعد إلى بغداد ) التي صدرت سنة 1954  كتب عنها الناقد الدكتور حاتم الصكر بعد سنين من صدورها قائلاً : (( فالقطار الصاعد من القصص المعروفة لمحمود عبدالوهاب ، ولا تكاد دراسة عنه أو عن السرد القصصي العراقي تخلو من عرضها ومناقشتها ، فقد كتبها القاص مبكراً مطلع الخمسينيات المحتدمة بالواقعية والتحولات السياسية والفنية ونهوض السرد العراقي والحركة الشعرية أيضاً ، وكانت قصة القطار الصاعد تنبئ بمرحلة جديدة فنياً ، فلا شيء يحدث خارج عربات القطار ، صاعداً من البصرة مدينة القاص إلى بغداد العاصمة المتوخاة والسارد مشارك في الرحلة والانتظار والتعليق على ما يجري داخل قطار متعدد الأمزجة والمرائي ، فكأنه الحياة ذاتها بتلاوينها وصورها المتعددة ، ولا شيء يفلت من نظر السارد : الوجوه والسحنات والأعماق والمشاعر والصور )) .

    وبالرغم من أن قصة ( القطار الصاعد ) نشرت في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي  وقد تلتها أقاصيص مؤلفة ومترجمة كثيرة وأعمال أدبية أخرى ، إلا أنها احتفظت بمكانتها وقيمتها عند النقاد وعند كاتبها أيضاً ، وقد أفصح الأستاذ محمود عبدالوهاب عن ذلك في جوابه على سؤال طُرحه عليه الشاعر الراحل حسين عبداللطيف في حوار نشر في مجلة (الأقلام ) سنة 2000 عن سبب اختياره تلك القصة ليضمها إلى مجموعته القصصية ، فقال : (( قصة )القطار الصاعد إلى بغداد ) تمثل عندي تحولاً في كتابتي القصة ، إنها النمط الذي يفصل في الرؤى والأسلوب والبناء والتقنية بين أقاصيص سبقتها في النشر وأقاصيص لاحقة بها ، وقد ضممتها إلى المجموعة من دون غيرها من الأقاصيص لأنها تحمل سمات جنينية للأقاصيص التي كتبت بعدها ، وقد سرّني أن عدداً من قرائها ما زالوا يكنون لها تقديراً خاصاً حتى بعد قراءتهم لها في المجموعة مع أنها كتبت في عام .  ((1954

( 4 )

    لقد كان المترجم له ( ظاهرة ) كما وصفه الأستاذ القاص محمد خضير في كتابه ( الرجل والفسيل ) لأنه جمع في مجموعته ( رائحة الشتاء ) صدر سنة 1997  ثلاث ذرى فنية مرحلية ، وثلاث مراحل أسلوبية: الواقعية التسجيلية والواقعية الشيئية والواقعية التعبيرية  ، ففيما يذكرنا صدور الكتاب ـــ والعبارة للاستاذ محمد خضير ـــ بوجود المؤلف الذي يعاصرنا فإنّ نصوصه تشير إلى المراحل التي احتوت وجود المؤلف السابق لنا ، إنّ صدور الكتاب في هذا الوقت يتيح لنا التمعن في إنجازنا الإبداعي الخاص ، العائم في الزمان والمكان ، أو المندفع مع النصوص التي سبقتنا إلى فوهة فرن القراءة الذي يلتهم كائناتنا الورقية دفعة واحدة ، لنتذكر أننا نبحث في وجود مؤلف / شخص حاضر بيننا الآن حضوراً لصيقاً سبقنا في التأليف خمسين عاماً ، وقد لحقنا بكتابه (الرجل والفسيل ص (14 فبالرغم من انتسابه إلى جيل الحداثة الأدبية الأول في القرن العشرين ، إلا أنه عاش بمواصفات ثقافية خارقة استقرت في ذاته العليا جعلته لا ينتسب لجيل بعينه ، كافح ليديم ذاتية ماكينته الحداثية ويصلح أعطالها مدة السنوات الخمسين الماضية ، وعندما توقفت الماكينة نهائياً عن إنتاج نسخ جديدة محدّثة ، توقفت أجزاء أساسية من هيكلية الحداثة العراقية النشيطة .( الرجل والفسيل ص .(64

( 5 )

  لقد أضافت الروح الشفافة ، والنبل الإنساني الكبير ، والقراءات الكثيرة والمتنوعة والواعية ، وبأكثر من لغة ، لأديبنا الكبير محمود عبدالوهاب حسّاً فنياً ، ونظرة ثاقبة ، ومنحته وسام الريادة وبراءة الإختراع في بعض النتاجات والمصطلحات ، واستحق لقب ( المعلم ) الذي منحه إياه وباستحقاق كبار أدباء البصرة ومثقفوها ، ففي حوار أجراه معه الأستاذ الناقد مقداد مسعود قدم له بقوله : (( منذ سنوات طويلة وأنا أرافقه بشكل يومي ، أرافق الشباب فيه وحيوية المعرفي  من محمود عبدالوهاب تعلمت الكثير الكثير معرفياً وسلوكياً ، وشرفني أستاذي بقراءة نصوصه وهي مخطوطة بقلم الرصاص ، ولأني من أقرب الأصدقاء العارفين بأوضاعه البيتية الخاصة ، لم أمارس ضغوط الصداقة لأفتعل حواراً صحفياً مع من هو بحق معلم من معالم البصرة)).

    وعندما يكتب الأستاذ مقداد مسعود قراءته في نوافذ الشاعر محمود البريكان فيقول : يحصّن الشاعر محمود البريكان جملته الشعرية بـ ( التكتيف) دون أن يؤثر ذلك في توصيل بثها الدلالي ، إن تكتيفه الشعري يجري عبر قنوات الإقتصاد الأسلوبي . ( اللسان المقطوع الأذن العصية ص (21 يذهب إلى صفحة الهوامش ( ص (30 ليقول : التكتيف مصطلح تعود براءة اختراعه للصديق الحميم القاص الكبير محمود عبدالوهاب ، اقترضته منه ، وسبقته ــ بعد الإذن منه ــ في الاستعمال .

    وفي ( قلب العالم  2  مقدمات لقصص محمود عبدالوهاب ) كتب الأستاذ محمد خضير ما نصه : ((تعلمنا من هذا القاص الرائد كيف نعدد شخصياتنا ، وأن نصبّها في أكثر من هيأة ، ونوزعها على أكثر من مكان ، ونمنحها أكثر من اسم أو ننزع عنها الاسم نهائياً ، ما نزال حتى اللحظة واقعين تحت سحر هذه الشخصية الشفاهية ، التي تحولت إلى كتابة نصّ بسعة قلب العالم )) .

    وعندما أراد أن يؤسس وعياً شديداً بموقع العنوان القصصي ووظائفه ، وأن يخلخل الفهم الخاطئ الذي يرى في العنوان قشرة أو غلافاً يحفظ القصة أو النصوص من الالتباس بغيرها فقط ، أصدر كتابه ( ثريا النص ) لكشف العلاقة السياقية بين العنوان والقصة التي تحمله ، كما تناول الكتاب في أحد فصوله طرائق القاص في إيجاد العنوان اكتشافاً واختياراً ، ولكلّ منهما حدوده واشتراطه ، ودعا الكتّاب إلى الأخذ بهذين المصطلحين في الدراسات النقدية بعد أن دعم رأيه بما يعزّز صحة المصطلح ، وقد تناولت الكتاب بالدراسة والتعريف المجلات الأدبية داخل العراق وخارجه ، وبعضهم ذكر على أنه أول بحث يدرس عناوين القصص.